XIII . الإساءات بحق فئات المهاجرين المعرضة للضرر
المهاجرون الذين يسكنون في ليبيا أو يسافرون عبرها قالوا لـ هيومن رايتس ووتش على طول الخط إنهم يعيشون في خوف من الاعتقال أو السرقة أو الضرب أو الابتزاز على يد ضباط الشرطة والمجرمين. كما قالوا إنهم يخشون حالة الخوف من الأجانب في ليبيا والمعاملة التمييزية في أماكن العمل وفي مشارب الحياة الأخرى، بما في ذلك رمي الأطفال للأحجار عليهم بشكل متكرر. هذه الخبرات تجعل المهاجرين حذرين من السير في الشوارع حتى.
قال مهاجرون كثيرون لـ هيومن رايتس ووتش إنهم كانوا يختبئون تقريباً طوال فترة إقامتهم في طرابلس أو بنغازي. وفي بعض الحالات كان هذا بسبب احتجازهم كسجناء على يد المهربين. لكن في حالات أخرى كان بسبب خشيتهم التعرض للهجوم على قارعة الطريق. وكما اتضح، فلم يكونوا آمنين في الطرقات ولا في المنازل التي يختبئون فيها، بما أن رجال الشرطة وقطاع الطريق كانوا يدخلون منازل المهاجرين لمهاجمتهم وابتزازهم.
السرقة تجربة متكررة تعرض لها مهاجرون كثيرون، لا سيما الأفارقة من أفريقيا جنوب الصحراء، في طرابلس ومدن أخرى، وكذلك إلقاء الأطفال الحجارة عليهم. إيما، الإريترية البالغة من العمر 25 عاماً، تحدثت عن تجاربها وإحساسها الذي يشاركها فيه مهاجرون آخرون قابلتهم هيومن رايتس ووتش:
حتى الأطفال يأخذون منّا النقود. الليبيون يمكنهم ضربي ولا يمكنني الدفاع عن نفسي. حتى آبائهم لا يمنعوهم. الشرطة تدعمهم. أغلبهم لا يعرفون أننا بشر. عشت في طرابلس لمدة شهر، إذا خرجت لشرب القهوة تأتي الشرطة وتفتشني. يأخذون نقودي وإذا لم يكن معي نقود يأخذوني إلى السجن. هربت من السجن بعد أسبوع، لكنهم نقلوا الكثير من أصدقائي إلى الالكفرة، إلى الحدود مع السودان.[155]
ورغم أن جميع المهاجرين معرضين للخطر في ليبيا، إلا أن مجموعات معينة منهم عرضة للضرر بشكل خاص.
الإساءات بحق النساء المهاجرات
النساء المهاجرات اللاتي يقطعن الرحلة عبر ليبيا معرضات للخطر بشكل خاص على يد المهربين والشرطة، الذين يسيئون إليهن في ظل الإفلات من العقاب. لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من توثيق حالات محددة للاغتصاب أو الاعتداء الجنسي، لكن قال رجال ونساء من المهاجرين لـ هيومن رايتس ووتش إنهم كثيراً ما رأوا المهربين والشرطة يفصلون أو يحاولون فصل نساء عن مجموعة المهاجرين. وقالوا لـ هيومن رايتس ووتش إنهم يعتقدون أن النساء يُبعدن للاعتداء عليهن جنسياً. وبالإضافة إلى الإساءات الجنسية، فالنساء اللاتي قابلتهن هيومن رايتس ووتش وصفن انتهاكات أخرى، منها الضرب وعدم توفر المرافق الصحية الملائمة والابتزاز.
