XVI . مراكز احتجاز المهاجرين: الأوضاع والإساءات
قال محتجزون سابقون من مختلف مراكز احتجاز المهاجرين في ليبيا لـ هيومن رايتس ووتش إن أوضاع الاحتجاز سيئة. مراكز الاحتجاز مزدحمة وقذرة، والطعام غير مناسب والرعاية الصحية لا وجود لها تقريباً. ولا يوجد أي اتصال بالسلطات ولا يمكن حتى الطعن في الاحتجاز في المحكمة، فلا فائدة من هذا. والاتصال بالمحامين قليل أو غير موجود، والمعلومات عن أسباب ومدة الاحتجاز شبه معدومة. والمعاملة من الحراس تتراوح بين الإهمال إلى القسوة، والفساد مستشري.
ولا حد هنالك للمدة التي يمكن للسلطات أن تحتجز فيها المهاجرين غير الشرعيين إدارياً بغرض الترتيب لترحيلهم حسب الزعم، حتى إذا لم يكن هنالك رؤية ممكنة لتفعيل طردهم. وقال مصدر دبلوماسي في ليبيا لـ هيومن رايتس ووتش إن المهاجرين يمكن احتجازهم "من بضعة أسابيع إلى عشرين عاماً".[189] وقال إن قرار إخلاء السبيل يستند بالأساس إلى درجة ازدحام السجون وأن الناس يُفرج عنهم عندما تصبح مراكز الاحتجاز ممتلئة لا تكفي لاستضافة المزيد.
وليبيا دولة طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادة 9 منه التي تنص على ألا يتعرض أحد للاعتقال أو الاحتجاز التعسفي أو يُحرم من حريته باستثناء في حالة توفر أسس وبما يتفق مع الإجراءات التي ينظمها القانون. ويعتبر الاحتجاز متعسفاً إذا لم يصرح به القانون أو طبقاً للقانون. كما يصبح متعسفاً لو كان عشوائياً أو غير مصحوب بإجراءات للمراجعة القانونية.[190]
ولم يتم تعريف الاحتجاز التعسفي فقط من واقع القانون، بل هو ما يشمل أيضاً عناصر إجحاف وعدم القابلية للتنبؤ بمساره. وبسبب ظاهرة الاحتجاز لأجل غير مسمى بحق المهاجرين وملتمسي اللجوء الآخذة في التزايد، فإن الفريق العامل بالأمم المتحدة المعني بالاحتجاز التعسفي قد وضع معايير لتحديد متى يكون الحرمان من الحرية للمهاجرين وملتمسي اللجوء متعسفاً. المبدأ رقم ثلاثة يفرض أن المهاجر أو ملتمس اللجوء الموضوع رهن الاحتجاز "يجب أن يمثل فوراً أمام قاضي أو سلطة أخرى". والمبدأ رقم سبعة يطالب بأن "يكون الحد الأقصى للاحتجاز محدداً بموجب القانون ولا يمكن أن تكون الوصاية في أي حال من الأحوال غير محدودة أو لمدة مطولة بشكل مفرط".[191]
وتوجد مراكز احتجاز وسجون كثيرة تؤوي المهاجرين في ليبيا.[192] فيما يلي روايات عن مراكز الاحتجاز الأكثر ذكراً على لسان المحتجزين السابقين الذين أصبحوا الآن في مالطة وإيطاليا.
الالكفرة
الالكفرة، وتقع في أبعد نقطة إلى الجنوب الشرقي في ليبيا، كانت أكثر مكان ذكره المهاجرون المحتجزون في ليبيا لـ هيومن رايتس ووتش، ممن قابلتهم في مالطة وإيطاليا. وهو مكان يتم احتجاز الناس فيه لدى دخول البلاد وكذلك من هم على وشك ترحيلهم عبر الحدود البرية مع السودان ومصر. لكن "الالكفرة" ليست مركز احتجاز واحد. رغم أن هناك مركز احتجاز تديره الحكومة في الالكفرة، فإن للمهربين أيضاً مراكز الاحتجاز الخاصة بهم. أحياناً لا يعرف المهاجرون من يحتجزهم، بعضهم وصف مركز تديره الحكومة على أنه "يبدو كمنزل أكثر منه سجناً".[193] آخرون وصفوا الحراس في مراكز الاحتجاز الخاصة على أنهم يرتدون ثياباً عسكرية أحياناً. أغلب المهاجرين يرون المهربين والشرطة على صلة وثيقة، من ثم فحسب فهمهم لا تمييز هنالك بين مراكز الاحتجاز الخاصة والعامة. وفي كليهما يتم احتجاز المهاجرين لأجل غير مسمى، ولا يتواصلون إلا فيما ندر مع سجانيهم (أغلب التواصل يأخذ شكل الضرب) ولا يتم الإفراج عنهم إلى أن يدفعوا الرشاوى. ويخشى الجميع إلقاءهم في الصحراء.
ورغم أن هذا الجزء من التقرير يركز على الالكفرة، فهذه الروايات يجب أن تُقرأ على أنها لقطات من رحلة طويلة متصلة مؤلمة. وصف الإساءات في الالكفرة يجب ألا يُقرأ بمعزل عن باقي رحلة المشاق والإساءات، بل كجزء منها. كما يجب ذكر أن بعض المهاجرين قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إنهم اعتقلوا في الالكفرة عدة مرات، لدى دخول ليبيا وكذلك أثناء الترحيل، رغم أنه، وعلى الأقل بالنسبة لمن قابلتهم هيومن رايتس ووتش، لم يتم تنفيذ عمليات الترحيل حتى النهاية. بل يتم إخراج المهاجرين من سجن الالكفرة – إلى أيدي المهربين مباشرة الذين يحتجزوهم، ويطالبون بنقود إضافية من أسرهم، ثم ينقلوهم ثانية إلى المدن الساحلية.
