سبتمبر 3, 2009

IV . مصادمات المدينة

 

في أواخر فبراير/شباط 2009 وقعت مصادمات بين زوار من الشيعة الوافدين على المدينة المنورة وقوات الأمن السعودية – ومنهم عناصر من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي ذلك التوقيت كانت المدارس مغلقة وفي عطلة منتصف السنة المدرسية، ورافق أطفال كثيرون آبائهم من مناطق الشيعة المجاورة للقطيف والأحساء في توافدهم إلى المدينة. وتجمع الشيعة في الرابع والعشرين من فبراير/شباط في مقبرة البقيع، وهي منطقة مجاورة للمسجد النبوي، لإحياء ذكرى وفاة النبي. ويُعتقد أن مقبرة البقيع فيها رفات العديد من زوجات الرسول، والكثير من صحابته وخلفائه الأربعة الذين يعتقد فيهم الشيعة كونهم قيادات للعالم الإسلامي.

 

وحين يزور الشيعة مقابر الشخصيات الإسلامية المُبجلة، فهم يتلون أدعية خاصة ويقيمون شعائر أخرى، مثل التقاط حفنات من التراب من حول المقبرة. وفي هذا ما يخالف التعاليم الوهابية، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب، من القرن الثامن عشر، أكد على محورية التوحيد في الإسلام ومن ثم اعتبر الممارسات من قبيل تبجيل الشخصيات الإسلامية الراحلة البارزة والمناسبات الاحتفالية الخاصة، من ضروب الشرك بالله. وقال الأمير نايف – وزير الداخلية السعودي – إثر وقائع البقيع إن من شاركوا فيها هم أشخاص راحوا يجمعون الرمال من مقابر الصحابة في تحدي للقيم الوهابية. وأضاف: "على المواطنين من بعض أجزاء المملكة الأخرى ممن يتبعون مذاهب أخرى... أن يلتزموا بهذا (المبدأ السني)".[50]

 

وقائع مقبرة البقيع

في العشرين من فبراير/شباط تصادم زوار شيعة في مقبرة البقيع بالمدينة مع الشرطة الدينية بعد أن شاهدوا شخصاً اشتبهوا في أنه يتبع الشرطة الدينية يصوّر امرأة من موقع مرتفع. وقال الزوار الشيعة إنهم اعتبروا تصوير المرأة انتهاك لخصوصيتهم.[51] وورد في أحد التقارير أن الزوار رموا الأحذية والعُلب الفارغة تجاه قوات الأمن رداً على عملية التصوير.[52] وقال شاهد عيان لـ هيومن رايتس ووتش إن قوات الأمن اعتقلت خمسة زوار.[53]

 

التقارير التي ورد فيها تصوير الشرطة للنساء الزائرات من الشيعة أدت بالآلاف من الشيعة إلى الاحتجاج بالمقبرة في الحادي والعشرين من فبراير/شباط.[54] وأعلنت السلطات عن فتح تحقيق في المصادمات وقالت إن بعض السنة قد تعرضوا للاعتقال بدورهم.[55] واندلعت مصادمات أخرى بين قوات الأمن والزوار الشيعة في ذلك اليوم أيضاً. ويظهر في تسجيل فيديو من المنطقة، حشودٌ من الزوار يفرون على الطريق، على ما يبدو فراراً من عناصر الأمن في الزي الرسمي وعناصر من الأمر بالمعروف في ثياب مدنية، ويظهر في التسجيل أن هذه العناصر تتبعهم عن كثب، وكان مع عناصر الأمن عصي في أيديهم، لكن لم يظهر في التسجيل أنهم استخدموها.[56] وفي حادث وقع في 23 فبراير/شباط، تناقلت التقارير أن قوات الأمن أطلقت الذخيرة الحية وأصابت الزائر الشيعي زكي عبد الله الحسني البالغ من العمر 15 عاماً، وأصابته الرصاصة في الصدر أثناء المصادمات.[57] ووقع حادث آخر، إذ منعت الشرطة امرأة من زيارة منطقة مخصصة للنساء.[58] وطبقاً لأحد شهود العيان، فقد استخدمت الشرطة الهراوات ضد حشد الشيعة، وانضم المدنيون المارة إلى ضرب الزوار الشيعة. وزعم شاهد العيان إن قوات الأمن والمدنيين الذين انضموا إليهم أصابوا عشرة زوار شيعة، ومنهم سبعة أطفال.[59]

