يونيو 26, 2013

II . خلفية

القوانين اللبنانية الخاصة بالمثلية الجنسية وتعاطي المخدرات والعمل بمجال الجنس

ينصّب تركيز هذا التقرير على انتهاكات الشرط بحق ثلاث من الفئات: متعاطوّ المخدرات، والعاملات بمجال الجنس، والمثليات والمثليين والثنائيات والثنائيين والمتحولين. تُعد هذه الفئات أهدافاً سهلة لانتهاكات الشرطة منذ لحظة اشتباه الشرطة في ارتكاب "مخالفة" من جانبهم، خلال القبض عليهم وأثناء احتجازهم وتحقيق الشرطة في القضية. ليست الشرطة محصنة من اتخاذها لمواقف متحيزة ومن نظرة الوصم الاجتماعي اللصيقة بهذه الفئات. كما هو موصوف في هذا التقرير، فكثيراً ما تقبض الشرطة على أفراد تعسفاً دون أدلة على ما تصفه الشرطة بنفسها "سلوك مريب". يمكن للشرطة حتى أن تقبض على الأفراد على أساس مظاهر معينة تُعزى لأعضاء هذه المجموعات، على سبيل المثال لأن شخص ما "يبدو مثلياً" أو "يبدو مريباً" في أعين رجال الشرطة.

إن عاملات الجنس ومتعاطي المخدرات والمثليات والمثليين والثنائيات والثنائيين والمتحولين – وبدرجات متفاوتة – يعتبرون جماعات مهمشة اجتماعياً ومؤسساتياً. هذا المزيج من التهميش والقوانين التي تجرم العمل الجنسي وتعاطي المخدرات والمثلية في قانون العقوبات اللبناني تجعل أعضاء هذه المجموعات يترددون كثيراً قبل تقديم شكاوى بحق أعوان الشرطة، مما يهيئ مناخاً يمكن للشرطة من خلاله الإساءة إليهم مع الإفلات من العقاب.

أحياناً ما يختار الضحايا عدم تقديم شكاوى بسبب التهديدات المباشرة الموجهة إليهم من الشرطة وفي أحيان أخرى بسبب الخوف من الانتقام، إذ أن بإمكان الشرطة أن تعاود القبض عليهم تعسفاً متى شاءت. هناك عامل آخر، يتمثل في الخوف من انكشاف سلوكهم أو عملهم أو هوياتهم كمتعاطي مخدرات أو عاملات بالجنس أو مثليات أو مثليين أو ثنائيات أو ثنائيين أو متحولين. وفي بعض الأحيان يفتقد الأفراد إلى الثقة بقدرة نظام القضاء الجزائي على إحقاق العدالة، وهو جزء من مشكلة ثقة أكبر في المؤسسات الحكومية بلبنان. تتمثل وجهة النظر التي أعرب عنها الكثير من ضحايا انتهاكات الشرطة الذين قابلناهم في أن للشرطة سيطرة كاملة على حياتهم وقد تتصرف مع الإفلات من العقاب بشكل تام وأنهم قليلو الحيلة تماماً لا يمكنهم الدفاع عن أنفسهم في مواجهة الانتهاكات وإساءة المعاملة على يد الشرطة.

لا تبذل الشرطة جهوداً تُذكَر لإخفاء احتقارها للعاملات بمجال الجنس ومتعاطيّ المخدرات وفئة المثليات والمثليين والثنائيات والثنائيين والمتحولين. يقول الضحايا إن العنف البدني الذي تلجأ إليه الشرطة مسألة شائعة وكثيراً ما يُستخدم كشكل من أشكال العقاب والتأديب وتقويم السلوك. أما الإساءات اللفظية والحاطة بالكرامة والمهينة فيبدو أنها منتشرة لدرجة أن الضحايا يميلون للمرور عليها مرور الكرام أثناء عرضهم لتجاربهم، ويرونها سلوكاً غير جدير بالذكر من الأساس. بالنسبة لأعضاء هذه الفئات المستضعفة المهمشة اجتماعياً، فإن الشرطة ليست مجرد هيئة لإنفاذ القانون، بل إنها تتصرف أيضاً كقاض ومحلفين من عدة أوجه. كما نصف أدناه، ييسر القانون اللبناني وقوع هذه الانتهاكات.

