XIV . الإساءات أثناء دخول ليبيا
الإساءات الأكثر وقوعاً، وعادة الأكثر جسامة، تقع لدى دخول (أو محاولة دخول) ليبيا، أو لدى معاودة دخول ليبيا بعد الإخفاق في الخروج بالقارب، أو لدى الطرد من البلاد. الإساءات لدى الحدود البرية تقع على جميع الجهات، شرقاً وغرباً وجنوباً. وهوية السلطات التي ترتكب الإساءات – سواء شرطة أو جيش – غير واضحة، كما يوجد عنصر قوي من الارتباط بين ضباط الأمن والمهربين المتورطين في نقل الأفراد.[166] عادة ما يقول المهاجرون إنهم لا تواجههم مشكلة في العبور إلى ليبيا، وإنهم رأوا السائقين والمهربين يتحدثون مع الشرطة. إلا أنه إذا لم يكن الثمن المدفوع جيداً، تقع المشكلات في الغالب.
في بعض الحالات تقع المشكلات على الحدود بسبب تخلي المهربين عن المهاجرين، فلا يتفاوض أحد في هذه الحالة على مرورهم ودفع الرشوة للمسؤولين المعنيين. فيثاوي، إريتري يبلغ من العمر 30 عاماً أمضى عاماً ونصف العام كسجين سياسي في إريتريا، دخل ليبيا في عام 2007 ضمن مجموعة مختلطة قوامها 59 شخصاً، من الصومال وإريتريا والسودان. أخفق التعامل بين المهربين السودانيين على جانب والليبيين على جانب في الصحراء، فترك المهربون الليبيون المجموعة عالقة في الصحراء لمدة 3 أيام تقريباً، وأثناء تلك الفترة مات ستة أشخاص. ثم نقلهم سائق شاحنة إلى الالكفرة في سيارته:
تركنا الموتى خلفنا. نقلنا سائق الشاحنة وأنزلنا بالقرب من الالكفرة. أوقفنا الجنود، ومن معهم نقود دفعوا رشاوى، لكن من ليس معهم نقود، ومنهم أنا، تعرضوا للضرب. ضربني ثلاثة جنود بأسلحتهم. فتشوني بحاً عن النقود وعن هاتف نقال. أخذوا أحد الرجال الصوماليين، وطالبوه بالنقود، وحين لم يدفع وضعوه على الأرض وضربوه بعصا معدنية من السيارة. رأيت هذا وكنت خائفاً على حياتي. وكان رأسه ينزف، وضربوه على ضلوعه. أخذوه معنا، واضطررنا لحمله لأنه غير قادر على السير. نقلناه إلى الأجدبية وتركناه هناك. ضربوني لكنني لم أشتك لأن الرجل الصومالي كان حاله أسوأ بكثير من حالي.[167]
وفيما أفاد بعض الأشخاص مثل فيثاوي، بأن الشرطة والجنود ضربوهم وسرقوهم في مناطق حدودية، فإن آخرين، مثل توماس، إريتري يبلغ من العمر 24 عاماً، قال إن المهربين كانوا أهم الجناة في هذه الأنواع من الإساءات بالقرب من الحدود. تركه مهربوه في الصحراء بعد إدخاله ليبيا في يوليو/تموز 2006. أمضى الأيام الـ 21 السابقة في عبور الصحراء من الخرطوم. وبعد أن دفع نقوداً إضافية، احتجزهم المهربون خارج الالكفرة حيث طالبوهم بنقود إضافية وهددوهم بالقتل:
كان المهربون مدمنين مخدرات. لم يجلبوا قطع غيار للسيارة. وتوقفنا في الصحراء ولا ماء معنا أو طعام. الاتفاق المبدئي كان دفع مبلغ 250 دولاراً لتوصيلنا من الخرطوم إلى الالكفرة. لكن في وسط الصحراء سلمنا السودانيون إلى الليبيين وقالوا لنا إن علينا دفع 300 دولار أخرى وإلا سيتركونا في الصحراء قبل أن نصل ليبيا. نحو 75 في المائة منّا تمكنوا من الفع. ودفعنا للـ 25 في المائة المتبقين، فلم يتركوا أحداً.