وقد تقع الإساءات الجنسية للنساء المهاجرات المحتجزات طرف الشرطة، وليس فقط على يد المهربين. ماديها، الإريترية البالغة من العمر 24 عاماً، تم احتجازها في مركزي احتجاز المهاجرين في الفلاه ومسراتة، وقالت لـ هيومن رايتس ووتش إنه رغم أن الرجال والنساء كانوا منفصلين في الفلاه، فإنهم لم يكونوا منفصلين في مسراتة. في مسراتة، على حد قولها: "جميع النساء تواجه مشكلات من الرطة. الشرطة تأتي ليلاً وتختار النساء لانتهاكهن".[156] وطبقاً لمفوضية شؤون اللاجئين، فإن الرجال والنساء تم الفصل بينهم في مسراتة منذ عام 2007، ولم تظهر تقارير عن وقائع اغتصاب منذ ذلك الحين.[157]
احتجز المهربون ناديفا، الصومالية البالغة من العمر 19 عاماً، للحصول على فدية، وهذا طيلة عشرين يوماً في الالكفرة. وصفت الحجرة التي كانت تشاركها فيها 25 امرأة أخرى على أنها ضيقة جداً وقذرة داخل مبنى متهدم، وفيها مرحاض واحد تتشارك فيه جميع النساء. وقالت ناديفا لـ هيومن رايتس ووتش كيف عاملها الحراس وزميلاتها من المحتجزات:
ضربونا، ضربوا الجميع، الرجال والنساء. كانوا عادة يضربونا في نفس الحجرة التي نُحتجز فيها. لكنهم كانوا يُخرجون بعض الأشخاص من الحجرة أحياناً. لست أنا، بل اصطحبوا نساء أخريات إلى خارج الحجرة.[158]
أمينة، صومالية أخرى تبلغ من العمر 19 عاماً وصديقة لناديفا، كانت معها في نفس المكان في الالكفرة، ووصلت نفس الأحداث. كما تحدثت عن إساءة المعاملة البدنية، وليست الجنسية:
احتجزونا للحصول على فدية. ضربوني وضربوا الأخريات. ضربونا بعصا خاصة بضرب الأشخاص. كل مرة يدخل حارس المهربين إلى الحجرة يضربنا. قال إنه يجب أن ندفع لهم النقود. مكثنا في نفس الحجرة عشرة أيام. تجمعت النساء معاً، ورفضنا أن يُخرجونا وحدنا إلى خارج الحجرة.
استخدم المهربون أصفاد للشرطة، فحسبنا أنهم يعملون مع الشرطة، لكنهم لم يكونوا يرتدون أزياء شرطية. قيدوا يدي شخصين أو ثلاثة لإخافتنا. اعتاد المهربون أن يقولوا: سأقتلك إذا لم تدفع النقود. ويقول أيضاً: سأنقلك إلى السجن... وقد دفعت لهم الـ 800 دولار المطلوبة.
سلمنا لمهرب آخر نقلنا إلى الأجدبية، حيث احتجزونا لمدة شهر آخر وهناك احتجزونا مرة أخرى طلباً للفدية وطالبوا بنقود إضافية. كان الضرب مبرحاً أكثر هناك لأننا لا يمكننا دفع النقود. أخرجوا بعض الصبية وضربوهم بالهراوات والصواعق الكهربية. ولم يتم إخراج النساء.[159]
ورغم أن لا امرأة قابلتها هيومن رايتس ووتش قالت إنها تعرضت للاغتصاب، فإن روايات بعض الرجال لا تدع مجالاً للشك فيما يحدث للنساء المهاجرات في ليبيا. رجل صومالي يبلغ من العمر 20 عاماً أخبر هيومن رايتس ووتش بشأن "بيت خاص" خارج طرابلس يتم احتجاز المهاجرين فيه واغتصاب النساء:
المهربون متورطون مع الجنود، يتعاونون مع الحكومة في إدارة بيت خاص خارج طرابلس. كنا 32 شخصاً محتجزين في هذا البيت، 25 رجلاً وسبع نساء. لم يحترموا النساء، رأوا فتاة فأعجبتهم. أجبروها على الخروج من الحجرة. وقالت لي ثلاث مرات: لماذا لم تنقذني؟ فأجبت: وماذا بيدي؟ فقالت: لقد أجبروني على فعلها. وبكيت، فلم يكن بيدي أي شيء.[160]
دانييل، إريتري يبلغ من العمر 26 عاماً، شهد على سقوط فتاة ضحية للمهربين في الالكفرة:
كانت في مجموعتنا فتاة جميلة، تبلغ من العمر نحو 16 عاماً. حين وصلنا إلى الالكفرة وضعونا في منزل. قالوا لنا أن نتصل بأسرنا كي ترسل لهم النقود. احتجزونا لمدة يومين في المنزل. وضربونا كلما تحدثنا إليهم. أخرجوا الفتاة القاصر فأثرنا لهم مشكلة. تمكنا من مساعدتها في اليوم اليوم، لكن في اليوم الثاني تبين أن الفتاة ليس معها نقود لتخرج معنا في رحلتنا. وأجبرها الليبيون على البقاء حيث هي. كنا 68 شخصاً في سيارتين، وكانت المرأة الوحيدة التي تخلفت. كما حاول الليبيون الوصول إلى نساء أخريات.[161]
فيما بعد تم احتجاز دانييل في منزل للمهربين في طرابلس، حيث تعرضت النساء لاعتداءات مماثلة:
أخذونا إلى منزل كبير حيث يحتجزون إريتريين وصوماليين كثيرين. كان في المنزل نحو 190 شخصاً، وكانت الأبواب مغلقة ولم نتمكن من الخروج. أمضينا أسبوعاً في تلك الحجرة. وفي كل يوم يأتي الليبيون ويأخذون النساء لفعل ما يشاءون أن يفعلوا بهن. لم ينم أحد جيداً، كنا قلقين خشية أن يسلمونا للشرطة. لم يكن يحق لأحد طرح الأسئلة.[162]
لا تقتصر مشاكل النساء المهاجرات على فترات سفرهن واحتجازهن طرف المهربين، فمن يمضين وقتاً في ليبيا يواجهن مشكلات في الشوارع وفي أماكن العمل حيث يجعلهم عدم حيازتهن للإقامة القانونية عرضة للأخطار. إسكندر، الإريتري البالغ من العمر 40 عاماً، وهو الآن في مالطة، تحدث إلى هيومن رايتس ووتش عن زوجته التي ما زالت في ليبيا. اعترفت بها المفوضية السامية كلاجئة، حسب قوله، وإسكندر معه وضع اللاجئ من المفوضية منذ مقابلته للمفوضية في ليبيا، لكنه غادر البلاد قبل الحصول على نتيجة مقابلته. وتشير مقابلته أيضاً إلى التكتم الذي يحيط به الناس معاملة النساء المهاجرات في ليبيا قيد الاحتجاز:
تم القبض على زوجتي في يونيو/حزيران 2006 حين كنا على متن قارب لم ينجح في إكمال الرحلة. كانت حبلى ولا يمكنها الجري فقبضت عليها الشرطة. لم يقبضوا عليّ. تم اعتقالها ثلاث مرات، ودائماً عندما تكون وحدها. لم أكن أخرج، بل أمكث في البيت مع ابني وكانت هي تعمل. أغلب المشكلات وقعت لها هي. تم احتجازها بعد اعتقالها لمدة شهرين تقريباً. لم أذهب إلى مركز الشرطة أبداً للاطمئنان عليها، وهي لم تقل لي أي شيء عن كيفية معاملتها رهن الاحتجاز. لكنني تعرضت للاحتجاز بدوري وأعرف ما يحدث فيه للنساء.[163]
الإساءات بحق الأطفال غير المصحوبين ببالغين
يبدو أن سلطات الاحتجاز الليبية لا تفرق بين البالغين والأطفال غير المصحوبين ببالغين. فعادة ما تحتجز الأطفال غير المصحوبين في نفس أماكن احتجاز الكبار، مما يعرضهم لخطر الإساءات والعنف. الأطفال غير المصحوبين ببالغين معرضين أيضاً لخطر من أشكال عنف أخرى أثناء رحلتهم. كوفي، طفل غير مصحوب ببالغين، هو يتيم من غانا وكان يبلغ من العمر 16 عاماً حين وصل إلى ليبيا وأمضى فيها عاماً، في 2007. تحدث كوفي عن احتجازه وعن الضغط عليه للعمل الجبري في ليبيا، وأخيراً إجباره على ركوب قارب نقله إلى أوروبا. وكما هو الحال دائماً، فإن الخط الفاصل بين سلطات الشرطة والمهربين هو خط غائم غير واضح:
كنت الصبي الوحيد الذي سافر مع مجموعة من 24 شخصاً بالغاً. تم القبض علينا ونقلونا إلى سجن جنزور لمدة 12 يوماً. لم نكن نأكل سوى الخبز والمكرونة والمياه طيلة بقاءنا هناك. مرضت وطلبت مساعدة طبية، لكنهم رفضوا. وذات مرة دفعوني في وجهي لارتطم بالحائط.
