يونيو 26, 2013

IV . الإفلات من العقاب

إن سجلّ لبنان الخاص بالتحقيق مع المسؤولين عن التعذيب وملاحقتهم قضائياً يعد سجلّاً مؤسفاً. رغم التجريم القانوني لاستخدام العنف في انتزاع الاعترافات، فإن القضاء اللبناني قلما يحقق مع المتسببين في التعذيب أو يلاحقهم، هذا إن بدأ في هذه الإجراءات من الأساس. [92]

ولقد تصاعدت الآمال في 6 أغسطس/آب 2008، عندما طلبت وزارة الداخلية من المفتشية العامة التحقيق في ادعاءات بانتهاكات في السجون اللبنانية. حدث ذلك في أعقاب ادعاءات خطيرة بوقائع فساد ومعاملة سيئة للسجناء في سجن رومية. إلا أن الوزارة لم تعلن يوماً عن نتائج التحقيق وليس من الواضح إن كان قد نُسبت اتهامات إلى أحد. [93] طبقاً للمقدم قائد بيه رئيس قسم حقوق الإنسان بقوى الأمن الداخلي، فلا توجد إحصاءات رسمية بعدد الشكاوى المقدمة ضد عناصر الأمن الداخلي أو إحصاءات بالتحقيقات والملاحقات القضائية التي تمخضت عنها. [94]

جزء من المشكلة هو لا مبالاة قضاة التحقيق بهذه المسألة. في قضيتين فحسب من بين ست قضايا فحصناها تقدم فيها المحتجزون بشكاوى بدعوى التعرض لانتهاكات، أمر قاضي التحقيق بالتقصي في هذه الادعاءات. [95] أفادت عدة منظمات مجتمع مدني أن قضاة التحقيق في أغلب الحالات تجاهلوا مزاعم التعذيب واستخدموا الاعترافات المنتزعة بالإكراه أو التعذيب، حتى عندما كانت الدليل الوحيد المعروض في المحاكمة.

آليات تقديم الشكاوى قاصرة

نظرياً من السهل نسبياً تقديم شكوى ضد ضابط في قوى الأمن الداخلي. يمكن تقديم الشكوى شخصياً أو من خلال الهاتف أو بالرجوع إلى مكتب النائب العام، أو من خلال وسيط (الشكاوى من مجهول مقبولة). [96] لكن من حيث الممارسة، تعد آلية الشكاوى غير فعالة وعشوائية الطابع، ومن الصعب على الأفراد متابعة قضاياهم فيها. لا يوجد مكتب مركزي تُعالج من خلاله الشكاوى ولا يوجد نظام يتعقب بموجبه الشاكي مسار الشكوى وإلى أين وصلت. كما أن هذا الافتقار إلى نظام مركزي يصعّب توثيق عدد الشكاوى المقدمة ونتائج كل منها. وبسبب عدم ارتداء الضباط بطاقات بأسمائهم، فمن الصعب غالباً على الأفراد التعرف بشكل صحيح على من أساءوا إليهم.

هناك ستة أشخاص فقط تحدثت إليهم هيومن رايتس ووتش تقدموا فعلياً بشكاوى. عندما سألنا الآخرين لماذا لم يتقدموا بشكاوى، كان الرد أنهم خضعوا بشكل مباشر للتهديد من قبل الشرطة، أو أنهم لا يثقون في النظام، أو لأنهم لا يعرفون كيف، أو لا يريدون المخاطرة بانكشاف أمرهم أو بالتعرض للتنكيل، أو لأنهم ببساطة خائفون.

هناك اثنان لا أكثر من المشتكين الستة الذين تحدثنا إليهم قالا إنه قد تم اتخاذ إجراءات ضد ضباط الشرطة الذين أساءوا إليهما، وتعرض الضابط في واحدة من الحالتين لخفض الرتبة (الحالة المعروضة أعلاه الخاصة بضرب الشرطة الذي أسفر عن إصابات مستديمة للمحتجز وفاتورة علاج بقيمة 5000 دولار قال المحتجز إنه سددها بنفسه). [97]

في حالتين من الحالات الأربع الباقية، قال من أجرينا معهم المقابلات إن المحامي لم يتابع الشكوى ولم يتم التوصل إلى قرار فيها. في الحالتين الأخيرتين، قال من أجرينا معهم المقابلات إن الشرطة أخبرتهم بعدم وجود ما يكفي من أدلة للتوصل لوقوع الانتهاكات فعلياً.

