XV . الإعادة القسرية من ليبيا وإلقاء الأشخاص في الصحراء بالقرب من الحدود
بالرغم من أن ممارسة إلقاء المهاجرين في منطقة الحدود يبدو أنها ممارسة مألوفة، فلا توجد حالات موثقة بوضوح منذ عام 2007 لإعادة لاجئين أو ملتمسي لجوء قسراً إلى بلدانهم الأصلية، أو إلى أماكن يتعرضون فيها للإعادة القسرية.[177] ولكن حظت هيومن رايتس ووتش بفرصة مقابلة لاجئين اثنين، هما ميلي وآرون، قامت السلطات الليبية بإعادتهما قسراً إلى إريتريا في عام 2004. وبعدها قاما بالفرار من إريتريا مرة أخرى، وعادا إلى ليبيا، وهذه المرة نجحا في مغادرة ليبيا والوصول إلى مالطة، حيث يعيشان الآن. ذكرت هيومن رايتس ووتش حقائق الإعادة القسرية في تقريرها الصادر في 2006 بعنوان وقف التدفق، لكن بالطبع لم تتمكن من مقابلة العائدين في ذلك الحين، وكانوا محبوسين لدى وصولهم إلى إريتريا. وما زال الإريتريون يتعرضون للإعادة القسرية من بلدان أخرى في المنطقة.[178]
بدأت مشكلة الإعادة القسرية في 21 مايو/أيار 2004، حين غرق القارب الذي كان على متنه ميلي وآرون أمام الساحل الليبي. سبعة من رفاقهما غرقوا. البقية تم القبض عليها على الساحل بالقرب من قرية خمس.
قال ميلي لـ هيومن رايتس ووتش ما حدث حين أعيد إلى الشاطئ الليبي (آرون روى على انفراد القصة نفسها). وهي قصة من الضرب المستمر منذ القبض عليهم لدى وصولهم الشاطئ حتى إقلاع طائرتهم إلى إريتريا بعد شهرين، ولدى الوصول يتم سجنهم على يد حكومتهم:
كانت الشرطة هناك وتم القبض على الجميع تقريباً. الشخص الذي قبض عليّ هددني بسكين، وكنا متعبين. ضربتنا الشرطة بالعصي ووضعونا في قلّاب سيارة الشرطة. وضعونا في منزل عادي، وليس في مركز للشرطة، وبقينا فيه ليلة واحدة.
في اليوم التالي نقلونا إلى مسراتة. كان هناك 172 شخصاً، وجميعهم من نفس القارب، وتم اصطحابهم إلى مسراتة.، وهو سجن كبير، وهناك أيضاً سجناء أفارقة، وتم حبسي هناك لمدة شهر، وكنت أتعرض للضرب يومياً.
حاولت الفرار برشوة الحارس. دفعت له 150 دولاراً، وأعطيته النقود لكن الجنود الآخرين كانوا بانتظاري في الخارج وقبضوا عليّ. كان معي صديق. كنا في حجرة واحدة. ضربونا كثيراً حتى أصبت بالمرض. استخدموا معي الكهرباء، ثم ضربوني على قدمي. ما زالت قدمي مصابة وما زلت أعاني من صعوبة في المشي. ضربني أربعة أو خمسة حراس. ولم أتمكن من السير لمدة ثلاثة أسابيع، وكانت قدمي مجروحة جرحاً غائراً.
اليوم الأول بعد محاولة فراري تعرضت لأسوأ ضرب. بعدها عدت للضرب الطبيعي لمدة ثلاثة أيام، في الحجرة الصغيرة مع صديقي، ثم أعادونا إلى الحجرة الكبيرة. في اليوم التالي نقلونا إلى سجن الجوازات حيث توجد جنسيات كثيرة. بقيت فيه لمدة شهر تقريباً. هذا السجن ليس سيئاً كمسراتة. الضرب فيه طبيعي، مرتين، عندما يحصون السجناء في الصباح وفي المساء... تم نقلي من هناك إلى سجن الفلاح، حيث أمضيت يومين. ومن هناك وضعوني على متن طائرة. كان السفير الإريتري في المطار. وكان هذا في 22 يوليو/تموز 2004. كان على متن الطائرة 79 رجلاً و30 امرأة.
