XII . الصلات بين المُهرّبين ومسؤولي الأمن وإنفاذ القانون
في حالات كثيرة لا يعرف المسافرون عبر ليبيا إن كان من يسيئون إليهم من الشرطة أو مجرمين، لكن كثيراً ما يبدون اعتقادهم بأن الفئتين على صلة مقربة بأحدهما الآخر، ويتفقان على استغلال المهاجرين الضعفاء والإساءة إليهم. إدراك المهاجرين للشرطة والمهربين مشوب بفهمهم للسيطرة التي يفرضها النظام على المجتمع الليبي بأسره وعن سلوك الليبيين نحو الأجانب، والأفارقة جنوب الصحراء على وجه التحديد. حبتوم، رجل إريتري يبلغ من العمر 28 عاماً، وصل إلى ليبيا في يونيو/حزيران 2008، قال موضحاً:
تعرف الشرطة كل شيء يحدث في ليبيا. إنهم يعرفون ما يحدث على متن القوارب. يحصلون على نصيبهم من النقود، المشكلة تقع حين لا تحصل الشرطة على نصيبها من النقود أو تحصل على القليل. إذا كانت الحكومة لا تحبهم [أي المهربين] فما كانوا ليقوموا بالتهريب.[142]
والمهاجرون على طول الخط تقريباً قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إنهم يعتقدون بأن المهربين على صلات وثيقة ببعض المسؤولين الليبيين. وحسب شهادات المهاجرين، فإن المهربين الذين ينظمون عملية الخروج في القوارب تربطهم أحياناً صلات بالسلطات المسؤولة عن منع الهجرة البحرية غير الشرعية. توماس، الإريتري البالغ من العمر 24 عاماً، كان ضمن مجموعة من 108 مهاجراً امتنعوا عن ركوب قارب يبدو أنه غير ملائم للإبحار، في أكتوبر/تشرين الأول 2006. وبعد بدء المهاجرين في مقاومة المهربين، تدخل مسؤولو البحرية، لكن وجهوا جهودهم نحو المهاجرين الذين رفضوا ركوب القارب، وليس نحو المجرمين الليبيين الذين ينظمون رحلة بحرية تنطوي على مخاطرة بالأرواح:
ما إن رأيت القارب عرفت أنني سأموت إذا ركبته. أجبروا شخصين على ركوب القارب وبدأت البقية في الشجار معهم. حضر رجال عسكريون كثيرون وأمسكوا بنا لدى القارب.
المهربون لهم ترتيبات خاصة مع القوات البحرية كي يأخذوا نقودنا. وضعونا مباشرة في مكتب للمرفأ البحري. الأشخاص الذين طالبوا بالنقود منا كانوا يرتدون الزي الرسمي للبحرية. كانت بنيتهم رياضية، وكان من الواضح أنهم من البحرية وليسوا حرس الحدود. وتحدث معنا ضابط بحرية رفيع المستوى.
