سبتمبر 21, 2009

IX . الإخفاق في إنقاذ القوارب المعرضة للخطر في البحر

 

إجراء الاعتراض في البحر المتوسط يوصف عادة باسم "الإنقاذ البحري". في عدة حالات هو بالفعل عمليات إنقاذ، وقامت البحرية وحرس الحدود في كل من إيطاليا ومالطة بإنقاذ آلاف الأرواح، وكذلك فعلت سفن خاصة. لكن القوارب غير المعرضة للخطر في البحر يتم اعتراضها بدورها، وفي بعض الأحيان يتم تجاهل القوارب المعرضة للخطر أو تُدفع بعيداً، طبقاً لروايات المهاجرين.

والإخفاق في الإنقاذ تأكد من أقوال المسؤولين الإيطاليين. ففي أبريل/نيسان 2009 اتهم وزير الداخلية الإيطالي روبرتو ماروني مالطة بإرسالها 40 ألف مهاجر إلى إيطاليا لأنها أخفقت في المشاركة في إنقاذهم.[100] وبالفعل قال مهاجرون لـ هيومن رايتس ووتش إن قوارب البحرية المالطية أوقفت القوارب الهائمة، وأعطتها الطعام والوقود، ثم أشارت لها إلى اتجاه إيطاليا ثم اختفت. عبدي حسن، صومالي يبلغ من العمر 23 عاماً يتحدث عدة لغات، منها الإنجليزية، وصف إلى أي مدى ذهبت البحرية المالطية كي تتفادى اصطحابه هو والركاب الآخرين، وكيف أصروا على إعادة تمويل قاربهم ثم دفعوهم بعيداً ناحية إيطاليا:

بحلول اليوم الثاني لم يعد معنا طعام أو شراب. في اليوم الثالث من الرحلة لم يعد معنا وقود، وفي اليوم الرابع رحنا نطفو على وجه الماء كما اتفق. حسبنا أننا سنموت. عثر علينا قارب صيد واتصل باللاسلكي بالبحرية المالطية كي تسحبنا. في اليوم الخامس، جاءت سفينة بحرية مالطية، لكنهم قالوا لنا إنهم لن يصطحبونا. نقلوا امرأتين حبلاوين إلى سفينتهم وأنا معهما للترجمة. أعطوا بقية الناس في قاربنا الطعام والوقود وقالوا لهم أن يذهبوا إلى صقلية. ثم قالوا لي إنهم لا يمكنهم اصطحابي، بل المرأتين فحسب، ثم وضعوني على متن قارب صغير سريع ونقلوني إلى قاربي للانضمام إليه. ثم مضينا في طريقنا إلى صقلية.[101]

بعد ذلك تعرض قاربهم لأزمة أخرى، وفي نهاية المطاف أنقذهم قارب بحرية مالطي وأعادهم إلى مالطة. قال عبدي حسن أنه تلقى معاملة جيدة من قبل البحرية المالطية، رغم أن مكان الاحتجاز الذي اصطحبوه إليه، وهو معسكر هيرمس في مركز ليستر، كان قذراً وقديماً ومزدحماً لدرجة أنه اضطر للنوم على الأرض. (تم إغلاقه قبل زيارة هيومن رايتس ووتش بقليل). وقال: "بعد أن اعتدت السجون الليبية، بدا لي هذا المكان فردوساً، لكن في الوقت نفسه كنت أشعر أن بعض حقوقي المكفولة لي في أوروبا مُهدرة".[102]

تخفق بعض السفن في الاستجابة بسرعة أو التحرك بالمرة، لإنقاذ المهاجرين العالقين في قوارب عاطلة في البحر ويبدو أن حياتهم في خطر. عباسي، النيجيري البالغ من العمر 21 عاماً، كان على متن قارب "زودياك" مطاطي في أغسطس/آب 2008، حين سمع صوت فرقعة:

بدا كصوت عيار ناري، لكن لم يكن هناك بندقية. تعرضنا لمشكلة، القارب يسرب المياه. كنا ما زلنا في المياه الإقليمية الليبية، والجميع يبكون لأننا نعرف أننا لن نُنقذ في المياه الليبية. حسبنا أننا سنموت. قلنا لن نُنقذ إلا في المياه الدولية.
 