 

وفي 24 فبراير/شباط اندلعت المصادمات مجدداً بين الزوار الشيعة ومسؤولي الأمر بالمعروف، حين منعت قوات الأمن الدخول إلى مقبرة البقيع.[60] وقال شاهد عيان لـ هيومن رايتس ووتش إن الأمر بالمعروف هاجموا الزوار.[61] وفي ذلك اليوم هاجم رجلٌ مجهولٌ رجل دين شيعي، هو الشيخ جواد الحضري من الأحساء، لدى مدخل المسجد النبوي، وطعنه بسكين. شيخ الحضري، الذي يظهر من ثيابه أنه رجل دين شيعي، قال لـ هيومن رايتس ووتش أن الشخص الذي هاجمه – والذي رأى الحضري أنه مدني – صاح: "اقتلوا الرافضة [الشيعة]" وهو يطعنه. وقال إنه ما زال يشعر بالألم الناجم عن الطعنة في كتفه.[62]

 

وفي 23 فبراير/شباط استقبل الأمير عبد العزيز بن ماجد، حاكم المدينة المنورة، وفداً من كبار الشخصيات الشيعية. وفي 27 فبراير/شباط أطلق سراح جميع المحتجزين على ذمة أحداث مقبرة البقيع تحت سن 18 عاماً بناء على أوامر صدرت من الأمير نايف.[63] وذهب وفد كبير من الشيعة إلى الرياض لمقابلة الملك عبد الله في الثالث من مارس/آذار، وفي اليوم التالي أصدر الملك عفواً عن جميع المحتجزين أثناء مصادمات مقبرة البقيع.[64] وفي 14 مارس/آذار زعمت وزارة الداخلية إنها اعتقلت تسعة اشخاص فقط على ذمة المصادمات العنيفة حول مقبرة البقيع،[65] لكن مصادر شيعية ذكرت إن 28 شخصاً على الاقل قد احتُجزوا إلى أن صدر العفو الملكي.[66] واقتبس تقرير لاحق تصريحات مسؤولين أوضحوا اعتقال 71 شخصاً، منهم 49 شيعياً و22 سنياً.[67]

 

ورغم أنباء طعن الشيخ جواد الحضري وإطلاق النار على الحسني، فإن وزارة الداخلية زعمت أنه لم تقع إصابات.[68] وطبقاً للحضري ومصدر شيعي آخر من المنطقة الشرقية، فلم يتم فتح أية تحقيقات مع ضباط الأمن المزعوم أنهم أطلقوا النار على زكي عبد الله الحسني (الحضري من نفس منطقة الحسني بالأحساء).[69] أما عن واقعة طعنه، فقال الحضري إن الشرطة أخذت أقوال سُجلت لدى المباحث، لكنه لا يعرف بأية تحقيقات حكومية بغية تقديم الشخص الذي هاجمه للعدالة.[70]

 

[50] انظر: “Saudi Denies Shiites Targeted in Sunni Kingdom,” Agence France-Presse, March 14, 2009, reproduced at http://www.google.com/hostednews/afp/article/ALeqM5gbrlMzkIkn8mBw6WD3pBftAUhDlg (تمت الزيارة في 19 أغسطس/آب 2009). القوسان كما في الأصل [بالإنجليزية]

[51] تسجيل الحدث الواضح أنه المصور بهاتف نقال يُظهر يداً تحمل ما يبدو أنه كاميرا فيديو من وراء جدار على سطح الطابق الأول من مسجد البقيع. وفي تلك التغطية تُسمع صرخات من النساء الزائرات وجلبة في صفوف النساء والأطفال، ويظهرون وهم يشيرون بأيديهم إلى كاميرا الفيديو. كان التسجيل متوفر فيما سبق على رابط: http://www.youtube.com/watch?v=u4qlLEs-LiA وشوهد أثناء إعداد التقرير، لكنه لم يعد متوفراً.

