I . الملخص
في 6 مايو/أيار 2009، وللمرة الأولى في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أمرت دولة أوروبية حرس السواحل لديها وسفنها البحرية بتوقيف وإعادة قارب مهاجرين قسراً إلى المياه الدولية دون مراجعة من أي نوع لمعرفة إن كان الركاب مستحقين للحماية أو عرضة للخطر بشكل خاص. والدولة التى قامت بأعتراض القوارب هي إيطاليا، والدولة التي تلقت المهاجرين المُعادين هي ليبيا. إذ سحب حرس السواحل وقوات حرس الأموال في قوارب الدورية الإيطالية قوارب المهاجرين من المياه الدولية دون حتى إجراء فحص لها لمعرفة إن كان بعض الركاب من اللاجئين أو إن كانوا مرضى أو مصابين، أو بينهم نساء حوامل أو أطفال لا يرافقهم بالغون، أو ضحايا إتجار بالبشر أو ضحايا أي من أشكال العنف ضد المرأة. وأنزل الإيطاليون الركاب المُتعبين في ميناء طرابلس، حيث سارعت السلطات الليبية بالقبض عليهم واحتجازهم.
يتناول هذا التقرير معاملة المهاجرين وملتمسي اللجوء واللاجئين في ليبيا من وجهة نظر من غادروا هذا البلد وأصبحوا الآن في إيطاليا ومالطة. هؤلاء الناس، على العكس من نظرائهم الذين ما زالوا في ليبيا، أحرار في الحديث عن خبراتهم دون خشية من المضايقة. وللتقرير هدفين. أولهما هو تحميل السلطات الليبية المسؤولية عن معاملتها السيئة للمهاجرين واللاجئين وملتمسي اللجوء. فهو من ثم يسعى لتحسين أوضاع الاحتجاز السيئة في ليبيا، ويسعى لتشجيع ليبيا على إعداد إجراءات للجوء تتفق مع المعايير الدولية للاجئين. ثانياً، هذا التقرير يسعى إلى تحميل الحكومة الإيطالية والاتحاد الأوروبي وهيئة الرقابة على المهاجرين لدى الحدود الخارجية للاتحاد (فرونتكس) التابعة للاتحاد الأوروبي، المسؤولية عن أي ضرر يلحق بالأشخاص الذين يُعادون إلى ليبيا دون تقييم لاحتياجات الحماية الخاصة بهم. من ثم فهو يهدف أيضاً إلى إقناع مؤسسات الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء بوقف إجراء إيطاليا وفرونتكس لأعمال الإعادة القسرية بحق المهاجرين إلى ليبيا، حيث يتعرضون بصفة منهجية للمعاملة والعقوبة اللاإنسانية والمهينة، وحيث لا يجد من يستحقون اللجوء الحماية الفعالة.
ولم تتمكن هيومن رايتس ووتش من مقابلة أو رؤية الأفراد المُعادين إثر التدخل الإيطالي، لكن هذا التقرير يستند إلى مقابلات مع 91 مهاجراً وملتمس لجوء ولاجئ في إيطاليا ومالطة، وتم إجراء أغلب المقابلات في مايو/أيار 2009. وقد زارت هيومن رايتس ووتش ليبيا في أبريل/نيسان 2009 لكن السلطات الليبية لم تسمح لنا بمقابلة أي شخص في الأماكن العامة أو الخاصة دون إذن صريح من السلطات. كما لم تسمح لنا السلطات بزيارة أي من مراكز احتجاز المهاجرين العديدة في ليبيا، رغم طلباتنا المتكررة بذلك.
يتناول هذا التقرير أيضاً العلاقة الوليدة بين إيطاليا وليبيا، ومن عناصرها الأساسية الآن اتفاق على التعاون من أجل وقف التدفق غير المنتظم لمواطني بلدان الدول الثالثة عبر ليبيا إلى إيطاليا. والنظام الإيطالي الخاص باعتراض قوارب المهاجرين جاء سريعاً في أعقاب اتفاقية صداقة جديدة مع ليبيا. "اتفاقية الصداقة والشراكة والتعاون بين الجمهورية الإيطالية والجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى" ("اتفاق الصداقة")، الموقعة في 30 أغسطس/آب 2008. ويدعو اتفاق الصداقة إلى "تكثيف" التعاون في "مكافحة الإرهاب، والجريمة المنظمة، والإتجار في المخدرات، والهجرة غير الشرعية". وقد اتفق الطرفان على تعزيز نظام المراقبة على الحدود على جانب الحدود البرية الليبية (50 في المائة تمويل إيطالي و50 في المائة مُنتظر أن يقدمها الاتحاد الأوروبي)، وأن يتم استخدام شركات إيطالية في هذا النشاط.