مركز احتجاز الالكفرة
موقع مركز الاحتجاز الرسمي في الالكفرة يثير المخاوف بين المهاجرين، من الترحيل أو التخلي عنهم في الصحراء. مركز الاحتجاز عبارة عن فناء مركزي وست حجرات احتجاز كبيرة، كل منها قادرة على تحمل 100 شخص أو أكثر. بناء على عدد الأشخاص المحتجزين، فإن بعض الحجرات في بعض الأحيان تكون خاوية، حتى رغم أن هذا قد يؤدي إلى ازدحام لا ضرورة له في الحجرات المشغولة. المكان محاط بجدران عالية في أعلاها ثقوب للهواء، كي لا يرى المحتجزون ما في الخارج. لا يوجد طبيب أو ممرضة في المركز. الجميع ينامون على الأرض سواء على حشايا مشتركة أو بلا حشايا بالمرة. في الأغلب، يُسمح للناس بالخروج مرة في اليوم حين يجري الحراس إحصاء السجناء. ورغم أن هذه فرصة لاستنشاق الهواء النقي، فهو أيضاً الوقت الذي يتم فيه أغلب الضرب.
غيدي، صومالي يبلغ من العمر 29 عاماً، وصف الفترة التي قضاها في مركز احتجاز الالكفرة في أبريل/نيسان 2008:
تم القبض عليّ لدى دخولي البلاد ونقلتنا الشرطة إلى سجن الالكفرة. كان سجناً سيئاً للغاية. كان فيه نحو 600 شخص محتجزين، وكنا ننام جميعاً على الأرض. لا توجد حشايا، ولا أكثر من مرحاض واحد لمائة شخص، وكانوا يعطونا صابونة كل أسبوع.
الحراس كانوا يضربونا بلا سبب. يصفعونا على وجوهنا طوال الوقت. ذات مرة ضربوني بكعب بندقية. جاء الحراس خصيصاً لضربنا في الليل بعد أن أدار الحشيش رؤوسهم. بعض الحراس ركلونا بالأحذية وآخرون ضربونا بأيديهم أو أسلحتهم. ونكون نائمين قبل الضرب، وليس لنا أي مطالب، ولم نفعل أي شيء. وضربوني في شتى أنحاء جسدي.
في أول مرة دفعت 300 دولار ولم يتم الإفراج عني. ثم دفعت 500 أخرى وأفرجوا عني. كان هذا ليلاً. المهربون والشرطة – أو الجيش – هم جميعاً سواء. كانوا جميعاً سواء.[194]
أبدول، صومالي يبلغ من العمر 22 عاماً غادر الصومال في عام 2006 بسبب العنف السياسي، أمضى شهرين في الالكفرة في مارس/آذار وأبريل/نيسان 2008 حيث أقام في حجرة بلا نوافذ مع 45 شخصاً آخرين. يقدر أبدول أن مركز احتجاز الالكفرة كان يضم نحو 300 شخص. وقال إن المركز تحت سلطة الشرطة في الالكفرة. وقال إنه لم يكن فيها أبداً ما يكفي من طعام وأن ستة أشخاص كانوا يتشاركون في حفنة من الأرز. وقال إنه كان يشارك في حشية قذرة على الأرض مع آخرين. كما شارك أبدول 45 شخصاً آخرين المرحاض في نفس الحجرة التي يأكلون فيها وينامون. "كان قذراً للغاية ورائحة المرحاض تتسرب إلى حيث نأكل". وكان ضمن مجموعة من أسرة واحدة، وأحدهم كانت امرأة:
أراد الحراس إجبارها على ممارسة الجنس معهم. حاولت أن أوقفهم، ضربوني، لكموني في عيني وضربوني بالعصي. أخذوني إلى حجرة منفصلة واستخدموا صواعق الكهرباء عليّ. رفعوا قدميّ ورأسي للاسفل وعلقوني مقلوباً لمدة 15 إلى 20 دقيقة ووضعوا صواعق الكهرباء على ذراعيّ وعلى بطني.[195]
كما قال أبدول إنه رأى الحراس في الالكفرة يضعون عصا معدنية ساخنة في أذن محتجز أمسكوا به وهو يحاول الفرار. "سخنوا المعدن للغاية ثم أذابوا أذنه".
إسكندر، الأثيوبي البالغ من العمر 40 عاماً، قال إنه تعرض للاعتقال على يد الشرطة الليبية وأرسلوه لمدة شهر في مركز الالكفرة حيث قال إن الضرب كان مألوفاً:
لا نفهم الحراس ولا يفهمونا. يتكلمون معنا بالعصي. إذا أردت فتح الباب يركلني الحارس لإبعادي. ورأيت بعض الناس تتكسر أرجلهم من الضرب.
قالت الشرطة إنها سترحلنا، لكنهم أخذونا إلى حيث ندفع النقود للمهربين لنقلنا إلى طرابلس. من ليس معه نقود ظل في الالكفرة. دفعت أنا. كل شيء يتوقف على النقود.[196]
عبدي حسن، صومالي يبلغ من العمر 23 عاماً، تم القبض عليه في 22 يناير/كانون الثاني 2008، ما إن دخل بلدة الالكفرة، وأمضى الشهور الثلاثة التالية في مركز احتجاز الالكفرة. وصف مستوى الضرب والإساءات "الطبيعي" قائلاً:
كانوا يضربونا بشكل عشوائي يومياً بعصي الشرطة. أحياناً ما يضربونا بقبضاتهم أو يركلونا بالأحذية. الضرب يحدث غالباً أثناء حصر السجناء الساعة 6 صباحاً و6 مساءً في أوقات غيير الورديات، لكن قد يحدث الضرب في أي وقت أثناء النهار أو الليل. كانوا عشرة حراس، خمسة في كل وردية، وحارسين هما من تولوا أغلب الضرب.
يشتكي الناس من نقص الطعام فيتعرضون للضرب. هناك الكثير من الصراع، وعدد كبير من الناس في حجرة صغيرة ويوجد نقص في الطعام. مر علينا يومين ذات مرة بلا طعام. عادة نأكل مرة أو مرتين كل يومين. ولم يكن هناك ما يكفي من طعام أبداً. دورات المياه يتسرب منها مياه المجاري التي تصل إلى أماكن النوم. والأوضاع سيئة للغاية.[197]
مراكز الاحتجاز الخاصة في الالكفرة
رغم أن بعض المباني التي تم احتجاز المهاجرين فيها رغم إرادتهم واضح أنها مملوكة لمهربين مدنيين ليبيين، ففي حالات كثيرة تصرف المهربون كأنهم الشرطة أو الجيش، بما في ذلك التباهي بما يثبت الانتماء للسلطات أو استخدام معدات تبدو رسمية، كي يشعر المهاجرون بأن المهربين على صلة بالسلطات.