أما رشا مومنة، باحثة هيومن رايتس ووتش التي هددتها الشرطة بإجراء فحص عذرية قسري، فقد تقدمت فوراً بشكوى ضد الضابط إلى كل من وزير الداخلية وإلى المدير العام لقوى الأمن الداخلي، وطُلب منها تقديم شهادتها مرتين. كانت العملية بوزارة الداخلية تتسم بالاحترام والرعاية، بينما كان ينقص العملية في مخفر المصيطبة الكثير. بدلاً من التقييم الموضوعي للموقف وأخذ شهادة الباحثة، حاول ضابط التحقيق تقديم تبريرات لسلوك الضابط العدواني، واقترح بوضوح أنه من الطبيعي أنه كان يظن مومنة عاملة بمجال الجنس بما أنها كانت تزور شخصاً متهماً بالمثلية أو لأنه كان يوجد على جسدها وشم ظاهر للعيان. قال ضابط التحقيق إنه بعد أن افترض فيها أنها تعمل بمجال الجنس، أصبح من الطبيعي أن يعاملها ذلك الضابط بذلك الشكل. ولقد تمادى الضابط الذي تولى كتابة شهادة الباحثة إلى درجة قوله إنه كان ليفعل نفس الشيء لو كان في محل ذلك الضابط، وراح يشير بشكل متكرر إلى حياة مومنة الشخصية بشكل حاط بالكرامة ومهين.

تشير هذه المعاملة إلى نقص حاد في المهنية في صفوف قوى الأمن الداخلي والافتقار إلى التدريب اللازم حول كيفية التعامل في الشكاوى والتحقيقات. فيما بعد تم إخبار هيومن رايتس ووتش بأن الضابط المسؤول عن الاعتداء خضع لحكم بالحبس لمدة أربعة أيام.

أما نوال – السيدة التي تعرضت لاعتداء جنسي في مركز شرطة بعبدا – فقد أخبرت ضباط الشرطة في مخفر حبيش بشأن الاعتداء الذي تعرضت له في اليوم التالي. ورغم أنها كانت ما زالت تعاني من حالة صدمة جراء الحادث، فقد أعيدت إلى المكان نفسه، ذلك الذي وقع فيه الاعتداء، وطلب منها ستة رجال شرطة أن تمثل لهم الحادث وأن تتعرف على الرجال الذين قاموا بالاعتداء. ارتعدت نوال وبكت وهي تروي قصتها لـ هيومن رايتس ووتش:

كان الأمر مهيناً. كانوا من الرجال جميعاً، وكنت ما زلت ارتعد من الخوف جراء ما حدث، ثم وضعوني مباشرة قبالة رجال الشرطة الذين هاجموني. أنكروا الأمر ورمقوني بأسوأ النظرات الممكنة. قال لي رجال الشرطة في مخفر حبيش إنهم سيهتمون بالمسألة لكن لا أعرف إلى الآن إن كانوا قد فعلوا أي شيء. لم أخبر قاضي التحقيق فقد افترضت أن إخبار رجال الشرطة في حبيش يكفي. لم يوضحوا لي الإجراء المتبع لتقديم الشكوى أو كيف اشتكي. كل ما كنت أرغب فيه هو تجاوز ما حدث بسرعة. [98]

قصور آليات الإشراف والمتابعة اللازمة

من أهم مواد البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، أنه مطلوب من لبنان إنشاء "آلية وقائية وطنية" للمساعدة في الوقاية من التعذيب من خلال نظام إشراف ومتابعة يشتمل على زيارات دورية إلى مراكز الاحتجاز، يجريها خبراء مستقلون. إلا أن سجل لبنان إلى الآن يثير التساؤلات الجدية حول أن مصير تنفيذ تلك المادة بالبروتوكول الاختياري سيكون نفس مصير تنفيذ لبنان لاتفاقية مناهضة التعذيب ذاتها. ما زال لبنان لم يلتزم بأحكام الاتفاقية، بما في ذلك المطلب الخاص بتقديم الدولة لتقرير يعرض الخطوات التفصيلية التي اتخذتها لتنفيذ الاتفاقية، أمام لجنة مناهضة التعذيب، وهي الهيئة الدولية المنوطة بالإشراف على تنفيذ الاتفاقية. لقد تأخر هذا التقرير 11 عاماً. وهناك سبب إضافي للقلق، يتمثل في تصديق لبنان على اتفاقية مناهضة التعذيب مصحوباً بتحفظات على المادة 22، التي تسمح بتقديم شكاوى من الأفراد إلى لجنة مناهضة التعذيب في حال ثبات عدم فعالية آليات الإنصاف والتعويض الداخلية.