[52] انظر: "خالد زيادي، حشد من الشباب والنساء يعيقون تدفق المصلين للمسجد النبوي، صحيفة الرياض، 21 فبراير/شباط 2009، على: http://www.alriyadh.com/2009/02/21/article411281.html (تمت الزيارة في 25 يونيو/حزيران 2009).

[53] بريد إلكتروني لـ هيومن رايتس ووتش مع حسين، من شيعة المنطقة الشرقية، 26 فبراير/شباط 2009. كما ظهر هذا في تغطية الإعلام، انظر: خالد زيادي، حشد من الشباب والنساء يعيقون تدفق المصلين للمسجد النبوي، صحيفة الرياض، 21 فبراير/شباط 2009، على: http://www.alriyadh.com/2009/02/21/article411281.html

[54] انظر: http://www.youtube.com/watch?v=Z-AYF9mkuno (تمت الزيارة في 19 أغسطس/آب 2009). تسجيل الفيديو غير المؤرخ هذا يظهر فيه حشد من الرجال والنساء والأطفال أمام مسجد بعد حلول الظلام، مع تجمهر من قوات الأمن يرتدون الخوذات ويحملون دروع بلاستيكية أمام مدخل المسجد. ينشد الحشد في ثناء على النبي محمد والإمام الحسين، لكن تواجد الحشد سلمي وقوات الأمن هادئة.

[55] انظر: Donna Abu-Nasr, “Saudi Government Cracks Down on Shiite Dissidents,” Associated Press, April 1, 2009, reproduced at http://abcnews.go.com/International/wireStory?id=7225240 (تمت الزيارة في 19 أغسطس/آب 2009).

[56] انظر: http://www.youtube.com/watch?v=wAaEM8Q8pRU (تمت الزيارة في 19 أغسطس/آب 2009). يظهر في تسجيل الفيديو غير المؤرخ هذا عشرات الرجال والنساء وبعض الأطفال يركضون في طريق ويظهر من تحركهم أنهم يفرون، ويتبعهم بعض عناصر الأمن وبعض الأشخاص من المسؤولين يرتدون ثياباً عادة ما يرتديها المطوعين وعناصر الأمر بالمعروف. وفي تسجيل فيديو آخر غير مؤرخ، تم تصويره من نقطة مغايرة لكن يُظهر نفس الواقعة على ما يبدو، يطارد مسؤول أمني في الشارع الأفراد وفي يده عصا مُشهرة، ويبدو أنه يدفع امرأة جانباً. انظر: http://www.youtube.com/watch?v=p6lDZnl7Rjs (تمت الزيارة في 19 أغسطس/آب 2009).

[57] بريد إلكتروني لـ هيومن رايتس ووتش مع علي، شيعي من المنطقة الشرقية، 23 فبراير/شباط 2009.

[58] انظر: http://www.youtube.com/watch?v=VGIxmxSUqWw (تمت الزيارة في 19 أغسطس/آب 2009). تسجيل الفيديو القصير غير المؤرخ هذا يُظهر أربعة مسؤولين أمنيين يجرون شخصاً بعيداً عن المسجد.

[59] بريد إلكتروني لـ هيومن رايتس ووتش مع حسن، شيعي من المنطقة الشرقية، 28 فبراير/شباط 2009.