وبين المهاجرين تُعرف مراكز الاحتجاز الخاصة بعدة أسماء: "المشروع"، "المزرعة"، "مكان الـ[تم حجب الاسم]". وفي بعض الأماكن يتم التحفظ على الناس في حجرات مغلقة، وفي أماكن أخرى تكون المساحات إنشاءات في الصحراء ينام فيها المحتجزون في العراء.
الخوف الذي زرعته مراكز احتجاز الالكفرة لا يعود فقط إلى الأوضاع والمعاملة السيئة، بل أيضاً لأن مصير المهاجرين في يد آسريهم تماماً، والجميع يخشون الإلقاء في الصحراء للموت. بيريهو، إريتري يبلغ من العمر 32 عاماً، وصف كيف بعد 18 يوماً عبر فيها الصحراء مع مجموعة من 65 شخصاً، تم حبسهم في منزل في الالكفرة لمدة أسبوعين، حيث طالب المهربون المحتجزين بأن ترسل إليهم أسرهم النقود:
لم يكن معنا شيء. كنا نعاني من رحلة الصحراء، وكنا مستعدين للموت. كل شيء كئيب مظلم والمستقبل كابي. لم نتوقع أي شيء. إذا حاولت الخروج من الباب يضربوك بعصا. يتصرفون كأنهم الشرطة. يرتدون ثياباً عسكرية ويستخدمون هراوات الشرطة السوداء. قالوا إنهم من الجيش وقالوا لنا إننا وصلنا إلى بلدهم بشكل غير قانوني. لكنهم لم يكونوا من الجيش حقاً.
رأيتهم يُبعدون امراة. أخذوا المرأة مع زوجها. خرجا معاً، لكن لما خرجا من الحجرة فصلا بينهما. أخذوا الزوجة من الزوج واغتصبوها.
أنا أتحدث القليل من العربية، فحاولت الكلام معهم، لكنهم ردوا بأن ضربوني، من ثم التزمت الصمت مضطراً.
على الجميع دفع النقود للخروج من ذلك المكان. حين دفعنا سلمونا لمجرم آخر نقلنا إلى بنغازي.[198]
مراكز احتجاز المهاجرين في منطقة طرابلس
قال مهاجرون لـ هيومن رايتس ووتش أنهم تعرضوا للاحتجاز في مراكز احتجاز في طرابلس وحولها، لكنهم لا يعرفون في العادة أسماء أو مواقع الأماكن التي يُحتجزون فيها، أحياناً لمدة شهور. ولأن أحد مراكز الاحتجاز الأكثر استخداماً، وهو الفلاح، قد أغلق، فليس من الأكيد أن المهاجرين يصفون نفس المكان في حديثهم. إلا أن وصف أوضاع الاحتجاز والمعاملة مطلوب التوثيق حتى إذا لم يتسن التثبت بدقة من الأماكن.
زولا، إريتري يبلغ من العمر 28 عاماً قابلته هيومن رايتس ووتش في روما، أمضى ثلاثة أشهر في سجن في طرابلس، عام 2006. ولا يعرف أو يذكر اسم المكان، لكنه تذكره كما يلي:
كان مزدحماً للغاية، ولا فراغ فيه لأحد. أصبنا جميعاً بأمراض جلدية، ولم نتمكن من الاغتسال أو توخي النظافة. كان الجو حاراً للغاية. مجرد بعض النوافذ الصغيرة بالقرب من سقف الحجرة، ولا هواء يدخل إلينا، وكانوا لا يسمحون لنا أحياناً بالخروج. [199]
إرمي، إريتري يبلغ من العمر 25 عاماً، وصف بالمثل الأوضاع المزدحمة في مركز احتجاز في طرابلس في عام 2006، لكنه تحدث أيضاً عن قسوة الحراس:
لم يقل الحراس لنا شيئاً. الاتصال الوحيد الذي يتم كان ساعة إحصاءنا مرة يومياً. إذا قلت أي شيء يضربونك بهراوة الشرطة السوداء. رأيتهم يضربون الكثير من الناس. لم يكن الضرب لمجرد زحزحة الناس، بل كان لإيلامهم. كسروا الأذرع وأصابوا الأشخاص، وكان هذا طبيعياً. العنف ضد النساء كان مألوفاً أيضاً. هددوا بأخذ النساء إلى حجرة أخرى لممارسة الجنس معهن. وكنا نخشى جميعاً نقلنا إلى الالكفرة. فررت بعد أول أسبوع. أحد أقرب أصدقائي انكسر ساقه وهو يتسلق الجدار. نقلوا العديد من أصدقائي إلى الالكفرة لنقلهم إلى الحدود بين السودان وليبيا. [200]
المطار
يوجد مركز احتجاز جديد في الطويشة بالقرب من مطار طرابلس، ويبدو الآن أنه أكبر مركز احتجاز للمهاجرين في ليبيا، وفيه في أي يوم نحو 900 شخص، بعضهم فيه منذ عامين، حتى رغم أنه يفترض فيه كونه مركز احتجاز لفترات قصيرة. نادراً ما يُسمح للمحتجزين بالخروج من حجراتهم التي بلا نوافذ عالية السقف، وحين يخرجون من الحجرات يكون هذا لدخول فناء صغيرة لا يطل على الخارج باستثناء سقفه المفتوح والسماء من فوقه. من المدهش أن الطويشة فيه حديقة جيدة خارج جدرانه، ولا يمكن للمحتجزين رؤيتها أبداً. الطويشة يستخدم في الغالب للمهاجرين الذين يخضعون لعملية الترحيل جواً من ليبيا، وهو الأسلوب الذي يُرحل به أغلب الناس.
لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من مقابلة أي محتجزين سابقين من الالطويشة، ربما بسبب جدته النسبية أو لأن أغلب الناس المحتجزين هناك يُعادون إلى أوطانهم. لكننا قابلنا آرون، إريتري يبلغ من العمر 36 عاماً، وقال إنه ظل في مركز الاحتجاز بالمطار لمدة شهر في عام 2007، رغم أنه لم يكن متأكداً إن كان مركز احتجاز قانوني أم لا:
تم احتجازي في سجن المطار لمدة شهر وضربوني بانتظام. لست واثقاً إن كان مكاناً قانونياً. كان عبارة عن معدن، وأثناء النهار ساخن وبارد في الليل. دفعت رشوة 500 دولار للخروج. يوجد لصوص، يتحفظون على الناس للحصول على نقود. إنهم يتاجرون، يفرضون ظروفاً سيئة على الناس حتى يتصلوا بأسرهم ويطلبوا النقود. [201]
مركز احتجاز الجوازات
أمان، إريتري يبلغ من العمر 26 عاماً، وصف مركز الجوازات في طرابلس على أنه سجن:
لا توجد حشايا، ولا بطانيات ولا أغطية. توجد 32 جنسية و75 شخصاً في حجرة واحدة، لكن العدد الإجمالي 300 شخص. كان الطعام غير كافياً. بالنسبة لثلاثمائة شخص لا يوجد إلا مرحاض واحد، وكان متسخاً للغاية، ولا توجد رعاية صحية.
الحراس مثل حراس مسراتة. كان من الطبيعي أن يضربونا. يضربونا بالقرب من مكتب الرئيس، ويستخدمون عصي الصعق الكهربي لكن لا ضرب على أخمص القدمين. [202]
توماس، الإريتري المقتبس أعلاه، تم احتجازه في الجوازات لمدة شهرين لدى نهاية عام 2006:
كنا في حجرة واحدة مع 160 شخصاً آخرين، كلهم في نفس الحجرة. كأننا في مرأب انتظار سيارات وثقوب صغيرة هي النوافذ في أعلى الجدران. كنا نتبول في الزجاجات البلاستيكية ونلقيها إلى الخارج في المساء. كان مسموحاً لنا باستخدام المرحاض مرة واحدة يومياً. الكثير من الناس أصيبوا بمشاكل في الجلد. ولا يوجد صابون. وكانوا يعطونا الماء في دورق لنشرب. الكثير منا عانوا من مشاكل في المعدة. وكنت نتوسل للحراس كي يأخذوا المرضى إلى المرحاض.
كان الحراس قساة، ومدمنين. كنا نراقبهم يدخنون الحشيش كل يوم. وكانوا يمزحون: أين المسيحيون الذين لا يصومون؟ [كنا في رمضان]. يمكن أن ترى كيف يتحدثوا معنا عن كيف لا يحبون المسيحيين.
ذات مرة كنا نغني, جاء الحراس وقالوا: من يصدر هذه الجلبة؟ قال آخرون: المسيحيون. أخرجوا ستة منّا وضربونا. ضربونا على أخمص أقدامنا بعصا خشبية. ضربوا القدمين 5 إلى 10 دقائق. وضع حارسان عارضة خشبية تحت أقدامنا، وأوثقوا القدمين إلى العارضة. نسقط على ظهرنا ويضربون أقدامنا. فعلوا هذا معنا نحن الستة. يضربون على الأقدام فحسب، ويعرفون أن بعد الضرب لا يمكنك أن تسير، لكن يجعلونا نجري في الفناء بعد الضرب. ويحدث هذا في منتصف الليل.
مدير المعسكر لا يكون موجوداً عندما يحدث هذا، لكن جميع الحراس يعرفون بما يحدث.
أنا بحال جيدة الآن. لا توجد أضرار مستديمة، لكن السجن كان قاسياً للغاية عليّ. إنه يصل إليك في هويتك ومن تكون. يرونك أقل منهم وتشعر بأنك أقل منهم بدنياً وروحياً. [203]
مراكز الاحتجاز على الساحل الشمالي الغربي الليبي (خارج طرابلس)
الزاوية
الزاوية بلدة تقع إلى الجنوب الغربي من طرابلس، وفيها أحد أكبر مراكز احتجاز المهاجرين في ليبيا. ويستخدم عادة لاحتجاز مهاجرين القوارب الذين أخفقت محاولاتهم وأعيدوا إلى ليبيا، ومنهم أغلب النساء اللاتي تم اعتراضهن منذ تفعيل سياسة الإعادة الإيطالية في مايو/أيار 2009. الزاوية معروف بأنه قذر ومزدحم للغاية. الروايات التي وردت هيومن رايتس ووتش منه تصف حجرات المركز على أنها 8×8 متر وفي كل حجرة نحو 150 رجلاً في أي وقت. حجرات النساء ليست مزدحمة ببساطة لأنهن أقل عدداً في نفس المساحة المذكورة.
أبدول، الصومالي البالغ من العمر 22 عاماً المذكورة أقواله في وصف شهرين في الالكفرة، تم اعتقاله ونقله إلى الزاوية بعد أو تم اعتراض قاربه من قبل البحرية الليبية. قال: "ليس سجناً جيداً. مثل الالكفرة، قذر للغاية. تديره الشرطة وليس الجيش". وقال أبدول إنه قام برشوة حارس للهروب من الزاوية. [204]
أبيدان، الغاني البالغ من العمر 27 عاماً، وتم احتجازه في الزاوية ثلاثة أشهر، قال إنه تعرض للضرب كل صباح عشر جلدات أثناء إحصاء السجناء. وأخيراً أفرجوا عنه بعد دفعه 200 دولار رشوة. [205]
إنوسنت، النيجيري البالغ من العمر 19 عاماً، تعرض للاحتجاز في الزاوية في عام 2007. وقال إنه مركز ترحيل، لكن بالنسبة إليه لا يعني الترحيل بالضرورة العودة لنيجيريا، بل قد يعني الموت في الصحراء:
يتعرض الناس للضرب هناك كل يوم. يُضربون بقسوة بهراوات خشبية. إذا قلت إنني مسيحي كانوا ليضربوني ويلقوني في الصحراء. نسيت أسماء الأشخاص الذين ماتوا، قالوا "الله غالي" فعرفنا أنهم ماتوا. [206]
مسراتة
مسراتة مركز احتجاز على الساحل على مسافة 200 كيلومتر شرقي طرابلس، وأصبح في السنوات الأخيرة فعلياً مركز متخصص للاجئين وملتمسي اللجوء الإريتريين وغيرهم ممن تهتم بهم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. ويضم عادة 600 إلى 700 شخص، بعضهم لمدة عامين إلى ثلاثة أعوام.