بعد أن حطت الطائرة في إريتريا قبوضا عليّ وأمضيت الشهور التسعة التالية في السجن، والشهور الستة التي بعدها في مركز تدريب عسكري خاص للسجناء. كان سجناً آخر، وليس مركز تدريب عسكري عادي. بعد التدريب العسكري أعادوني إلى السجن مجدداً. هربت من السجن وذهبت إلى السودان في 1 مايو/أيار 2007. أمضيت يومين هناك ثم عدت إلى ليبيا لثاني مرة.[179]
أرسلت ليبيا طائرة ترحيل أخرى على متنها 75 إريترياً في أغسطس/آب 2004، لكن الركاب اختطفوا الطائرة في طريقها ونزلوا في الخرطوم، حيث اعترفت المفوضية السامية بستين شخصاً منهم كلاجئين.[180] بعد تلك الواقعة لا نعرف بإرسال ليبيا طائرات ترحيل أخرى إلى إريتريا، رغم أن محاولة وقعت لإرسال طائرة في يوليو/تموز 2008 لإعادة 230 إريترياً.[181] وتمكنت مفوضية اللاجئين من مقابلة السلطات داخل ليبيا ومنعت ترحيلهم.[182]
ما زال بعض الإريتريين يعتقدون أن ليبيا ما زالت ترسل الإريتريين إلى إريتريا. غابرييل، إريتري يبلغ من العمر 28 عاماً أمضى شهراً في ليبيا عام 2008، كان مقتنعاً أنه إذا تم القبض عليه فسوف يُعاد لمواجهة الاضطهاد في إريتريا:
إذا قبضت عليك الشرطة الليبية في الطريق، تخشى أن يعيدوك إلى إريتريا. هناك أشخاص كثيرون تم القبض عليهم في ليبيا، الكثير من السجناء. إذا عدت إلى إريتريا، فمعروف شكل العقوبة التي تواجهك. يمكن القبض عليك لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر، أو قد تتعرض للقتل. أعرف ببعض الناس الذين أعيدوا لكن لا أعرف أين هم. حتى أسرهم لا تعرف.[183]
وفي الأعوام من 2003 إلى 2006، رحلت ليبيا نحو 200 ألف شخص إلى دولهم الأصلية.[184] وفيما كان أغلب هؤلاء من المهاجرين الاقتصاديين الذين دخلوا البلاد بشكل غير شرعي، فإن بعضهم ملتمسي لجوء ولاجئين يواجهون خطر الاضطهاد أو المعاملة السيئة لدى العودة لبلادهم.
وتقول الحكومة الليبية بأن أغلب الأشخاص التي تعيدهم يعودون إلى بلادهم برضا،[185] لكن في ظل ظروف الاحتجاز الموصوفة في هذا التقرير، فإن غياب البدائل، وغياب إجراءات الترحيل الشفافة، فإن الخط بين الإعادة الطوعية والقسرية غير واضح.
الإلقاء في الصحراء
تضع السلطات الليبية في المنطقة الساحلية المهاجرين (خاصة من القرن الأفريقي) في شاحنات وتعيدهم إلى الالكفرة بزعم ترحيلهم عبر الحدود البرية مع السودان، لكن عادة ما لا يتم الترحيل الفعلي، بل يُتركون ببساطة في الصحراء الليبية. ربما هذا لأن حرس الحدود السودانيين غير مستعدين لقبولهم (لا يأتي المهاجرون من السودان فحسب، بل من الصومال وإريتريا وأماكن أخرى). وبدلاً من إعادتهم، حسب شهادات المهاجرين، يُتركون في الصحراء على الأراضي الليبية. وعملاً، يعني هذا أن لا خيار أمام المهاجرين سوى وضع حياتهم في أيدي المهربين ثانية، الذين يعيدوهم من الكفرة إلى بنغازي أو طرابلس.
رحلات الشاحنة نفسها خطيرة للغاية ومهينة. قال المهاجرون لـ هيومن رايتس ووتش كيف كانوا يتزاحمون في أعداد كبيرة داخل سيارات مغلقة لا هواء فيها تقريباً. كانوا يبقون واقفين لمدة يومين، ولا يُسمح لهم بالتبول أو التبرز. دانييل، إريتري يبلغ من العمر 26 عاماً ذكرنا ما قاله عن رحلته في القارب الذي اعترضته السلطات المالطية وتحدث عن خبراته في مسراتة،[186] وتحدث أيضاً عما حدث له بعد أن خرج من مسراتة. بدأت برحلة بالشاحنة مؤلمة للغاية، إلى مركز احتجاز في الكفرة وبعدها أمر مدير المعسكر برميهم في الصحراء ليواجهوا الموت:
بعد ثلاثة أشهر [من الاحتجاز في مسراتة]، جلب الليبيون شاحنة وقالوا إنهم سيعيدونا إلى بلداننا. قلت أنني سوداني. نقلتنا الشاحنة إلى الالكفرة. وكانت مزدحمة فيها 200 شخص ولا هواء فيها. كانت ساخنة للغاية حيث نقف. وحين توقفت الشاحنة لم يتركنا السائقون نخرج. وصلنا إلى الالكفرة وكان سجناً سيئاً للغاية. كان حول عنقي صليب فخلعوه. جعلونا نصطف ووجوهنا للجدار، وضربونا بالعصي.