المثلية الجنسية

ورد في المادة 534 من قانون العقوبات اللبناني أن "كل مجامعة على خلاف الطبيعة يعاقب عليها بالحبس حتى سنة واحدة". ليست المثلية مجرمة بشكل صريح في القانون بل ببساطة يُفترض في العادة أنها "على خلاف الطبيعة". لا تُعرّف هذه المادة ما يعتبر "طبيعياً" وتترك هامشاً كبيراً للتأويل للقضاة، الذين يستخدمون ما بوسعهم من صلاحية تأويل للمادة في الملاحقة القضائية للمشتبهين بالمثلية.

هناك حالة تلقت اهتماماً كبيراً من الإعلام تُظهر مدى إمكانية تأويل القانون بدوره على خلاف الظاهر. في فبراير/شباط 2007 ألقت دورية للشرطة القبض على رجلين يجلسان في سيارة متوقفة في بترون، وهي مدينة تقع شمالي لبنان. اشتبهت الشرطة في انخراط الرجلين في الجنس المثلي. أمر رئيس هيئة القضاة، منير سليمان، بوقف التحقيق الجنائي في سلوك الرجلين على أساس أن الأدلة ضعيفة، والأهم، بناء على تأويله لمفهوم "على خلاف الطبيعة". لاحظ القاضي أن ما يعتبر غير طبيعي متصل بشدة بـ "مزاج المجتمع وعاداته" وشدد على استعداد المجتمع لقبول "معايير الطبيعة" الجديدة أو الناشئة. [3] وأضاف:

إن الإنسان جزء من الطبيعة وأحد عناصرها وأحد خلاياها ولا يمكن لأحد القول بأن أي تصرف من تصرفاته أو أي سلوك من سلوكياته يناقض الطبيعة حتى لو كان السلوك إجرامياً أو مسيئاً ببساطة لأن هذه هي قواعد الطبيعة. إذا كانت السماء تمطر صيفاً أو إن كان الطقس حاراً شتاءً أو إذا أثمرت شجرة فاكهة غير معتادة، فإن هذه الأشياء تُعد متوافقة ومنسجمة مع الطبيعة وهي جزء من هذه قواعد الطبيعة عينها. [4]

رغم أن المادة 534 من قانون العقوبات من حيث منطوقها تُطبق فقط على المجامعة، بغض النظر عن مدى ضعف التعريف، فإن الشرطة تذرعت بهذه المادة لدى القبض على الأفراد فقط بسبب مظهرهم أو سلوكهم بلا أي دليل على وقوع عمل جنسي، وهو ما يعكس التنميط والافتراضات المتحيزة إزاء التوجه الجنسي.

أعد محامي حقوق الإنسان نزار صاغية دراسة لصالح جمعية حلم اللبنانية المعنية بحقوق المثليات والمثليين والثنائيات والثنائيين والمتحولين وفي دراسته يبحث كيف تُستخدم المادة 534 في المحاكم اللبنانية في الملاحقة القضائية للرجال المشتبهين بالمثلية. في تقريره يلقي الضوء على حالة من عام 2009 أبلغت فيها سيدة الشرطة عن ابنها للاشتباه في أنه "مثلي" لأنه "يتصرف كالنساء". [5] كان هذا كافياً لأن تأمر النيابة العامة بالقبض على الشاب واستجوابه وإجباره على الخضوع لفحص شرجي. ليس للفحص الشرجي جدوى علمية أو طبية. في هذه الحالة قرر مسؤول الفحص الطبي الذي عينته الدولة أنه لا توجد أدلة قطعية تثبت بوقوع جنس مثلي. طبقاً لصاغية، فإن الشاب أتُهم على كل حال بناء على افتراضات النيابة حول سلوك وتصرفات الشاب. في نهاية المطاف أسقط القاضي الاتهامات نظراً لنقص الأدلة. يستخدم صاغية هذه الحالة لإظهار الخطر اللصيق بتصرف الشرطة والنيابة بناء على تحيزات مسبقة ضد سلوكيات ومظاهر وأساليب حياة بعينها. [6]

كما تستكشف دراسة صاغية كيف أن إجراءات الاحتجاز التي استخدمتها الشرطة ضد المشتبهين بالمثلية تخرق أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني وتعاقب الرجال المشتبهين بالمثلية بشكل استباقي من خلال مدد الاحتجاز على ذمة التحقيق المطولة. [7] راجع صاغية أكثر من 50 قضية بالمحكمة وانتهى إلى أن المشتبهين بالعلاقات الجنسية "على خلاف الطبيعة" يُحتجزون عادة دون اتهام لمدد مطولة بشكل لا ضرورة له، وتتجاوز مدة الـ 48 ساعة المنصوص عليها في المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، حتى في القضايا التي تكون الأدلة بها ضعيفة للغاية.