وبسبب تدخل المفوضية السامية في مسراتة وتواجد المنظمات غير الحكومية الشريكة لها التي توفر الخدمات هناك، يُعتبر مسراتة أفضل مركز احتجاز للمهاجرين في ليبيا، وهو مفتوح نسبياً للصحفيين والمنظمات غير الحكومية. إلا أن المهاجرين قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إنهم يتعرضون للضرب المتكرر في مسراتة. أحياناً يبدأ الضرب لدى الوصول. وبعد الوصول متعبين عطشى وخائفين، يحييهم الحراس الليبيون والشرطة، بالضرب بلا مبالاة، وأحياناً بقسوة واضحة. وطبقاً للمفوضية، فإن مثل عمليات الضرب والإساءات هذه توقفت في عام 2007 مع حضور المفوضية ومنظمات المجتمع المدني الشريكة. [207]
دانيييل، الإريتري البالغ من العمر 26 عاماً المقتبس فيما سبق عن اعتراضه وإعادته من قبل حرس الحدود المالطيين في يوليو/تموز 2005، [208] تعرض للضرب لدى عودته إلى طرابلس، ودخل مع أشخاص آخرين إلى شاحنة مغلقة، ونقلوه إلى مسراتة. ويكمل قصته قائلاً:
حين وصلنا مسراتة، فتحوا أبواب الشاحنة. ما إن انفتحت الأبواب، حتى وجدنا الحراس ينتظرون وبدأوا في ضربنا على الفور. ضربونا بالعصي لإخراجنا من الشاحنة.
عاملونا معاملة سيئة في مسراتة. كنا إريتريين وأثيوبيين وسودانيين وبعض الصوماليين. كانت الحجرات غير نظيفة. ولا نحصل إلا على نصف ساعة يومياً لاستنشاق الهواء في الخارج والسبب الوحيد الذي جعلهم يتركونا نخرج هو إحصاءنا.نجلس في الشمس، وأي شخص يتحدث يُضرب. تعرضت للضرب بخرطوم بلاستيكي أسود.
لم يكن هناك تواجد للمفوضية السامية. لم يأت أحد لزيارتنا. حتى الشرطة لم تستجوبنا قط. لم يتحدثوا معنا إطلاقاً ولا قالوا أي شيء. كانت هناك حجرة أخرى للنساء والأطفال. وكل ليلة يأخذ الحراس النساء للمتعة. قابلت امرأة حبلى على وشك الوضع. قامت بالولادة في السجن معنا. [209]
دانييل قال إن بعض الناس المحتجزين في مسراتة موجودين منذ تسعة أشهر. أمان، 26 عاماً من إريتريا، أمضى شهراً في مسراتة بعد أن عاد قاربه المعطل الذي كان يقل 172 شخصاً إلى ليبيا، في 21 مايو/أيار 2004، تحدث كيف كان الضرب أكثر أيام الجمعة حين يكون الراس مسترخين ويتعاطون المخدرات:
اعتقلوني وأنا أحاول مغادرة ليبيا. حين شغلنا القارب انكسرت عجلة القيادة والبوصلة، فعدنا أدراجنا بعد ساعة. كانت الشرطة في انتظارنا ما إن نزل من كانوا على متن القارب. ضربوني بالأيدي والأقدام. في البداية نقلونا إلى مركز شرطة خمس بالقرب من البحر، حيث أمضينا يوماً. من هناك نقلونا إلى مسراتة حيث أمضينا شهراً. وفي مسراتة، تعرض الجميع للضرب. ولم نُعامل جيداً.
في الليل يكون الضرب طبيعياً. أيام الجمعة يصبح الضرب أسوأ من الطبيعي. يتعاطى الحراس المخدرات خاصة أيام الجمعة ويضربون السجناء. يغادر المدراء يوم الجمعة، فلا يبقى في السجن سوانا والحراس. يضربون الجميع، يأخذونا إلى حجرة صغيرة لعمليات ضرب أكبر. أحياناً يضربونا بالعصا، أو هراوة الشرطة، وأحياناً بعصا معدنية. يضربونا أكثرعلى الأقدام. وأحياناً يستخدمون الصعق بالكهرباء. أحياناً يضربونا بسلك كهربي دون كهرباء فيه.
لم يكن معنا ما يكفي من طعام في مسراتة. تقسيم المحتجزين هو، نحو 80 في المائة إريتريين و20 في المائة أثيوبيين. [210]
تم نقل آخرون إلى مسراتة بعد القبض عليهم على الطريق بين الالكفرة والساحل. جوناس، إريتري يبلغ من العمر 39 عاماً، تم القبض عليه بعد وصوله إلى ليبيا بقليل، في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2008:
تم القبض علينا على الطريق إلى طرابلس ونقلونا إلى مسراتة. كان الوضع هناك في غاية السوء. لا احترام للحقوق، لا أحد يعرف عدد الشهور التي يقضيها هناك. مكثت طوال الوقت في حجرة مغلقة مع 25 آخرين. كان المكان قذراً، ننام في حجرة واحدة مع المرحاض. الحراس يضربونا، يضربونا كل مرة نحاول الكلام إليهم. يضربونا بعصي الشرطة. ثلاثة أو أربعة منهم يتكالبون على ضرب شخص واحد. لا اتصال بيننا وبينهم بالمرة. وبعد ثلاثة شهور هربت. [211]
بعض المحتجزين السابقين ذكروا وجود المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في مسراتة، لكن تحدثوا عن الإساءات التي استمرت في المكان رغم الإشراف الدولي الأوسع في هذا المركز عنه في مراكز أخرى. تيام، إريتري يبلغ من العمر 28 عاماً أمضى عشرة أشهر في مسراتة صيف 2007. قال إن الجميع هناك إريتريين وأن المفوضية السامية تأتي كل شهرين وتُخرج بعض اللاجئين، لكن لا يجعله هذا يشعر بالأمان إزاء الحراس:
المعاملة هناك سيئة للغاية، يوجد ضرب لكن ليس بمثل سوء ما تعرضت له في أماكن أخرى. ضربوني بالعصا وظهر بندقية. كان هناك الكثير منا وتعرضنا جميعاً للضرب. كل يوم ضرب. اللغة التي يتفاهمون بها هي الضرب. حين تطلب الطعام يضربونك.
كانت النساء يخضعن عادة لمعاملة أفضل منا بقليل، لكن أعرف أن امرأة واحدة تعرضت للضرب لدرجة أن قدميها أصيبتا بالشلل. وهناك فتاة أخرى ضربوها على كليتها حتى تعرضت لألم رهيب. لا احترام للنساء.