جمعنا الحراس الساعة 4:30 صباحاً كل يوم لإحصاءنا. لا أعرف الفرق بين الشرطة والجيش. وكان سجناً كبيراً فيه سجناء من ليبيا وفلسطين وأفغانستان وبنغلاديش. والرجال والصبية كانوا في منطقة والنساء في منطقة أخرى منفصلة.
أخرجني الحارس للعمل في منزله. عملت طوال الوقت كل يوم لمدة 4 شهور، لكن لم يدفع لي نقوداً أبداً. ثم أعطاني لامرأة مصرية. عملت في مزرعتها لمدة سبعة أشهر. ولم تدفع لي بدورها، لكنها كانت على الأقل تعطيني الطعام والثياب.
بعد سبعة أشهر عاد الحارس وأخذني. وضعني مع مجموعة كبيرة من 200 شخص تم الإفراج عنها للتو من السجن. كان يتحكم فينا، صاح فينا رجاله وأجبرونا على ركوب قارب. كنت خائفاً ورحت أبكي. لكنهم قالوا لي أن التزم الهدوء، لقد تحكموا فيّ.[164]
جوناتان، الإريتري البالغ من العمر 18 عاماً، سافر عبر ليبيا غير مصحوباً بالبالغين، وأمضى شهرين في سجن ليبي نظامي برفقة المجرمين، لأن مسراتة، مركز احتجاز المهاجرين الذي يُحتجز فيه عدد كبير من الإريتريين، كان ممتلئاً:
كان مسراتة ممتلئاً فوضعوني في سجن آخر برفقة المجرمين والمدمنين. كان الناس يتعاطون المخدرات، الليبيون والتشاديون والنيجيريون، ولا يميزون بين القاصر والبالغ. كان السجن رهيباً والشرطة الليبية عنصرية. إذا عرفوا أنني مسيحي كانوا ليفعلوا بي أشياء سيئة، مثل ضربي. لم أخبرهم... لكن حين قبضوا علينا ضربوا كالحيوانات. حاول أحد الرجال الفرار لأن الضرب كان بشعاً. ركض وصدمته سيارة، لم يتم فتح تحقيق، ولم يُسأل أحد عن وفاته.[165]
[155] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B63)، روما، 19 مايو/أيار 2009.
[156] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، R/L1)، روما، 23 أكتوبر/تشرين الأول 2008. الشخصان اللذان أجريا المقابلة من هيومن رايتس ووتش كانا رجلاً وامرأة.
[157] بريد إلكتروني من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى هيومن رايتس ووتش، 12 أغسطس/آب 2009.
[158] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B50)، مركز سالينا غراندى لملتمسي اللجوء، تراباني، صقلية، 9 مايو/أيار 2009. كان باحث ومترجم هيومن رايتس ووتش رجلين.
[159] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B49)، سالينا غراندى لملتمسي اللجوء، تراباني، صقلية، 9 مايو/أيار 2009. باحث ومترجم هيومن رايتس ووتش اللذان أجريا المقابلة كانا رجلين.
[160] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B11)، مركز احتجاز تاكانجا الجديد، مالطة، 2 مايو/أيار 2009.
[161] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B/H54)، باليرمو، صقلية، 13 مايو/أيار 2009.
[162] المصدر السابق.
[163] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B13)، مالطة، 3 مايو/أيار 2009.
[164] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B53)، أغريغينتو، صقلية، 11 مايو/أيار 2009.
[165] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، L4)، سكياكا، صقلية، 27 أكتوبر/تشرين الأول 2008.