لم يأخذوا أسمائنا أو بصمات أصابعنا. بل جمعوا 78 شخصاً منّا في حجرة واحدة صغيرة. ربما كانت هنالك ثماني حجرات كهذه. لا أسرة في الحجرة، وفيها مرحاض واحد وهو لا يعمل. لا نوافذ، لا يمكننا التنفس. المكان قذر جداً، لا صابون ولا مياه ولا فرصة للاستحمام. نمنا على الأرض أجسادنا متلاصقة. فلا مساحة كافية. إذا رفعت رجلي أجد شخصاً آخر يملأ الفراغ تحتها. والطعام كان عبارة عن بعض الأرز لسبعة أشخاص. أرز والقليل من المياه.
إذا أحدثت جلبة، تضربك الشرطة بعصا معدنية. يضربوك في كل مكان. وانكسرت أذرع الناس ولم يأخذهم الحراس إلى المستشفى.
ولا يوجد أطباء. ذات مرة أحسست بالمرض الشديد، أصبت بحمى، وبدأ الناس يطرقون الباب لجذب انتباه الحراس لأنني مريض للغاية. نقلني الحراس إلى الخارج. جاء مدير المعسكر وقال: خذوه وأرموه في الصحراء.
أخذني رجل شرطة لكنه أشفق عليّ وأخذني إلى المستشفى بدلاً من هذا. جلب الدواء من نقوده وأعطوني حقنة. طلب الإذن لي بالنوم بالخارج. وأخيراً عندما تحسنت جعلتني الشرطة أدخل.
كل يومين أو ثلاثة أيام يأخذ مدير معسكر الكفرة 25 إلى 30 شخصاً في الليل ويبيعهم للمهربين الليبيين حتى يقبض منهم النقود. أشخاص آخرون رموهم في الصحراء. أحياناً يأخذون الناس إلى الصحراء ويمرون بالسيارة على أرجلهم ويتركوهم حيث هم. باعني برفقة مجموعة من 25 إلى 30 شخصاً إلى رجل ليبي وضعنا في بيت كبير في الالكفرة وقال لنا إن على أسرنا أن ترسل إلينا 200 دولار كي تدفع ثمن إطلاق سراحنا من الالكفرة ونقلنا إلى بنغازي. وكان كل هذا كثير... تعبت من الصحراء وبعض الناس فقدوا الأمل بعد ثلاث أو أربع أو خمس محاولات. سمعت أن الكثيرين قتلوا أنفسهم.[187]
"الترحيل" إلى الالكفرة يأتي عادة إثر محاولات الخروج بالقارب الفاشلة والاعتقال ثم الحبس في السجون الشمالية. ورغم أن السلطات تنقل المهاجرين إلى الالكفرة بغرض طردهم عبر الحدود البرية إلى مصر أو السودان، ففي واقع الأمر لا تقوم السلطات في الالكفرة في بعض الأحيان بنقلهم عبر الحدود، بل تتركهم في الصحراء على مشارف الالكفرة وتعقد الصفقات مع المهربين الذين يأخذوهم لبدء العملية من جديد. توماس، إريتري يبلغ من العمر 24 عاماً، وذُكرت أقواله أعلاه، أعيد إلى الالكفرة بعد محاولة قارب فاشلة وبعد شهرين في سجن الجوازات في طرابلس:
بعد شهرين، وضعونا برفقة مجموعة أخرى من الإريتريين... 150 شخصاً إجمالاً. وضعونا على متن شاحنة كبيرة مزدحمة بالناس. لا مساحة لأحد كي يجلس. الهواء يأتي من ثقوب في السقف، وبخلاف هذا فهي مغلقة تماماً. مرت بنا الشاحنة من طرابلس إلى الالكفرة. خرجنا في السادسة صباحاً وسافرنا طوال اليوم والليلة التاليين. كانت الشاحنة مغلقة طيلة الرحلة. وكانت ثمة شقوق في الأرض وتبول الناس على الأرض لكن كانت عيني تؤلمني من الرائحة.