من الالكفرة اضطررنا لدفع 300 دولار أخرى للوصول إلى بنغازي. استخدموا القوة وهددونا بالسكاكين. ضربونا... الاتفاق كان نقلنا مباشرة لكنهم احتجزونا يومين في بيت على مشارف الالكفرة، حيث طالبونا بالنقود وأجبرونا على الدفع.[168]
آخرون رأوا جثث المهاجرين الذين خلفوهم في الصحراء. ماديها، امرأة إريترية تبلغ من العمر 24 عاماً، تركها المهربون في الصحراء، وشاهدت ما حدث لآخرين تم التخلي عنهم:
وصلت إلى ليبيا سيراً على الأقدام بعد أن تركوني في الصحراء. رأيت جثث الإريتريين وبطاقات هويتهم في الصحراء، رأيت امرأتين وصبي بدا عليهم أنهم إريتريون. استغرقت 24 يوماً حتى جبت الصحراء. تقطع الصحراء في سيارة تويوتا كبيرة وعادة ما يضعون البنزين في المياه حتى تشرب أقل. تخرج وتسير على المرتفعات حين تكون الرمال غزيرة. توجد عصابات مسلحة في الصحراء تطلب النقود، والجنود يأخذون الرشاوى على الحدود.[169]
الإساءات في المنطقة الحدودية الغربية الليبية
يصف أشخاص من غرب أفريقيا مشكلات مشابهة تواجههم لدى دخول ليبيا من الجهة الجنوبية الغربية. وقال مهاجرون إن شرطة الحدود أطلقت النار عليهم. إنوسنت، النيجيري البالغ من العمر 19 عاماً قال: "أوقفتنا الشرطة لدى الحدود الليبية. قمنا بالهرب، جرينا، لكنهم أطلقوا علينا الرصاص".[170]
وفي حالات أخرى سرقت شرطة الحدود المهاجرين بشكل مباشر، في سلوك شديد الشبه بالمجرمين. أباسي، النيجيري البالغ من العمر 19 عاماً، وصف مواجهته الأولى مع الشرطة الليبية بعد رحلة استغرقت عشرة أيام قطعوا فيها الصحراء للوصول إلى ليبيا من الغرب:
حين وصلت ليبيا، أوقفتني الشرطة وأخذت كل النقود من جيوبي. مزقوا جوازات سفر الناس في مجموعتي. ضربونا بالعصي وركلونا، لكنهم لم يُدخلونا السجن.[171]
في الواقع، يبدو أن ثمة فروق ضئيلة بين الشرطة واللصوص. صامويل، النيجيري البالغ من العمر 21 عاماً، قال لـ هيومن رايتس ووتش إن مدنيين سرقوه وكذلك الشرطة، لدى دوله ليبيا من تومو في ديسمبر/كانون الأول 2007:
ما إن عبرت الحدود حتى أمسك بي شباب ليبي. هددوني بسكين، وقالوا لي أن أعطيهم ما معي من نقود وإلا طعنوني. حدث هذا ما إن وصلت إلى ليبيا. كنت أسير وحدي في الطريق وضربوني.
ثم أمسكت بي الشرطة في جريان. سألوني عن أوراق هويتي، ثم أفرغوا جيوبي وأخذوا كل نقودي وما معي من أشياء ثمينة. أخذوا نقودي ودفعوني بعيداً. لم يضعوني رهن الاحتجاز. لم يكن الأمر كالرشوة، بل بدا أقرب للسرقة.
كرجل أسود أخبئ نفسي. إذا أمسكوا بي يضربوني ويفتشوني ويسرقوني. يجب أن تبقى نقودي مخبأة. إذا لم تعطهم نقود سيفتشوك بحثاً عنها.[172]
إيمانويل، رجل توجولي يبلغ من العمر 34 عاماً، واجه سلسلة من المشكلات من المدنيين والمسؤولين لدى وصوله إلى الحدود الغربية لليبيا:
هاجمنا اللصوص لدى دخولنا ليبيا لأول مرة. كنا في الصحراء على الحدود مع الجزائر. وكانوا لصوص وليسوا من الشرطة. قتلوا بعض الناس، وأخذوا نقودنا وتركوا 32 شخصاً منا في الصحراء بلا طعام أو ماء. مات ستة آخرون من العطش. التقطتنا سيارة ونقلتنا إلى قطرون. وبعد أسبوع هناك نقلتنا سيارة أخرى إلى صبحة. كانت توجد نقاط تفتيش على الطريق. فتشونا بحثاً عن النقود. إذا لم يكن معك نقودي ضربونك ويهددوا بإعادتك إلى الصحراء لتموت. مات بعض الأشخاص بعد أن تركوهم بلا طعام أو ماء.