ما يدهشني هو أن ذلك الشخص الذي قال لنا إنه سيأخذنا لإيطاليا هو نفسه الشخص الذي قبض علينا. الأشخاص الذين قبضوا علينا كانوا يرتدون ثياباً مدنية. ومن قالوا إنهم سيأخذونا كانوا في ثياب رسمية. لكنهم جميعاً اعتقلونا في وقت واحد.[143]
مجموعة توماس حاولت التفرق، لكن أغلبهم، ومنهم توماس، تم القبض عليهم واحتجازهم. توماس أجرى أربع محاولات للخروج من ليبيا على متن قارب. وتم القبض عليه واحتجازه عدة مرات في عدة مراكز احتجاز، وأُعيد إلى منطقة حدودية بغرض ترحيله.[144] خبرته الموسعة مع المهربين والأمن والشرطة لم تدع لديه شك في الصلات بين الطرفين:
أعتقد أن المهربين وبنسبة مائة في المائة على صلة بالشرطة والجيش. رأيت ضباطاً في ثياب رسمية وعلى أكتافهم نجوم يتحدثون إلى المسؤولين عن نقلنا بحراً. وقال السائق: لا مشكل. حين رأينا شرطة أو جيش. كما قال لنا المهربون إننا إذا لم ندفع لهم فسوف ندخل السجن.[145]
وروى مهاجرون صوماليون لـ هيومن رايتس ووتش بشأن تورط السفارة الصومالية في عمليات التهريب. عبدي حسن، صومالي يبلغ من العمر 23 عاماً، قال إنه ذهب إلى السفارة الصومالية لدفع النقود اللازمة لرحلته بالقارب إلى أوروبا، وإنه تم نقله مباشرة من السفارة إلى جرابولي، وهي نقطة النزول إلى القارب:
رئيس المهربين [تم حجب اسمه] يعمل في السفارة الصومالية بطرابلس. وله مكتب كبير في السفارة وهو يسيطر على 90 في المائة من القوارب. مكتبه مجهز جيداً بالحواسب الآلية وكل شيء. دفعنا نقودنا لهذا الرجل من داخل السفارة الصومالية. ويقبلون أيضاً هناك تحويل النقود عبر ويسترن يونيون. عمتي أرسلت له 500 دولار. وله صلات جيدة بالحكومة الليبية. كل شيء مربوط من الخرطوم إلى الكفرة إلى بنغازي وطرابلس والقوارب. كل شيء مربوط ببعضه. نقلونا من السفارة إلى جرابولي، وهي رحلة تستغرق نحو ساعة ونصف الساعة، وهناك انتظرنا القارب.[146]
الشرطة والمهربون: الرشاوي والابتزاز والسرقة
سواء كانت الشرطة على الطرقات متورطة في عمليات تهريب موسعة أم لا – ولا سيما الطرقات المؤدية إلى الحدود – وكذلك حراس الأمن في مراكز احتجاز المهاجرين، فهم جميعاً يتربحون بشكل منهجي بواسطة المطالبة بالرشاوي وقبولها كثمن لإطلاق سراح السجناء طرفهم. [147] وفي حالة مراكز المهاجرين، يشمل الأمر ترتيب اتصالات بأسر المحتجزين في بلدانهم الأصلية وإجراء عمليات تحويل نقدية، ويشمل الأمر في أحيان كثيرة ترتيب الشرطة لاتصالات بالمهربين للسفر بعد إخلاء السبيل.
آرون، إريتري يبلغ من العمر 36 عاماً تم احتجازه في سجن المطار بطرابلس في عام 2007، قال إن الرشوة إما 500 دولار نقداً أو نحو 800 دولار إذا كان تحويل من الخارج. وبعد أن دفع الرشوة، قال آرون إن الشرطة في زي رسمي نقلته من السجن في سيارة للشرطة وأنزلته في شارع بطرابلس. فيما بعد رتب لمقابلة مع رجل شرطة و"أعطاه نقود لإخلاء سبيل أصدقائه". وقال آرون: "إنها عملية دوارة. يخرجون الناس إلى المدينة ويحصلون على النقود، ثم يستبدلون السجناء بأفارقة آخرين". [148]
ونادراً ما يؤدي المهربون خدماتهم مقابل المبلغ المتفق عليه في بداية الرحلة. على النقيض، فإن منهجهم المتبع هو المطالبة بنقود إضافية في وسط الرحلة، مع احتجاز المهاجرين ضد إرادتهم للحصول على فدية وتهديد حياتهم.