توسلنا من أجل بعض الهواء. كانت الشاحنة تتوقف كي يرتاح السائقون ويأكلون لكنهم لا يفتحون لنا الباب. كانوا يخشون أن نهرب. الأسوأ هو ما حدث لدى وصول الالكفرة، توقفنا لمدة ساعتين في درجة حرارة 45 مئوية وكنا بالكاد قادرين على التنفس. الشاحنة مصنوعة من المعدن. وبقينا فيها لمدة ساعتين كعقاب لأننا صحنا كثيراً أثناء الرحلة. الرب عظيم، لقد نجونا جميعاً.
حين تركونا نخرج من الشاحنة، أصبحنا في سجن الالكفرة. أمضينا أسبوعاً هناك. كنا نأكل مرة واحدة في اليوم. أرز فقط. كان شهر رمضان قد انتهى. وكنت قد مررت بشهرين من الجوع في السجن. كنا الآن 800 سجين في حجرات مختلفة. ننام على قطع من الكرتون. لا توجد حشايا والمكان قذر. لا يتكلم معنا الحراس إطلاقاً، يفتحون الأبواب ويغلقوها لا أكثر.
الالكفرة مكان حدودي للترحيل. يتركونك تخرج في الصحراء لأن لا مكان فيها تلجأ إليه. كان في المكان دائماً ثلاث جنسيات: السودان وإريتريا وأثيوبيا. يعيدونك إلى بلدك من الالكفرة، لكن لا ينقلونك عبر الحدود فعلياً، بل يتركونك تذهب فحسب.
لكن المهربين على اتفاق مع قائد السجن. حين يدعونك تخرج تصبح جاهزاً للسوق. ينتظرنا السائقون خارج سجن الالكفرة ويعقدون معنا الصفقات لنقلنا إلى طرابلس. يقول السائقون إنهم دفعوا نقود لإخراجنا من السجن. ثم يأخذونا إلى خارج المدينة، إلى مكان مفتوح خالي من الناس.
قال لنا السائقون إن علينا أن ندفع لهم النقود لأنهم دفعوا لإطلاق سراحنا من السجن. إما أن ندفع 40 دينار رشوة لإخراجنا من السجن، أو 400 دولار لنقلنا إلى طرابلس. الطريقة الوحيدة لفعل هذا هي الاتصال بأسرتك ومطالبتها بإرسال نقود. أرسلت أسرتي النقود وعدت إلى طرابلس.[188]
[177] وقف التدفق، صفحة 57.
[178] انظر: Human Rights Watch, Service for Life: State Repression and Indefinite Conscription in Eritrea,أبريل/نيسان 2009.
[179] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B/H2)، مالطة، 1 مايو/أيار 2009.
[180] انظر وقف التدفق، صفحات 56 و57.
[181] انظر: Amnesty International, “Libya: Amnesty warns against deportation of Eritreans,” July 11, 2008,
[182] بريد إلكتروني من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى هيومن رايتس ووتش في 12 أغسطس/آب 2009.
[183] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، L2)، سكياكا، صقلية، 26 أكتوبر/تشرين الأول 2008.
[184] تم ترحيل 18543000 في عام 2003، و54000 في 2004، و48000 في 2005، و54000 في 2006. الإحصاءات مذكورة من البيانات الرسمية الخاصة بـ: “Escape from Tripoli: Reports on the Conditions of Migrants in Transit in Libya,” Fortress Europe, باقتباس من تقرير للمفوضية الأوروبية. طبقاً للتقرير، في عام 2003 كان 38 في المائة من المعادين مصريين، و15 في المائة نيجيريين، و12 في المائة سودانيين، و11 في المائة من غانا، و10 في المائة من نيجيريا. البقية من جنسيات أخرى تشمل المغرب ومالي وإريتريا والصومال وجزء صغير من بنغلاديش وباكستان والشرق الأقصى. 2004 شهد زيادة واضحة في عدد المصريين والأفارقة جنوب الصحراء، لا سيما من نيجيريا والنيجر وغانا ومالي.
[185] مذكرة من الحكومة الليبية لـ هيومن رايتس ووتش، 18 أبريل/نيسان 2006. انظر الملحق 1، في وقف التدفق.
[186] انظر: مراكز احتجاز المهاجرين: الأوضاع والإساءات
[187] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B/H54)، باليرمو، 13 مايو/أيار 2009.
[188] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B68)، روما، 20 مايو/أيار 2009.