قبضوا علي على الطريق من القطرون. كان يوم 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2005. وضعوني في سجن هون. كان رهيباً. لم يكن معنا إلا القليل من الخبز والفول مرة واحدة يومياً. لم نكن نعرف متى سيفرجون عنّا. عملت لصالح مأمور السجن في مزرعته. ولم تكن لنا أي حقوق، لا أحد يكلمنا، حتى لو كنا مرضى. لا اتصال لنا بالحراس. كنا جميعاً في حجرة واحدة. وتوجد ثلاثة مراحيض في نفس الحجرة. وكان في الحجرة أشخاص كثيرون للغاية، ولا أحد يخرج. بعضهم أمضى في الحجرة أكثر من عام.[173]
جو-ون، نيجيري يبلغ من العمر 21 عاماً دخل ليبيا من النيجر في عام 2007. تم القبض عليه وأمضى ثلاثة أشهر في مركز احتجاز في غرب ليبيا. قابلته هيومن رايتس ووتش في المعسكر ج من مركز احتجاز سافي في مالطة. قال: "كان سجناً كهذا، لكنه أسوأ"، وأضاف:
المياه والطعام سيئان للغاية. يضطر خمسة أشخاص للأكل من طبق واحد. كانوا يضربونا كل يوم. كانوا يأتون ويتممون علينا ويعاقبونا. كانوا يُخرجونا واحداً وراء الأخر ويضربونا بالعصي ويركلونا بالأقدام.[174]
كويسي، الغاني البالغ من العمر 28 عاماً، دخل ليبيا في عام 2007 من الجنوب الغربي. تم القبض عليه في صبحة ومكث في السجن لمدة شهرين:
لم يكن جيداً. كنا ننام في نفس المكان الذي فيه المراحيض. الطعام فول وخبز. ضربونا كل يوم، ويحدث هذا عندما يغيب مدير السجن. يضربونا بالعصي، وغالباً يضرب حارسان سجين واحد. يرمونك على الأرض ثم يبدأ الضرب. الضرب بلا سبب تقريباً. وضعونا جميعاً في حجرة واحدة، نحو 50 إلى 70 شخصاً مع مرحاض واحد. لا توجد حشايا للنوم، وننام على الأرض. لا صابون ولا استحمام. بعض الناس جُنوا في ذلك السجن. بعض الناس مكثوا فيه لفترة طويلة جداً. أخي أرسل لي نقود فأخرجوني.[175]
أحياناً ما يدخل المهاجرون ليبيا، على غير رغبة منهم، حين تلقيهم السلطات التونسية لدى الحدود مع ليبيا في الشمال الغربي. التونسيون نقلوا إزكييل، إريتري يبلغ من العمر 24 عاماً، إلى الحدود الليبية في أبريل/نيسان 2006 وألقوه داخل ليبيا، وتركوه ومعه أجرة سيارة أجرة كي يتسنى له الاختفاء في ليبيا. لكنه لم يحالفه الحظ:
قبضت عليّ الشرطة الليبية على الطريق ونحن نحاول توقيف سيارة أجرة. ضربنا الجنود الليبيون. ضربونا بقبضاتهم وركلونا بالأحذية. الضرب استمر لمدة طويلة. ضربوا رأسي بجدار. وأخذوا منّا النقود. نقلونا إلى مركز الشرطة في النقاط الخمس. أمضينا شهرين في مركز الشرطة برفقة أجانب آخرين كانوا محتجزين فيه.
أنا أتحدث العربية، وتحدثت مع [تم حجب اسمه]، وهو الرجل المسؤول عن مركز الشرطة. قلت له أن ما يحدث ليس طيباً، وأننا عانيا كثيراً في البحر وأن الجنود أخذوا نقودنا. طلب معرفة أسماء الجنود الذين أخذوا النقود. أشرت إليه موضحاً من هو الجندي المعني، فقام [تم حجب الاسم] بمشاركة الجندي في النقود.[176]
[166] انظر الصلات بين المهربين والأمن وعناصر إنفاذ القانون.
[167] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B38)، كالتانيستا، صقلية، 8 مايو/أيار 2009.
[168] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B68)، روما، 20 مايو/أيار 2009.
[169] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، R/L1)، روما، 23 أكتوبر/تشرين الأول 2008.
[170] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B58)، لامبادوسا، 14 مايو/أيار 2009.
[171] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B53)، أغريغينتو، صقلية، 6 مايو/أيار 2009.
[172] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B4)، مركز احتجاز تاكانديا القديم، مالطة، 2 مايو/أيار 2009.
[173] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B14)، مالطة، 3 مايو/أيار 2009.
[174] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B32)، مركز احتجاز سافي، معسكر ج، مالطة، 4 مايو/أيار 2009.
[175] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B44)، تاباني، صقلية، 9 مايو/أيار 2009.
[176] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم حجب الاسم، B/H12)، مالطة، 2 مايو/أيار 2009.