طفا بنا القارب لخمسة أيام حتى بلغنا المياه الدولية أخيراً. تضرعنا ودعونا وحاولنا البقاء هادئين. كان أحد جوانب القارب قد غرض والآخر عائم. كنا 85 شخصاً متعلقين به. ولم يكن معنا أي شيء يؤكل، وبحلول اليوم الثاني لم يعد معنا مياه. راح الناس يشربون مياه البحر وأصيبوا بالإعياء. ومات 3 أشخاص.
 
في اليوم الرابع رأينا مروحية. رأتنا المروحية ولوح لنا من فيها. لم تُسقط المروحية لنا طعاماً أو شراباً، ولم يأت قارب لإنقاذنا. بعد خمس ساعات رأينا سفينة. لم تقترب للمساعدة، بل توقفت وأمضت عدة ساعات في مكانها، ومن على القارب يراقبون ما يحدث.
 
بدأ الناس على متن القارب في الشجار والجدل. أخيراً في منتصف الليل تقريباً رأينا ضوء سفينة أخرى. رمت لنا حبلاً حاولت جرنا، لكن قاربنا كان قد انتهى أمره. جلبونا على متن قاربهم، ونقلنا مباشرة إلى مالطة. أخذوا بصمات أصابعنا وأدخلونا جميعاً المستشفى للكشف علينا فقط وليس للعلاج. ثم نقلونا إلى مركز احتجاز سافي. واعترتنا الدهشة لأننا محبوسين في أوروبا.[103]

من الواضح أن قباطنة السفن – وهم أحياناً من سكان الدول الأوروبية المعنية – يحكمون بأنفسهم على درجة شدة محنة القوارب المستحقة للإنقاذ، فيتدخلون في أحيان كثيرة أقل التدخل لمنع الخسائر في الأرواح، وفي الوقت نفسه لتفادي تحمل مسؤولية المهاجرين بإنقاذهم فعلياً. وبعيداً عن واجب الدول في ضمان أن السفن التي تسير حاملة أعلامها تقوم بالإنقاذ، فإن الاتفاقية الدولية لسلامة الأرواح في البحر تنص تحديداً على: "قائد السفينة في البحر الذي يصبح في موضع يؤهله من من يد العون، لدى تلقيه لمعلومات من أي مصدر بوجود أشخاص في محنة داخل البحر، مُلزم بالتحرك بأقصى سرعة لإنقاذ هؤلاء الأشخاص".[104]

وحين يتم إنقاذ قوارب، يقول المهاجرون بأن المُنقذين يتنافسون على من يلقي المسؤولية على الطرف الآخر أولاً. جوناس، إريتري يبلغ من العمر 39 عاماً، كان على متن قارب يضم نحو 300 راكب، وأمضى أربعة أيام بلا طعام أو مياه، ثم اقترب منهم قارب قام بإنقاذهم في 18 أبريل/نيسان 2009:

توقف قارب شرطة مالطي، لكنهم لم يعطونا أي طعام أو مياه. حين صادفنا القارب المالطي، قالوا لنا إنهم سيمدون يد العون، لكنهم تركونا حين رأوا سفينة إيطالية تقترب. أعطتنا السفينة الإيطالية المياه وعاملونا بلطف.[105]

تضيف هذه الشهادات الكثير إلى سجل من الخزي، وقليلاً ما نعرف عنه شيء لأن الأحداث ها هنا تقع في عرض البحار المفتوحة، ولأن الغرقى لم يعد بإمكانهم الكلام. مثل هذه الأصوات ارتفعت من الموتى تتكلم في 21 مايو/أيار 2007، عندما بدأ قارب في منتصف الطريق بين ليبيا ومالطة في الغرق، وكان على متنه 53 إريترياً. الركاب ممن كان معهم هواتف قمر صناعي اتصلوا في يأس بأقارب لهم في إيطاليا ومالطة ولندن يتوسلون النجدة. صورت مروحية عسكرية مالطية القارب الغارق ذلك الصباح، لكن استغرق الأمر تسع ساعات أخرى قبل أن تصل سفينة بحرية، وعندما وصلت كان القارب وكل من كانوا على متنه قد غرقوا في أعماق البحر.[106]

في وقت لاحق من الشهر نفسه، راح قارب مهاجرين عاطل يهيم على وجه الماء لمدة ستة أيام، ومرت به عدة قوارب قبل أن يغرق. وصادف قارب صيد تونة مالطي الحطام والغرقى المتعلقين به، لكنه لم يقبل بقبولهم على ظهر القارب. بدلاً من هذا تُرك 27 رجلاً أفريقياً متعلقين بشبكة قارب صيد التونة لمدة ثلاثة أيام وثلاث ليال بينما ليبيا ومالطة وإيطاليا تتجادل فيما بينها عن المسؤول عن استضافتهم. ثم أخيراً قبلتهم سفينة بحرية إيطالية.[107]