والنتيجة الملموسة الأولى لاتفاق الصداقة هذا كان نقل إيطاليا لثلاثة قوارب دورية إلى الطرف الليبي في 14 مايو/أيار 2009، على أن تشارك في إدارتها – القوارب – السلطات الليبية والإيطالية. وفي حفل الافتتاح، قال كوسيمو داريغو قائد الحرس المالي الإيطالي إن القوارب "سيتم استخدامها في دوريات مشتركة في المياه الإقليمية الليبية والمياه الدولية، بالتعاون مع عمليات البحرية الإيطالية". وأضاف أن: "عناصر حرس السواحل الليبيون سيتمركزون أيضاً في مركز قيادتنا على جزيرة لامبادوزا، وسوف يشاركون في دوريات على متن قواربنا".
وتخرق إيطاليا مبدأ القانون الدولي الخاص بعدم الإعادة القسرية بتوقيفها لقوارب في المياه الدولية وجرها لها معيدة إياها إلى ليبيا دون مراجعة لركاب القوارب. وثمة اتفاقات دولية عديدة تمنع الحكومات من إجراء الإعادة القسرية (وهي إعادة الأفراد قسراً إلى حيث قد تتعرض حياتهم أو حريتهم للتهديد أو حيث يواجهون خطر التعذيب). ومبدأ عدم الإعادة قسراً هو التزام واجب في القوانين الدولية لحقوق الإنسان وفي القانون الدولي للاجئين، وكذلك في القانونين الأوروبي والإيطالي، ويحظر أيضاً على إيطاليا إعادة الأفراد إلى أماكن قد يواجهون فيها المعاملة اللاإنسانية أو المهينة.
ولا يوجد في ليبيا قانون لجوء أو إجراءات للجوء. وبالنسبة للأفراد الساعين لالتماس اللجوء في ليبيا، فلا توجد آلية رسمية لالتماس الحماية. ولا تفرق السلطات بين اللاجئين وملتمسي اللجوء وغيرهم من المهاجرين. وقال لـ هيومن رايتس ووتش العميد محمد بشير الشيباني، مدير مكتب المهاجرين في اللجنة الشعبية العامة للأمن العام: "لا يوجد لاجئون في ليبيا". وأضاف: "هناك أشخاص يتسللون إلى ليبيا بشكل غير شرعي ولا يمكن وصفهم بصفة لاجئين. وأي شخص يدخل البلاد دون وثائق رسمية وتصريح يتم القبض عليه".
وأثناء زيارته الأولى إلى إيطاليا في يونيو/حزيران 2009، قال الزعيم الليبي معمر القذافي إن قضية ملتمسي اللجوء هي "كذبة انتشرت". وقال أيضاً إن الأفارقة "يعيشون في الصحراء وفي الغابات ولا هوية لهم بالمرة، ولا هوية سياسية. إنهم يشعرون بأن الشمال لديه كل الثروة وكل النقود، فيحاولون بلوغه. ملايين الناس ينجذبون إلى أوروبا، ويحاولون بلوغها. هل نعتقد بحق أن ملايين الناس ملتمسو لجوء؟ إنه حقاً لأمر مضحك".
ولا ترى هيومن رايتس ووتش بأن جميع أو أغلب المهاجرين في ليبيا أو ملتمسي الدخول إلى الاتحاد الأوروبي عبر إيطاليا أو مالطة، مستحقون لوضع اللاجئ، رغم أن معدل موافقة إيطاليا ومالطة على التماس اللجوء بالتوالي هما 49 و52.5 في المائة من إجمالي من يتقدمون بطلب اللجوء من جميع الجنسيات عن عام 2008. ومنطقة تراباني في صقلية، ومنها لامبادوسا، نقطة الدخول لأغلب القوارب القادمة من ليبيا، فيها نسبة موافقة على اللجوء تبلغ 78 في المائة من يناير/كانون الثاني حتى أغسطس/آب 2008. والكثيرون من مهاجري القوارب في واقع الأمر يفدون من دول ذات سجل حقوقي ضعيف وفي بعض الحالات تعاني تلك الدول من عنف معمم يشمل مناطق واسعة. وبعضهم لديهم بالفعل مزاعم احتياج لحماية دولية تتمتع بالمصداقية. لكن باستثناء من لديهم مزاعم طلب لجوء محددة، فإن جميع المهاجرين لهم حقوق إنسانية ويجب معاملتهم بشكل يحفظ كرامتهم، بما في ذلك من ليس لديهم الحق في دخول إيطاليا أو مالطة أو ليبيا أو البقاء في أي من هذه البلدان.