مات اثنان من بيننا في مسراتة، كانا مرضى ولم يحصلا على عناية طبية. لم نعرف طبيعة مرضهما. أحدهما كان في السادشة والعشرين والآخر في العشرين. لا يحضر الأطباء إلى مسراتة.
لم يكن الحراس من البشر. كانوا يحصوننا ويجعلونا نقف في الشمس لساعات. إذا اعترض أحد أو تحدث يضربونا. الضرب لا يمكن تعليله لأنني كنت أُضرب في كل مكان في جسدي. إذا واجهت أحد الحراس مشكلة شخصية في بيته يأتي إلينا ويضربنا.
دفعت 700 دينار [نحو 360 دولاراً] للحراس كي يفرجوا عني بعد 10 شهور من الاحتجاز. دفعت الرشوة لحارسين: أحدهما يشغل البوابة والثاني ينتظر على الجانب الآخر ليدعني أخرج. كنا مجموعة من 50 إلى 60 شخصاً خرجوا بهذه الطريقة. [212]
ورغم أن المفوضية السامية ومنظماتها الشريكة قد أسست مؤخراً عيادة صحية في مسراتة فيها ثلاثة أطباء كاملي الدوام، فإن المحتجزين السابقين قالوا إن الرعاية الصحية لا تتوفر حتى بالنسبة للمحتجزين المرضى أمراضاً شديدة، حتى عام 2007. ماديها، إريترية تبلغ من العمر 24 عاماً، وصفت غياب الرعاية الصحية الملائمة:
لا علاج طبي للسجناء ولا رعاية طبية. بعضهم جُنّ، وبعض النساء وضعن أطفالاً في السجن. الجميع يعاني من الحساسية، سمعت أن رجلاً مات منذ شهرين لعدم حصوله على رعاية طبية. إننا نرى الحشرات تحوم حول الجروح. [213]
ورغم أن مسراتة مفتوح أكثر على العالم الخارجي، من مراكز احتجاز المهاجرين الأخرى في ليبيا، فإن زيارات منظمات المجتمع المدني والصحفيين للمكان كشفت عن موجة من التهديدات والترهيب. الصحفي الإيطالي جابرييل ديل غراندى ورومان هيرزوغ، الصحفي التلفزيوني الألماني، سُمح لهما بزيارة مسراتة في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2008، لكن لم يُسمح لهم بمقابلة المحتجزين على انفراد. مدير السجن، العقيد علي أبو عود، كان على مقربة منهما يستمع إلى شكاوى المحتجزين حتى لم يعد قادراً على الاحتمال. وكتب ديل غراندى قائلاً:
يتابع الكولونيل أبو عود المحادثة بمساعدة مترجم فوري معه. لا يمكنه تحمل الوضع أكثر فيقول: هل تريد العودة لإريتريا؟ فيرد جيه: أفضل الموت، مثل أي أحد هنا... يغضب المدير ويبدأ في التهديد: إذا أردت العودة لإريتريا فسوف نعيدك في يوم واحد.
يقول جيه لرومان: إنهم يمنعونا من التحدث إليكم. المدير غاضب، ويصرخ... يقول لهم إنهم سيعودون جميعاً. ثم يقترب من رومان ويقول آمراً: انتهيت من الكلام. يحاول رومان الاحتجاج فيقول أبو عود مكرراً: انتهينا... فيما يبعدنا حارسين نحو المخرج. وقبل مغادرة الفناء يتحدث المدير بصوت مرتفع للمهاجرين: إذا كنتم تشعرون بالمعاملة السيئة هنا فسوف ننظم إعادتكم على الفور. لقد رفضتم الذهاب إلى بلدكم بالفعل. لهذا أنتم هنا. كل منكم حر في العودة إلى إريتريا. من يريد العودة لإريتريا؟ لا أحد! يجيب الجمع... أرأيت؟ يتوجه المدير بالسؤال لرومان: لقد انتهينا. [214]
زوارة
من الخارج يبدو مركز زوارة كمنزل وليس مركز احتجاز، لكن من الداخل ترى الأبواب محصنة ومغلقة. المحتجزون ينامون على الأرض. قال محتجزون سابقون إنهم كانوا يحصلون على الطعام والماء ولا أكثر من ذلك. وهو أحد الأماكن التي يعود إليها مهاجرو القوارب المعادون من إيطاليا، منذ مايو/أيار 2009.
عبدي كريم، صومالي يبلغ من العمر 21 عاماً، كان على متن قارب اعترضته البحرية الليبية في مارس/آذار 2008. أعادوه إلى ليبيا ثم إلى مركز زوارة، حيث أمضى الشهور الثلاثة التالية:
كانت الأوضاع رهيبة وليس لدي مشكلات شخصية مع أي من الحراس، لكن لم يحدث شيء معي. إذا قال لي الحارس أن أفعل شيئاً ولم أفعله على الفور، يضربني. كنا عشرين. وننام على الأرض. وكان يدعونا نخرج عشر دقائق في اليوم. [215]
عبدي كريم قال إن الحراس قالوا للمحتجزين إن بإمكانهم دفع مقابل للخروج. ودفع 700 دولار لينال حريته.
زليتان
بعض المهاجرين الذين أخفقوا في محاولات المغادرة على متن القوارب يُؤخذون إلى مركز احتجاز في زليتان، وهي مدينة ساحلية شرقي طرابلس. محمد حسن، صومالي يبلغ من العمر 27 عاماً مصاب بكدمات في صدره وساقيه، تحدث إلى هيومن رايتس ووتش بشأن ما تعرض له مؤخراً في مركز احتجاز زليتان بعد إخفاق قاربه في الوصول:
لم يعمل المحرك. أمضينا في القارب أربعة أيام بلا طعام أو مياه. مات ثلاثة أشخاص. حين عدنا إلى الشاطئ كانت الشرطة بانتظارنا. حاولنا رشوتهم لكن واحد من مجموعتنا البالغ عددها 56 شخصاً، كان الوحيد القادر على دفع الرشوة لهم. نقلوا بقيتنا إلى سجن زليتان، حيث أمضينا الأيام الـ 24 التالية.
لم يكن هناك ما يكفي من طعام. أكلنا الأرز والحساء. كان مليئاً بالملح وأضر بمعدتي، كنا جميعاً مصابين بأمراض جلدية. أصابني المرض ولا دواء هنالك. انس الدواء.