بموجب البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، مطلوب من الدول الأطراف إنشاء آلية وقائية وطنية للمراقبة ولإجراء زيارات منتظمة إلى أماكن الحجز وللخروج بتوصيات ترفعها إلى السلطات من أجل تحسين معاملة المحتجزين وظروف احتجازهم. في نوفمبر/تشرين الثاني 2011 قام نائبان برلمانيان برفع مسودة مشروع قرار بإنشاء الآلية، وكانت نتاج عامين من المشاورات بين النواب ومنظمات مجتمع مدني لبنانية ودولية، ومكتب المفوض السامي للأمم المتحدة. ينص مشروع القانون على إنشاء مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان من مكوناتها لجنة دائمة للوقاية من التعذيب، وهي مكلفة بتنفيذ واجبات الآلية الوقائية الوطنية. بدأت لجنة حقوق الإنسان بالبرلمان اللبناني في فحص مشروع القانون في يناير/كانون الثاني 2012 بعد عامين من الموعد النهائي لإنشاء الآلية، وحتى كتابة هذه السطور كان البرلمان لم يمرر هذا القانون بعد.

لقد اتخذ لبنان منذ عام 2007 بعض الخطوات نحو مناوئة التعذيب. في فبراير/شباط 2007 منح اللجنة الدولية للصليب الأحمر حق دخول جميع منشآت الاحتجاز اللبنانية، بما في ذلك تلك المنشآت التي تديرها وزارة الدفاع. وقامت اللجنة الفرعية للوقاية من التعذيب – بموجب مقتضيات البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب – بزيارة لبنان في الفترة من 24 مايو/أيار إلى 2 يونيو/حزيران 2010، وعرضت ملاحظاتها المبدئية السرية على السلطات اللبنانية. بعد ذلك شكّلت المفتشية العامة لقوى الأمن الداخلي قسماً لحقوق الإنسان بموجب قرار 755 الصادر في 3 يناير/كانون الثاني 2008، مكلف بنشر المعارف المتعلقة بحقوق الإنسان وتحسين الوعي بحقوق الإنسان في أوساط ضباط قوى الأمن الداخلي. [99] وقامت قوى الأمن الداخلي في فبراير/شباط 2011 بتشكيل لجنة للمراقبة ضد استخدام التعذيب وغيرها من الممارسات اللاإنسانية في السجون ومراكز الاحتجاز، ويشترك في إدارتها كل من قوى الأمن الداخلي وجمعية عدل ورحمة، وهي جمعية لبنانية تُعنى بحقوق السجناء. وفي يناير/كانون الثاني 2012 دشنت قوى الأمن الداخلي أيضاً مدونة سلوك رسمية تحدد المعايير المهنية والأخلاقية للسلوك، من أجل ضمان احترام حقوق الإنسان وحماية الحريات العامة بما يتفق مع الدستور اللبناني والتزامات حقوق الإنسان المترتبة عليه.

إلا أن قسم حقوق الإنسان ما زال ينقصه عدد كبير من العاملين، كما لا تتوفر له أية سلطة فعلية. لا يمكن للقسم على سبيل المثال أن يأمر بتحقيقات أو يجريها، في مزاعم التعذيب أو المعاملة السيئة. وإلى الآن لم يعلن القسم عن أي من نتائجه علناً. وإلى الآن أيضاً تعد لجنة المراقبة ضد استخدام التعذيب بلا حول ولا قوة، إذ لم تباشر بعد عملها كهيئة فعالة من أجل منع التعذيب أو محاسبة الجناة.

[92]انظر:

Alef, “Situational Update on the Occurrences and Trend of Torture in Lebanon (2008-2010),” October 2010, http://www.univie.ac.at/bimtor/dateien/lebanon_progress_report_en.pdf  (تمت الزيارة في 4 فبراير/شباط 2013)

ومقابلة هيومن رايتس ووتش مع غادة جبور (كفى)، بيروت – لبنان، 17 أغسطس/آب 2012. ومقابلة هيومن رايتس ووتش مع نزار صاغية، بيروت – لبنان، 21 أغسطس/آب 2012.

[93]الانتخابات النيابية اللبنانية لعام 2009: جدول عمل لحقوق الإنسان. بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 13 مايو/أيار 2009، على: http://www.hrw.org/ar/news/2009/05/12/2009

[94]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المقدم زياد قائد بيه، بيروت – لبنان، 27 يوليو/تموز 2012.

[95]ما زال لم يُفصل في القضيتين بعد.

[96]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المقدم زياد قائد بيه، بيروت – لبنان، 27 يوليو/تموز 2012.

[97]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع محمد، بيروت – لبنان، 3 يونيو/حزيران 2012.

[98]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع نوال، بيروت – لبنان، 15 أغسطس/آب 2012.

[99]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المقدم زياد قائد بيه، بيروت – لبنان، 27 يوليو/تموز 2012.