في واقع الأمر، فإن القليل من المهاجرين الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش – ومنهم الكثير ممن التمسوا اللجوء في إيطاليا ومالطة أو تم الإقرار بصفتهم كلاجئين في هذه البلدان – قالوا إنهم كانوا يعتقدون في إمكانية التماس اللجوء في ليبيا أو أن للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين تواجد هناك.
وباستثناء الأشخاص الذين تم احتجازهم في مركز احتجاز مسراتة والذي يمكن للمفوضية السامية ومنظمات المجتمع المدني الشريكة لها أن تدخل إليه، فلا أحد من المحتجزين السابقين الذين تمت مقابلتهم أثناء إعداد هذا التقرير قالوا إنهم رأوا أو قابلوا المفوضية السامية أثناء وجودهم في أي من السجون أو مراكز الاحتجاز الخاصة بالمهاجرين في ليبيا. ونظراً لكبر عدد المحتجزين السابقين الذين قالوا إنهم كانوا يتعرضون للضرب كلما تحدثوا إلى الحراس لطلب أي شيء، فليس من المدهش أن شخصاً واحداً أخبر هيومن رايتس ووتش بأنه طلب مقابلة المفوضية السامية فيما كان محتجزاً.
وعلمت هيومن رايتس ووتش أنه منذ بدأ نفاذ سياسة الإعادة الإيطالية في مايو/أيار 2009 – وما صاحبها من تدقيق مكثف لمعاملة العائدين – ازدادت قدرة المفوضية السامية ومنظمات المجتمع المدني الشريكة لها على مقابلة الأشخاص المعادين، أكثر من ذي قبل. وقد بدأت السلطات تزيد من إتاحة مقابلة المفوضية السامية للمحتجزين في عام 2008 بعد أن أصبحت هنالك علاقة رسمية بين المفوضية ومنظمة غير حكومية ليبية. وترحب هيومن رايتس ووتش بزيادة إتاحة مقابلة المفوضية السامية لـ 12 مركز احتجاز للمهاجرين، وكذلك زيادة احترام السلطات الليبية لمواثيق وأشكال تدخل المفوضية السامية. لكننا نلمح إلى أن ليبيا لم تتقدم بضمانات رسمية بشأن معاملة المُعادين أو بشأن إتاحة مقابلة المفوضية السامية لهم، وأن ليبيا لم تضف الصفة الرسمية بعد على مذكرة تفاهم تخص تواجد المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في ليبيا، وهو اتفاق متبع في جميع أماكن تواجد المفوضية السامية تقريباً.
ورغم زيادة قدرتها على مقابلة العائدين إلى ليبيا من إيطاليا، فإن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في 14 يوليو/تموز 2009 أعربت عن قلقها الجدي إزاء أن السياسة الإيطالية "في ظل غياب ضمانات الحماية الملائمة، يمكن أن تحول بين الأفراد والتماس اللجوء وتقويض من مبدأ عدم الإعادة قسراً". وورد تصريح المفوضية السامية إثر مقابلة 82 شخصاً أعادتهم البحرية الإيطالية إلى ليبيا في 1 يوليو/تموز. والكثير منهم زعموا أن العاملين بالبحرية الإيطالية لم يعرضوا عليهم الطعام وهم في البحر منذ أربعة أيام، وصادروا ولم يعيدوا إليهم وثائقهم ومتعلقاتهم الشخصية، واستخدموا القوة في نقلهم إلى سفينة ليبية، مما أسفر عن علاج ستة أشخاص من ركاب القارب في المستشفى. وعرفت هيومن رايتس ووتش من مصدر آخر أن البحرية الإيطالية استخدمت هراوات الصعق بالكهرباء والهراوات المعدنية في إجبار المهاجرين على النزول من على متن القارب، وأن بعض الركاب استلزمت حالتهم غرزاً جراحية في رؤوسهم حتى قبل مغادرتهم للسفينة الإيطالية.