لما قلت لهم أنني مريض أخرجوني وضربوني. ضربوني لمدة نصف ساعة بالعصي المعدنية والأسلاك الكهربية. ضربوني أكثر من خمس مرات في زليتان. لم يضرب مدير السجن الناس، الحراس فقط. ما زالت الندبات على صدري وساقي من الضرب.
نقلوني إلى سجن آخر، جرابولي. وهو أفضل حالاً من زليتان لأن لا ضرب هناك. المدير في جرابولي يتقاضى الرشاوى. وكتبت إلى أمي كي ترسل لي النقود. أرسلت الأرقام المسلسلة لـ 800 دولار موقعة باسمه. حين وصلته النقود أطلق سراحي. أمضيت أربعة شهور رهن الاحتجاز. [216]
العديد من المهاجرين الذين اعترضهم الإيطاليون في البحر وأعادوهم إلى ليبيا نُقلوا أيضاً إلى جرابولي.
عبدي حسن، صومالي يبلغ من العمر 23 عاماً، كان على متن قارب غرق وأنقذه قارب خاص نقله إلى زليتان. ولدى الوصول قبض عليه الجنود ووضعوه برفقة 25 شخصاً آخرين في سيارة مغلقة، ونقلوهم إلى ما وصفه باسم "سجن حرس سواحل" زليتان. وهناك تم احتجازه مع الركاب الـ 25 في حجرة 10×10 أمتار، وفيها، حسب قوله: "لعب معنا الجنود الليبيون بضربنا وإساءة معاملتنا"، وتم احتجازه في الحجرة لمدة شهر.
تم الإفراج عن عبدي حسن من زليتان في 7 يوليو/تموز 2008. ووصف إطلاق سراحه بقوله:
مدير السجن استخدمني في ترجمة إعلان لجميع السجناء. قال: حان وقت العمل. على الجميع دفع 1000 دولار من أجل إنقاذهم من البحر. من يدفعون سوف نرسلهم إلى المهربين لمساعدتهم على الوصول إلى أوروبا. أغلبنا دفعنا النقود. وتم الإفراج عنا جميعاً ونقلتنا سيارة للشرطة إلى حي بوسليم ووضعتنا لدى باب منزل المهرب، حيث بدأنا قبل أن يغرق قاربنا. [217]
سابراثا
مركز مهاجرين آخر حيث أفاد المهاجرون بوقوع معاملة مسيئة من الحراس هو مركز مهاجرين سابراثا الواقع على الساحل، غربي طرابلس، في وسط الطريق إلى زوارة. توماس، الإريتري البالغ من العمر 24 عاماً، قال لـ هيومن رايتس ووتش عن تعذيبه على يد الحراس هناك في يونيو/حزيران 2007 كعقاب على محاولة الفرار:
لدى أبواب السجن بدأنا نجري. ركض نحو 32 شخصاً في شتى الاتجاهات. تم القبض على 18 شخصاً، وكنت منهم. حين قبضوا عليّ عرف القادة أنني كنت مدبر عملية الهروب. ونلت العقاب على جميع من هربوا.
تم ضربي بالعصي الخشبية والمعدنية على يد ثلاثة حراس. ضربوني لأكثر من 10 دقائق. قالوا لي يا زنجي وهم يضربوني. حين سقطت على الأرض ركلوني. ضربوني بعصا معدنية على رأسي. وما زال على رأسي ندوب وآلام. ما زلت أشعر بالألم في كتفي. العصي المعدنية رفيعة لكنها لا تنحني تحت تأثير الضرب.
ضربوني ما إن قبضوا عليّ. من هرب منّا ربطوهم بطريقة خاصة. لمدة يومين أبقونا منفصلين عى الآخرين. رشونا بالماء، ولم نكن قادرين على المشي من الألم. كنت أخشى النزيف الداخلي في رأسي. لا يمكننا حتى التفكير في مجرد مقابلة طبيب أو ممرضة.
احتجزوني في سابراثا لمدة أسبوعين. سابراثا فيه نحو 100 شخص. هناك إريتريون وأشخاص من غرب أفريقيا وأثيوبيون. كان مكاناً قذراً للغاية. كنا نتبول في زجاجات بلاستيكية. بعض الناس ممن ضربوني في البداية كانوا حراسي لمدة الأسبوعين التاليين. استمروا في معاملتي بقسوة. واستمروا في ضربي.
حين يكون مدير المركز حاضراً تصبح المعاملة أفضل. لا يضربونك أمام المدير. بالطبع يتعاطى الحراس المخدرات. حين تدور رؤوسهم بفعل المخدر يشعرون بأنفهم أفضل بكثير ويعاملونا كالكلاب. في هذه المرحلة يركلونا بأقدامهم كأننا كلاب. [218]
قنفودة
قنفودة هو مركز احتجاز للمهاجرين على مشارف بنغازي، وحتى كتابة هذه السطور يحمل 450 سجيناً، أغلبهم من الصومال وإريتريا. بعض المحتجزين في قنفودة منذ خمسة أعوام، طبقاً لروايات المهاجرين. المهاجرون يصفون المكان على أنه يبدو كالسجن. عبدي حسن، الصومالي المقتبسة أقواله في وصف مركز احتجاز الالكفرة، تم احتجازه في قنفودة لمدة ست’ اشهر. وعلى النقيض من أغلب مراكز الاحتجاز التي يكون الاتصال فيها بين الحراس والمحتجزين في حده الأدنى، ففي قنفودة، طبقاً لعبدي حسن، يتم استجواب (وضرب) كل محتجز على حدة:
نحو 100 سجين صومالي موجودين هناك. كل منهم يتم استدعاءه للاستجواب في حجرة منفصلة. حين دخلت الحجرة استجوبني ابن مدير السجن وضربني. وقف حراس آخرون على مقربة، لكنه ضربني بعصا خشبية. أمضى ثلاث إلى أ ربع دقائق في ضربي على أخمص قدميّ. وضرب كل قدم نحو خمس أو ست مرات. [219]
أبوكار، الصومالي البالغ من العمر 25 عاماً، في مركز قنفودة منذ أكثر من عام، وهذا وقت مقابلة هيومن رايتس ووتش له. وكان في حجرة برفقة 70 صومالياً آخرين. قال: "يتركنا الحراس محبوسين هنا. إنهم يهينونا ويضربونا وإذا تحدثت إليهم يعاقبوك أشد العقاب. إنهم يؤلمونا بالكهرباء". [220] قال أبوكار لـ هيومن رايتس ووتش ما حدث في واقعة في 10 أغسطس/آب 2009:
ليلة أمس رأت مجموعة من الصوماليين والنيجيريين أن البوابة الخارجية مفتوحة فحاولوا الفرار. فتح الحراس عليهم النار. كانوا نحو 30 حارساً، لكن خمسة هم من أطلقوا النار. رأيت أن أغلب أصدقائي أصيبوا، وبعضهم سقط على الأرض. رأيت شخصاً مصاباً بثلاث رصاصات. لا أعرف ما إذا كان هناك قتلى. نحو 30 إلى 50 نجحوا في الفرار، لكن الحراس أعادوا بعضهم، ومنهم بعض الأشخاص فقدوا الوعي. بعد ساعة، جاء حراس إضافيون وبدأوا في ضربنا. [221]
غطى "فويس أوف أميريكا" هذا الحادث، بما في ذلك إنكار السفير الليبي في الصومال وقوع عملية هروب من السجن أو مقتل أي أحد. [222] وأفادت مصادر صحفية صومالية إطلاق النار على عشرين محتجزاً ومقتلهم. [223]
[189] المصدر طلب عدم ذكر اسمه.