والخلافات حول الطرف المسؤول عن التسبب في تأخير الإنقاذ والضغوط والأخطار المُضافة تظهر في الخلافات على أعلى مستوى بين مالطة وإيطاليا فيمن يتحمل مسؤولية 140 مهاجراً كانوا على متن ناقلة تركية تُدعى بينار إي، في أبريل/نيسان 2009. الركاب منهم على الأقل امرأى حبلى واحدة وأطفال و22 شخصاً كانوا مرضى لدرجة لا يمكن معها جلبهم مع مجموعة الركاب الأساسية التي وصلت صقلية وظلوا في لامبادوسا. التقط قبطان سفينة بينار إي المهاجرين استجابة لإشارة إنقاذ وصلته منهم. قالت إيطاليا أنه بما أن المهاجرين قد تم اعتراضهم في عملية بحث وإنقاذ في منطقة بحث وإنقاذ تديرها مالطة، فمن الواجب نقلهم إلى الأراضي المالطية، ورفضت منح الإذن للسفينة بدخول المياه الإيطالية. وقالت مالطة أن القانون الدولي يطالب بإنزال المهاجرين في أقرب مرفأ آمن، وهو في هذه الحالة لامبادوسا، الإيطالية. وبعد أربعة أيام من المواجهات والاعتراضات من رئيس المجلس الأوروبي، وافقت إيطاليا أخيراً على قبول المهاجرين.

إنوسينت، الشاب النيجيري البالغ من العمر 19 عاماً، تم إنقاذه على يد سفينة بينار إي، وها هنا لوحة رسمها تعبيراً عن محنته، وقال لـ هيومن رايتس ووتش كيف أن قاربه الزودياك المطاطي العاطل المزدحم بالركاب تم تجاهله في بادئ الأمر من قبل السفن العابرة، ثم كيف اضطر الركاب المرضى للانتظار فيما تجادلت إيطاليا ومالطة على من يقبل المهاجرين على أرضه.[108]

كانت معنا مياه فقط، وليس الطعام، ولا سترات نجاة. تهنا في البحر ونفدت المياه والوقود. رحنا نتصل بالناس كي ينقذونا. لوحنا بقمصاننا للسفن العابرة. بعضها مرت بنا بلا توقف، وبعضها الآخر أعطونا الطعام والمياه، لكن لم ينقذونا. لم يكن معنا وقود وراحت الموجات تحملنا كما اتفق. راح الناس يبكون، وصلينا للرب كي ينقذنا. ورأينا دلفيناً يصيب القارب وتسبب في تسرب المياه إلى القارب. رحنا ننزح المياه من القارب، ولم يمت أحد، لكننا كنا مرضى وراح الناس يفقدون وعيهم. بعد أربعة أيام جاءت سفينة تركية كبيرة وألقت لنا حبلاً. تسلقنا على متن السفينة الكبيرة. أعطونا مياه للشرب، وأعطونا طعاماً، وإن لم يكن كافياً. قضينا ثلاثة أيام أخرى على متن القارب التركي [كانت أربعة أيام في واقع الأمر].[109]

وفيما أبدى إنوسينت شيئاً من التقدير لإيطاليا، فإن الإيطاليين بغض النظر عن هذا مددوا من معاناته لمدة أربعة أيام فيما راحوا يتجادلون مع مالطة من أجل تفادي قبوله على الأراضي الإيطالية.

هذه الخلافات بين مالطة وإيطاليا تبرز نقطة ضعف كبرى في نظام القوانين البحرية الدولية. النتيجة العملية للخلاف هي أن السفن التجارية التي تنقذ المهاجرين في خطر في منطقة البحث والإنقاذ المسوؤلة عنها مالطة القريبة من لامبادوسا، قد جاءتها إشارات متعارضة حول أين تُنزل الناجين من الغرق. اتفاقية عام 2004 الدولية عن البحث والإنقاذ في البحر والاتفاقية الدولية لسلامة الأرواح في البحر وتعديلاتها، يبدو أنها تدعم الموقف الإيطالي، إذ ورد فيها أن المسؤولية عن توفير ملاذ آمن تقع على عاتق الدولة المسؤولة عن منطقة البحث والإنقاذ التي تم إنقاذ الناجين منها.[110] كما أصدرت المنظمة البحرية الدولية مشروع قرار عن الموضوع، وأوضحت أنه: إذا "لم يتسن الإنزال من السفينة التي قامت بالإنقاذ