ورغم أن هيومن رايتس ووتش لم تتمكن من مقابلة أشخاص داخل ليبيا أعادهم الإيطاليون في ربيع وصيف عام 2009، فإننا نعتقد أنه في ظل ظروف الاحتجاز الراهنة في ليبيا – على الأقل فيما توصلنا إليه في ظل شروط زيارة هيومن رايتس ووتش – أن المقابلات التي أجريت خارج ليبيا في أوضاع تتمتع بالخصوصية والسرية، تقدم عرضاً أدق لظروف ومعاملة المهاجرين في مراكز احتجاز المهاجرين في ليبيا، أكثر من التقديرات التي التمسناها داخل ليبيا. في واقع الأمر فإن آخر مرة زارت فيها هيومن رايتس ووتش ليبيا في عام 2005، فإن أول مهاجر يلتقيه باحثونا في الشارع تم القبض عليه بعد ساعة. وهذا التقرير من ثم يستند إلى مقابلات مع المهاجرين أجريت في مالطة وإيطاليا عما تعرضوا له في ليبيا، بما في ذلك القبض عليهم إثر محاولات هروب فاشلة بالقوارب. والكثير من مزاعم المهاجرين بالمعاملة السيئة في هذا التقرير هي مزاعم جدية وحديثة. ونعتقد أن مثل هذه المزاعم على صلة مباشرة بمسألة إن كان لإيطاليا والاتحاد الأوروبي السعي للتعاون مع ليبيا في منع تدفق مواطني الدول الثالثة، بما في ذلك من في صفوفهم من لاجئين محتملين، في منعهم من مغادرة ليبيا أو إجبار الناس على العودة إلى ليبيا بعد أن نجحوا في مغادرتها.
والإساءات الأكثر وقوعاً حسب زعم المهاجرين في هذا التقرير، والأكثر جسامة في الأغلب، تقع حين يدخلون (أو يحاولون دخول) ليبيا، وحين يُعادون إلى ليبيا بعد محاولة مغادرة فاشلة على متن القارب، وحين يتم طردهم من ليبيا. والإساءات لدى الحدود البرية تقع من كافة الجهات: شرقاً وغرباً وجنوباً. وكثيراً ما لا يعرف المهاجرون هوية أو نوع السلطات التي ترتكب الإساءات، إن كانوا من الجيش أو الشرطة. وفي حالات كثيرة، لا يعرف المهاجرون الذين يسافرون عبر ليبيا إن كان من أساءوا إليهم من الشرطة أو مجرمين، لكن عادة ما يعربون عن اعتقادهم بأن الطرفين سواء، إذ أن كل منهما يستغل المهاجرين الضعفاء ويسيئون إليهم.
وقد أبدى المهاجرون جميعاً تقريباً لـ هيومن رايتس ووتش الاعتقاد بأن المهربين على صلات مقربة بالمسؤولين الليبيين. وطبقاً لروايات المهاجرين، فإن المهربين الذين ينظمون المغادرة على متن القوارب يكونون أحياناً على صلة بالقوات المسؤولة عن منع الهجرة البحرية غير الشرعية. وسواء كانوا متورطين في أعمال تهريب موسعة أم لا، فإن الشرطة على الطرقات، لا سيما الطرقات المؤدية إلى الحدود، وحراس الشرطة في مراكز احتجاز المهاجرين، يتكسبون بشكل منهجي بالمطالبة بالرشاوى وقبولها كمقابل للإفراج عن المهاجرين. وفي حالة المهاجرين المحتجزين، يشمل هذا الترتيب للاتصال بالأقارب في بلدانهم الأصلية وتحويل الأموال المطلوبة للرشوة، كما يشمل هذا أحياناً ترتيب الشرطة لاتصالات بالمهربين للرحلة لما بعد إخلاء السبيل.
والمهاجرون الذين تم احتجازهم طرف السلطات الليبية قالوا على طول الخط لـ هيومن رايتس ووتش إنهم عاشوا في خوف أثناء الفترة التي قضوها رهن الاحتجاز. وقالوا أيضاً إنهم يخشون السرقة والضرب والابتزاز، ليس فقط على أيدي المجرمين العاديين، بل على يد الشرطة أيضاً. وقال الكثيرون منهم لـ هيومن رايتس ووتش إنهم حتى يخشون الأطفال في الطرقات، الذين عادة ما يرمونهم بالحجارة.
وقال بعض المهاجرين لـ هيومن رايتس ووتش إنهم كانوا يختبئون طيلة تواجدهم في طرابلس أو بنغازي. وفي بعض الحالات كان هذا لأنهم محتجزين على يد مهربيهم. لكن في حالات أخرى، كان خشية الاعتقال أو التعرض للهجوم على الطرقات. وكما اتضح، لم يكونوا آمنين في الشوارع ولا في البيوت التي يختبئون فيها، بما أن الشرطة أو المجرمين اعتادوا دخول منازل المهاجرين لمهاجمتهم وابتزازهم، وفي بعض الحالات التي كانت الشرطة طرفاً فيها، للقبض عليهم.