حبتون، الرجل الإريتري المذكورة أقواله أعلاه، سافر عبر الصحراء برفقة مجموعة من 95 شخصاً، ومنهم 19 شخصاً ماتوا أثناء الرحلة. قال إن المهربين احتجزوه رغم إرادته في منزل مغلق في مسراتة – وليس مركز احتجاز – وهددوه بإعادته إلى مركز احتجاز رسمي إذا هو لم يدفع ومعه المهاجرين الآخرين نقوداً إضافية:
الرجال الذين حرسونا في المنزل كانوا يحملون العصي والسكاكين. طالبوا بأن ترسل أسرنا لنا النقود. الليبيون [المهربون] قالوا إذا لم ندفع النقود فسوف يرسلونا إلى السجن. كانوا على صلة بالشرطة. وحين كانوا ينقلوننا من مدينة إلى أخرى، كانت الشرطة تصادفنا فتتركنا نمر. كانوا يعرفون المهربين. [149]
إريتري آخر – إيجي – دفع للمهربين نحو 700 دولار لنقله من الخرطوم إلى طرابلس. وبدلاً من هذا نقلوه إلى الكفرة، حيث احتجزوه برفقة 78 شخصاً آخرين في حجرة مغلقة بمساحة 10×20 متراً بلا نوافذ، لمدة عشرة أيام، وطالبوهم بنقود إضافية:
مات رجل صومالي في تلك الحجرة. لا أعرف اسمه، فلم نتمكن من التحدث معه، لكننا بذلنا كل ما بوسعنا لإنقاذه. أثناء رحلتنا في الصحراء التي استغرقت 13 يوماً خلط المهربون مياه الشرب بالبنزين حتى نشرب أقل، فمرض. كان الحراس يعرفون أنه مريض، لكنهم لم ينقلوه إلى المستشفى أو فعلوا أي شيء لمساعدته.
لم نكن نتحدث و نتواصل إطلاقاً مع الحراس [المهربين]. لا يعرفون سوى طلب النقود منّا، ولا يهمهم إطلاقاً إذا تكسرت أذرعنا أو أرجلنا أو إذا مرضنا. ضربوني عدة مرات. يضربونك إذا تبولت بلا إذن، أو بلا أي سبب واضح، ربما لمجرد مرورك إلى جوارهم، أو وقتما شاءوا. يضربونك على عينيك، على ساقيك، في أي مكان. [150]
قال إيجي إن الشرطة والمهربين كانوا على صلة وثيقة:
المهربون الذين تحفظوا علينا في الحجرة في الالكفرة قالوا لنا إنهم على صلة بالحكومة. رأينا هذا بأعيننا. توقفت سيارتا شرطة إلى جوارنا في الصحراء. أحد السائقين خرج من السيارة وتحدث مع الشرطة فتركونا نمر. حين دخلنا مدينة الالكفرة قبضت علينا جميعاً الشرطة. أمضينا يومين لدى الشرطة ثم قالوا لنا إن بإمكاننا الخروج. لكن سائق الشرطة كان يعمل أيضاً مع المهربين، ونقلنا إلى المهربين وسلمنا لهم، حيث أمضينا 13 يوماً في حجرة مغلقة. [151]
محمود، تونسي يبلغ من العمر 20 عاماً، أمضى ثلاثة أشهر في منزل للمهربين في طرابلس، حيث كان محتجزاً ضد إرادته في أوضاع مزرية. يعتقد أن المهربين الذين كانوا يتحفظوا عليه على صلة بالشرطة:
حين انتقلنا من الزاوية إلى طرابلس رأينا أن المهربين أصدقاء للشرطة. كانت الشرطة تساعد المهربين في تنظيم الرحلة. بعد أن وصلنا إلى البيت الذي تحفظوا علينا فيه في طرابلس لم يعد بإمكاننا الخروج منه. لم يكن الطعام والمياه فقط سيئين، بل أيضاً كانوا يضربوننا. لم يكن مسموحاً لنا بالكلام. طلبت إعادة نقودي لي، لكنهم رفضوا. [152]
غيدي، الصومالي البالغ من العمر 27 عاماً، واجه مشكلات مع المهربين ما إن وطأت أقدامه أرض ليبيا في فبراير/شباط 2009. ذكر بالاسم رئيس عملية التهريب وقال إن عناصر من الشرطة كانوا يعملون معه. هددوه بالقتل واحتجزوه ضد إرادته التماساً للفدية:
[تم حجب الاسم] هو أحد المهربين الكبار. وهو ليس من الشرطة نفسه لكن بعض أفراد الشرطة يعملون معه. [تم حجب الاسم] اختطفني، وعذبني وضربني. قال: إذا لم تدفع هذا المبلغ فسوف أقتلك... وطلب أن ترسل أسرتي له 700 دولار. اضطرتني الظروف للاتصال بأبي وأن أطلب منه إرسال النقود وإلا قتلوني. باع أبي بيتنا ودفع النقود حتى لا يقتلوني.