رسم إنوسنت هذه اللوحة التي تصور إنقاذه، على قطعة من الورق. إلى اليمين سفينة إ بينار، وكتب في اللحة: "بارك الرب الشعب التركي". (C) 2009 Bill Frelick/Human Rights Watch

 

على وجه السرعة إلى مكان آخر، فإن الحكومة المسؤولة عن منطقة البحث والإنقاذ المعنية عليها بقبول إنزال الأشخاص المُنقذين في مكان آمن تحت سيطرتها".[111] إلا أن مالطة اعترضت رسمياً على تعديلات الاتفاقيتين أعلاه لعام 2004، وكذلك على مشروع قرار المنظمة البحرية الدولية، ومن ثم فهي ليست مُلزمة بها.[112] وتستمر مالطة في القول بأن الإنزال يجب أن يقع في أقرب مرفأ آمن من موقع الإنقاذ، وهو في حالة منطقة البحث والإنقاذ المالطية، وهو غالباً مرفأ في إيطاليا. وقانوناً، فإن الدولتين في موضع صحيح، لأن مالطة ليست مضطرة للالتزام بتعديلات 2004 على الاتفاقيتين البحريتين التي تُلزم إيطاليا. وثمة حاجة للمزيد من التعديلات القانونية لتوفير منصة قانونية متسقة فيما يخص إنزال الناجين من الغرق في عرض البحر.

 

[100] انظر: “Maroni Claims Malta Sent 40,000 Migrants to Italy,”Times of Malta, April 21, 2009, http://www.timesofmalta.com/articles/views/20090421/local/moroni-claims-malta-sent-40,000-migrants-to-italy(تمت الزيارة في 21 أبريل/نيسان 2009).

[101] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B/H32)، مالطة، 4 مايو/أيار 2009.

[102] مقابلة هيومن رايتس ووتش، (تم تغيير الاسم، B/H32)، مالطة، 4 مايو/أيار 2009.

[103] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B4)، تاكانديا، مركز احتجاز قديم، 2 مايو/أيار 2009.

[104] الاتفاقية الدولية لسلامة الأرواح في البحر، 1 نوفمبر/تشرين الثاني 1974، دخلت حيز النفاذ في 25 مايو/أيار 1980، 1184، سلسلة معاهدات الأمم المتحدة3، نظام رقم V/33.1.

[105] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B39)، كالتانيستا، صقلية، 8 مايو/أيار 2009.

[106] انظر: “Doomed to Drown: The desperate last calls of the migrants no one wanted to rescue,” The Independent, May 27, 2007, http://www.independent.co.uk/news/world/europe/doomed-to-drown-the-desperate-last-calls-of-the-migrants-no-one-wanted-to-rescue-450300.html(تمت الزيارة في 24 يوليو/تموز 2009).

[107] انظر: “Europe’s Shame,” The Independent, May 28, 2007, http://www.independent.co.uk/news/world/europe/europes-shame-450754.html(تمت الزيارة في 24 يوليو/تموز 2009).

[108] انظر: Frances D’Emilio, “Italy will let Stranded Migrants Land,” guardian.co.uk, April 19, 2009, http://www.guardian.co.uk/world/feedarticle/8463000(تمت الزيارة في 14 يوليو/تموز 2009).

[109] مقابلة هيومن رايتس ووتش (تم تغيير الاسم، B58)، لامبادوسا، 14 مايو/أيار 2009.

[110] المنظمة البحرية الدولية، لجنة السلامة البحرية، الجلسة 78، النظر في وتبني تعديلات الأنظمة الإلزامية، تعديلات اتفاقية سلامة الأرواح في البحر لعام 1974، 10 أكتوبر/تشرين الأول 2003.

[111] المنظمة البحرية الدولية، لجنة التسهيلات، الجلسة 35، الإجراءات المتصلة بالوصول والبقاء والمغادرة بالنسبة للأشخاص، 14 يناير/كانون الثاني 2009.

[112] المنظمة البحرية الدولية، تقرير لجنة التسهيلات للجلسة رقم 35، 16 يناير/كانون الثاني 2009.