والنساء المهاجرات اللاتي يقطعن الرحلة عبر ليبيا هن عرضة للخطر بشكل خاص من قبل المهربين والشرطة، الذين يستغلون النساء في ظل الإفلات من العقاب. ورغم أن هيومن رايتس ووتش لم تتمكن من توثيق وقائع محددة بالاغتصاب والاعتداء الجنسي، فإن كلاً من الرجال والنساء قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إنهم كثيراً ما رأوا النساء ينفصلن عن مجموعة المهاجرين ويعتقدون أن النساء يُؤخذن إلى حيث يتم الاعتداء عليهن جنسياً.
ولا توجد حالات موثقة على نحو واضح منذ عام 2004 بشأن الإعادة القسرية من طرف السلطات الليبية للمهاجرين إلى بلدانهم الأصلية، أو إلى أماكن قد يتعرضون فيها للإعادة القسرية. وتنقل ليبيا المهاجرين بالشاحنات من المناطق الساحلية إلى حدودها البرية من أجل ترحيلهم. والمهاجرون القادمون من القرن الأفريقي، من الصومال وإريتريا، يُعادون بالشاحنات إلى الكفرة في الركن الجنوبي الشرقي من الأراضي الليبية لأجل ترحيلهم إلى السودان. لكن في بعض الحالات، لا يُرحلون، بل وطبقاً لشهادات بعض المهاجرين، يتم تركهم في الصحراء على الأراضي الليبية. وعملاً هذا يعني أن لا خيار أمام المهاجرين سوى أن يضعوا أرواحهم في أيدي المهربين من جديد، وهم من أتوا بهم من الكفرة إلى بنغازي أو طرابلس في المقام الأول، وعادة ما يتعرضون للإساءات أثناء الطريق.
والكفرة هي أكثر مكان ذكره المهاجرون على كونه منطقة احتجاز – في ليبيا – أثناء حديثهم مع هيومن رايتس ووتش، في إيطاليا ومالطة. لكن "الكفرة" ليس مجرد مركز احتجاز واحد. فرغم أن هناك مركز احتجاز للمهاجرين تديره الحكومة في الكفرة، إلا أن المهربين بدورهم يديرون مراكز احتجازهم الخاصة هناك. وأحياناً لا يعرف المهاجرون إن كانوا رهن الاحتجاز طرف الحكومة أو المهربين، إذ وصف بعضهم مركز احتجاز الحكومة بأنه "يبدو مثل منزل أكثر منه سجن"، فيما وصفوا الحراس في مراكز الاحتجاز الخاصة بأنهم يرتدون أحياناً أزياء عسكرية. وأغلب المهاجرين يعتقدون في تعاون المهربين مع الشرطة، وحسب فهمهم فإن التفرقة بين مراكز الاحتجاز العامة والخاصة أمر صعب. وفي كلتا الحالتين، فإن المهاجرين يُحتجزون لأجل غير مسمى، واتصالهم بسجّانيهم أقل القليل (وأغلبه لا يزيد عن الضرب والصفع) ولا يتم الإفراج عنهم إلى أن يدفعوا الرشاوى. ويخشون جميعاً أن يتم الإلقاء بهم في الصحراء.
وقال بعض المهاجرين لـ هيومن رايتس ووتش إنهم تعرضوا للاحتجاز في الكفرة عدة مرات. وتم احتجازهم حين قُبض عليهم لدى دخولهم ليبيا، وكذلك لدى ترحيلهم منها. إلا أن في الكثير من الأحيان لا يتم تنفيذ عمليات الترحيل. بل – حسبما قال المهاجرون لـ هيومن رايتس ووتش – يسلمهم مدراء سجن الكفرة للمهاجرين، الذين "يشتروهم" بسعر، ويحتجزوهم في مراكز احتجاز خاصة، ثم "يبيعوهم" بسعر أعلى بواسطة مطالبة أسرهم بنقود للإفراج عنهم، ثم نقلهم مجدداً إلى مدن ساحلية.