[190] كما أن اللاجئين وملتمسي اللجوء في الاحتجاز يجب أن يُخطروا كتابة، بلغة يفهمونها، بالأساس الخاصة بالاحتجاز، ويمكن التماس التعويض من السلطات القضائية الممكنة من التقرير على الفور في قانونية الاحتجاز والأمر بإخلاء السبيل إذا كان هذا مطلوباً. انظر: United Nations Commission on Human Rights, Report of the Working Group on Arbitrary Detention, E/CN.4/2000/4, December 28, 1999, Annex II, Deliberation No. 5, “Situation Regarding Immigrants and Asylum Seekers,” available at http://www.unhchr.ch/Huridocda/Huridoca.nsf/0811fcbd0b9f6bd58025667300306dea/39bc3afe4eb9c8b480256890003e77c2?OpenDocument#annexIIحتى 6 مارس/آذار 2006.
[191] السابق.
[192] مراكز احتجاز المهاجرين في ليبيا منها مسراتة وزليتان، والزاوية وجرابولي وسومان والطويشة وزوارة والالكفرة وقنفودة (بنغازي) والقطرون والأعجبية وسرت وسبراثة وبني وليد. كما سمعنا أكثر من مرة بسبراثة والجوازات (واردة في هذا الفصل) وبن جاشر.
[193] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B/H32)، مالطة، 4 مايو/أيار 2009.
[194] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B27)، مالطة، مركز ليستر، 4 مايو/أيار 2009.
[195] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B37)، كالتانيستا، صقلية، 8 مايو/أيار 2009.
[196] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B13)، مالطة، 3 مايو/أيار 2009.
[197] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B/H32)، مالطة، 4 مايو/أيار 2009.
[198] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B64)، روما، 19 مايو/أيار 2009.
[199] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B62)، روما، 19 مايو/أيار 2009.
[200] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B63)، روما، 19 مايو/أيار 2009.
[201] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، R/L5)، كالتانيستا، صقلية، 28 أكتوبر/تشرين الأول 2008.
[202] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B/H1)، مالطة، 1 مايو/أيار 2009. على النقيض، فإن اثنين من المحتجزين السابقين في الجوازات وصفوا الضرب على أخمص القدم. الشهادة التالية في هذه الصفحة لتوماس تصف الضرب على أخمص القدم. مصر آخر، هو فورترس يوروب، ورد فيه قول محتجز سابق في الجوازات "أحد الممارسات المستخدمة في هذا السجن هي الضرب بالعصا على أخمص القدمين، وهي نقطة حساسة جداً للألم"“Escape from Tripoli: Report on the Conditions of Migrants in Transit in Libya,” Fortress Europe, October 25, 2007 صفحة 18.
[203] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B68)، روما، 20 مايو/أيار 2009.
[204] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B37)، كالتانيستا، صقلية، 8 مايو/أيار 2009.
[205] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B55)، باليرمو، 13 مايو/أيار 2009.
[206] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B58)، لامبادوسا، 14 مايو/أيار 2009.
[207] بريد إلكتروني من المفوضية السامية لـ هيومن رايتس ووتش، 12 أغسطس/آب 2009.
[208] انظر أعمال الاعتراض من قبل مالطة وليبيا قبل مايو/أيار 2009.
[209] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B/H54)، باليرمو، صقلية، 13 مايو/أيار 2009. قصة دانييل عن نقله إلى الحدود للترحيل تستمر في الجزء الخاص بالإعادة القسرية والإلقاء في الصحراء.
[210] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B/H1)، مالطة، 1 مايو/أيار 2009.
[211] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B39)، كالتانيستا، صقلية، 8 مايو/أيار 2009.
[212] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسماء، H21)، مالطة، ليستر، 4 مايو/أيار 2009.
[213] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B/L1)، روما، 23 أكتوبر/تشرين الأول 2008.
[214] انظر: “Libya: Inside the Immigrants’ Detention Center of Misrata,” Fortress Europe, November 20, 2008. Available at: http://fortresseurope.blogspot.com/2006/01/libya-reportage-from-refugees-detention.html(تمت الزيارة في 15 يوليو/تموز 2009).
[215] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، H25)، أغريغينتو، صقلية، 6 مايو/أيار 2009.
[216] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B10)، مركز احتجاز تاكانديا الجديد، مالطة، 2 مايو/أيار 2009.
[217] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B/H32)، مالطة، 4 مايو/أيار 2009.
[218] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B68)، روما، 20 مايو/أيار 2009.
[219] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B/H32)، مالطة، 4 مايو/أيار 2009.
[220] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، H92)، قنفودة، 11 أغسطس/آب 2009.
[221] السابق.
[222] انظر: “Libya Denies Somali Prisoners Killed in Jailbreak,” VOA News, August 11, 2009,
[223] انظر: “Libya: Prison Guards Kill More Than 20 Somalis, Injure 50 Others,” Mareeg, August 11, 2009, http://www.mareeg.com/fidsan.php?sid=13298&tirsan=3(تمت الزيارة في 12 أغسطس/آب 2009).