نقلوني إلى منزل في الأجبدية. كان كالسجن. فيه أربعة حراس وأربعة كلاب حراسة. كنا 24 شخصاً في الحجرة. مكثنا هناك ستة أيام. كان المهربون يضربوننا كل يوم. نقلوني إلى حجرة منفصلة وضربوني فيها. كانوا يضربوني بمضرب في شتى أنحاء جسدي، ويقولون إذا لم أدفع 700 دولار فسوف يقتلوني. استمر الضرب عشر دقائق، ثم في اليوم التالي ضربوني لمدة 12 دقيقة.
الرجل الذين كان يضربني تربطه صلات بالشرطة. لم يكن يرتدي زياً شرطياً رسمياً، لكنه أراني بطاقة هويته كشرطي. قال إذا لم أطعه فسوف يأخذني إلى السجن. [153]
لم يقتصر الأمر على معاملة المهربين للمهاجرين بقسوة في أماكن احتجازهم لهم ضد إرادتهم، بل أيضاً أسلوب نقلهم للمهاجرين هو في العادة قاسي لدرجة جسيمة. تم نشر تسجيل فيديو على موقع صحيفة لا ريبابليكا الإيطالية في 26 يونيو/حزيران 2009، فيه مشاهد صادمة، يبدو أنها لمجموعة كبيرة من المهاجرين يتم إخراجهم من حاوية أسطوانية مغلقة تماماً على ظهر شاحنة تُستخدم عادة في نقل السوائل من قبيل الوقود. [154]
[142] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B60)، روما، 9 مايو/أيار 2009.
[143] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B68)، 20 مايو/أيار 2009.
[144] يوجد نسخة كاملة من شهادة توماس على صفحة لـ هيومن رايتس ووتش: http://www.hrw.org/en/news/2009/06/08/full-transcript-statement-tomas-24-year-old-eritrean
[145] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم حجب الاسم، B68)، روما، 20 مايو/أيار 2009.
[146] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع (تم تغيير الاسم، B/H 32)، مالطة، 4 مايو/أيار 2009.
[147] بالإضافة إلى ما توصل إليه هذا التقرير من نتائج، فإن تقريرنا بتاريخ 2006: وقف التدفق، يوثق بدوره هذه الظاهرة. وانتهى إلى أن "الفساد المستشري في نظام الهجرة. أفاد المهاجرون واللاجئون بشكل متسق بأن المحتجزين يمكنهم شراء حريتهم برشوة الحراس وقادتهم"، وقف التدفق، صفحة 38.
[148] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، R/L5)، كالتانيستا، صقلية، 28 أكتوبر/تشرين الأول 2008.
[149] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B67)، روما، 20 مايو/أيار 2009.
[150] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B 66)، روما، 20 مايو/أيار 2009.
[151] المصدر السابق.
[152] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B57)، لامبادوسا، 14 مايو/أيار 2009.
[153] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B45)، تراباني، صقلية، 9 مايو/أيار 2009.
[154] انظر: “Illegal immigrants in tankers: A new video of shame from Libya: traffickers keep on working,” La Repubblica, online version, June 26, 2009 available at http://tv.repubblica.it/home_page.php?playmode=player&cont_id=34356&ref=search(تمت الزيارة في 16 يوليو/تموز 2009).