كما يعرض هذا التقرير روايات لمهاجرين في أوضاع سيئة وممن تلقوا معاملة قاسية في مراكز احتجاز أخرى خاصة بالمهاجرين في شتى أنحاء ليبيا. ورغم تغير الأسماء والمواقع، فإن وصف أوضاع الاحتجاز والمعاملة متشابه إلى حد كبير، ويتفق مع المعايير اللازمة للقول بوجود معاملة لاإنسانية ومهينة.
وعلى ليبيا أن تضع حداً للاحتجاز التعسفي للمهاجرين وأن تضمن أن ظروف احتجازهم تتفق مع المعايير الدولية الدنيا. ويجب أن تبذل الجهد في حماية المهاجرين المحتجزين، بحيث لا يتعرضوا للإساءات البدنية، ومنها الإساءات الجنسية والعنف ضد المرأة، وأن تحاسب السلطات عناصر الشرطة وغيرهم من المسؤولين عن أية إساءات تقع، ومنها الابتزاز والتعاون مع المهربين. وعلى ليبيا أيضاً أن توقع على اتفاقية اللاجئين وبروتوكولها لعام 1967 وأن تصدق عليهما، وأن تتبنى قانوناً داخلياً بشأن اللجوء يشمل الحظر المطلق على الإعادة القسرية للأفراد. وعلى ليبيا – بمساعدة من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين – أن تصيغ إجراءات لجوء قانونية وفعالة ونزيهة. ويجب أن تقر ليبيا رسمياً بتواجد المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وأن تدعم جهودها الخاصة بتوفير الحماية الدولية للاجئين وملتمسي اللجوء وغيرهم من الأشخاص المعنيين على الأراضي الليبية. وعليها أن تمنح المفوضية حق الزيارة بلا إعاقة للأماكن التي يتم احتجاز غير المواطنين فيها.
وعلى إيطاليا أن تكف على الفور عن انتهاك التزاماتها بعدم الإعادة القسرية، وأن تتوقف عن أعمال التوقيف والترحيل دون إجراءات قانونية بحق مهاجري القوارب، إلى ليبيا. وعليها أن تكف عن التعاون مع السلطات الليبية في توقيف وإعادة مواطني الدول الثالثة الذين يحاولون مغادرة ليبيا. ويجب إعادة توجيه التعاون الثنائي الأطراف إلى تعاون متعدد الأطراف، لا سيما عبر المفوضية السامية ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان؛ لضمان احترام المعايير الأساسية لحقوق الإنسان الخاصة بمعاملة اللاجئين وملتمسي اللجوء والمهاجرين في ليبيا.
وعلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء أن تطالب إيطاليا بالالتزام بالمادة 3 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، بعدم إعادة المهاجرين إلى حيث يلقون المعاملة اللاإنسانية أو المهينة. وعليها – هذه الجهات – أيضاً أن تدعو الدول الأعضاء الأخرى إلى عدم المشاركة في عمليات فرونتكس التي تؤدي إلى إعادة المهاجرين في خرق للمادة 3 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وعلى فرونتكس أن تضمن حظر خطط عملياتها للإعادة القسرية على وجه التحديد.
وعلى الاتحاد الأوروبي – ومنه فرونتكس والدول الأعضاء في الاتحاد – عدم اعتبار ليبيا طرف شريك في جهود السيطرة على الهجرة، حتى تصدق ليبيا رسمياً على اتفاقية 1951 للاجئين وبروتوكولها لعام 1967، وحتى بعد أن تتبناهما في قانون محلي وبعد الاعتراف رسمياً بالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وحتى تصبح معاملتها للاجئين وظروف مراكز احتجاز المهاجرين متفقة مع المعايير الدولية. على الاتحاد الأوروبي أن تتضمن الفقرة الخاصة بحقوق الإنسان في الاتفاق الإطاري بين الاتحاد الأوروبي وليبيا وأية اتفاقات منبثقة عنه، أن تتضمن إشارة صريحة إلى حقوق ملتمسي اللجوء والمهاجرين كمطلب مبدئي لأي تعاون على خطط السيطرة على تدفق الهجرة.
وعلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أن ترد سريعاً وبشكل إيجابي على طلبات المفوضية السامية بإدخال اللاجئين القادمين إلى ليبيا، لكن ليس على الدول الأعضاء أو الاتحاد الأوروبي نفسه اللجوء إلى أية مخططات تؤدي إلى إعادة ملتمسي اللجوء إلى ليبيا في أثناء النظر في ملفاتهم، أو تحويل ليبيا بأي شكل كان لمخزن للأشخاص ملتمسي اللجوء في الاتحاد الأوروبي.