[60] انظر: http://www.youtube.com/watch_popup?v=Oct7fouNGsY (تمت الزيارة في 19 أغسطس/آب 2009). تسجيل الفيديو غير المؤرخ هذا يُظهر أطفالاً يقتربون – في البداية على استحياء ثم بجرأة ثم جماعة – من حشد قوامه 20 شخصاً على مسافة 20 متراً مما يبدو أنها منطقة مقبرة البقيع، لدى فتحة في الرصيف حولها جدار من الطوب، ثم يهجمون إلى داخل الحفرة ويلتقطون بعض التراب ثم يهرعون عائدين إلى الحشد.

[61] بريد إلكتروني لـ هيومن رايتس ووتش مع جعفر، شيعي من المنطقة الشرقية، 18 مارس/آذار 2009، ومع حسن، شيعي من المنطقة الشرقية، 28  فبراير/شباط 2009.

[62] مقابلة هاتفية لـ هيومن رايتس ووتش مع شيخ جواد الحضري، 5 أغسطس/آب 2009.

[63] خالد الزيادي، إطلاق سراح الأحداث المثيرين للشغب في ساحات المسجد النبوي، الرياض، 27 فبراير/شباط 2009، على: http://www.alriyadh.com/2009/02/27/article412697.html (تمت الزيارة في 25 يونيو/حزيران 2009).

[64] الشبان الشيعة المفرج عنهم في المدينة المنورة والقطيف يصلون منازلهم، شبكة راصد الإخبارية، 5 مارس/آذار 2009، على:http://www.rasid.com/print.php?id=27325 (تمت الزيارة في 25 يونيو/حزيران 2009).

[65] مقابلة هاتفية لـ هيومن رايتس ووتش مع هيثم، شيعي من المنطقة الشرقية، 24 يونيو/حزيران 2009، وانظر: “Saudi Denies Shiites Targeted in Sunni Kingdom,” Agence France-Presse, March 14, 2009, reproduced at http://www.google.com/hostednews/afp/article/ALeqM5gbrlMzkIkn8mBw6WD3pBftAUhDlg (تمت الزيارة في 19 أغسطس/آب 2009).

[66] انظر: Allam, “Riyadh Confronts Growing Shia Anger,” Financial Times, http://www.ft.com/cms/s/0/62a879b6-1962-11de-9d34-0000779fd2ac.html?nclick_check=1,  مذكور هنا وجود 18 محتجزاً على ذمة أحداث البقيع. انظر أيضاً: "الشبان الشيعة المفرج عنهم في المدينة المنورة والقطيف يصلون منازلهم، شبكة راصد الإخبارية، 5 مارس/آذار 2009، على:http://www.rasid.com/print.php?id=27325 وردت أسماء 28 محتجزاً شيعياً على ذمة أحداث البقيع، ومنهم 18 من الأحساء، وثمانية من القطيف واثنين من المدينة.

[67] انظر: Caryle Murphy, “With Shiites Rising Across the Region, Saudi Arabia’s Grow Impatient,” Christian Science Monitor, April 27, 2009, http://www.csmonitor.com/2009/0427/p06s04-wome.html (تمت الزيارة في 3 أغسطس/آب 2009).

[68] انظر: Yousuf Muhammad, “Governor Orders Youths Held Over Madinah Fight Released,” Arab News, February 27, 2009, http://www.arabnews.com/?page=1&section=0&article=119699&d=27&m=2&y=2009 (تمت الزيارة في 19 أغسطس/آب 2009).

[69] مقابلات هاتفية لـ هيومن رايتس ووتش مع الشيخ جواد الحضري، 5 أغسطس/آب، ومع هيثم، المنطقة الشرقية، 24 يونيو/حزيران 2009.

[70] مقابلات هاتفية لـ هيومن رايتس ووتش مع الشيخ جواد الحضري، 5 أغسطس/آب، ومع هيثم، المنطقة الشرقية، 24 يونيو/حزيران 2009.