تم استخدام المادة 534 أحياناً كإجراء للتقويم على يد الآباء غير الراضين عن توجهات أبنائهم الجنسية، مما يُظهر التفاعل الخبيث الذي قد يسفر عنه اقتران الوصم الاجتماعي بالقوانين التمييزية. قال وليد البالغ من العمر 24 عاماً لـ هيومن رايتس ووتش إن أمه قالت للشرطة أن تقبض عليه وتحتجزه ليلة في مخفر الشرطة من أجل "إخافته" من أن يكون مثلياً، وهو الطلب الذي قال إن الشرطة نفذته. [8]

العمل بمجال الجنس

يخضع العمل بمجال الجنس لدرجة عالية من التنظيم في لبنان. القانون الناظم للعمل بمجال الجنس الذي يعود تاريخه إلى عام 1931 ينص على ضرورة حصول العاملات بمجال الجنس على تصاريح وأن يخضعن لفحوصات طبية، وألا يكنّ أبكاراً، وأن يكنّ فوق 21 عاماً. كما تنص المادة 7 من قانون 1931 على ألا يُمارس الجنس إلا داخل بيوت الدعارة. تعاقب المادة 523 من قانون العقوبات "من تعاطى الدعارة السرية أو سهلها" بالحبس من شهر إلى عام، ويتم تطبيق القانون بشكل شديد الصرامة. لا يتصدى القانون للرجال العاملين بمجال الجنس.

منذ أواخر الستينيات كفت الحكومة عن إصدار التصاريح ببيوت الدعارة الجديدة. يعني هذا أن من حيث الممارسة لا يكون العمل بمجال الجنس إلا غير مرخص وغير قانوني. وقد ظهرت منشآت الـ"سوبر نايت كلوب" لتجاوز هذه المعوقات. هذه الأماكن التي تقع في منتصف الطريق بين بيوت الدعارة وأندية التعري توفر المجال للزبائن وعاملات الجنس للقاء، لكن الجنس يحدث بعيداً عن المكان، ومن ثم فهي لا تحتاج لتراخيص بيوت الدعارة. تمثل هذه الأماكن قوام صناعة الجنس المنتظمة التي توظف حالياً ما يُقدر بـ 2500 سيدة، هن بالأساس من شرق أوروبا. تدخل السيدات البلاد وتقيم فيها بموجب تأشيرات "فنية" مدتها ستة أشهر. تقوم مديرية الأمن العام بتنظيم ومراقبة صناعة الـ "سوبر نايت كلوب" على أساس أوامر إدارية. تعد المديرية على علم بأن السيدات الموظفات في هذه الأماكن يعملن بالجنس، والدليل على ذلك المطلب بأن تخضع السيدات لاختبارات الإيدز/نقص المناعة المكتسبة واختبارات الأمراض التي تنتقل جنسياً. طبقاً لمقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالإتجار في البشر، فإن مديرية الأمن العام تصدر "نحو 5000 تأشيرة فنية كل عام، مما يعني أنه في أي وقت يوجد نحو 2500 "فنانة" في لبنان"، بما أن هذه التأشيرات سارية لمدة ستة أشهر. [9] وتضيف المقررة الخاصة في التقرير أن:

في محاولة لحماية صناعة الجنس المنظمة من ازدراء الرأي العام، تحاول مديرية الأمن العام أيضاً تقليص مدى ظهور السيدات والحد من تعاملاتهن مع الجمهور العريض. يبدو أن القاعدة الخاصة بالحد من إقامة السيدات بمدة ستة أشهر مخصصة بالأساس لهذا الغرض. كما أنه لا يُسمح للسيدات بالإقامة إلا في الفنادق المصرح بها من المديرية العامة وعليهن مغادرة الفندق بين الساعة 5 صباحاً و1 مساءً. إذا تعرضن للمرض، لا يحق لهن التغيب عن العمل إلا بعد تشخيص طبيب مفوض من المديرية بأنهن غير قادرات على العمل. تفيد هذه القواعد الأشخاص الذين يشغلون السيدات ويعتمدون على هذه الاستراتيجيات في فرض العزلة والإخضاع على ضحاياهم. [10]

على النقيض من أكثرية النساء من أوروبا الشرقية في منشآت الـ "سوبر نايت كلوب"، فإن العاملات بالقطاع غير المسجل بصناعة الجنس هن في العادة لبنانيات فقيرات وسيدات مهاجرات من دول عربية مثل سوريا والعراق وكذلك من دول آسيوية وأفريقية. يؤدي مزيج الفقر وطبيعة عملهن غير القانونية ووضعهن الخطر كمهاجرات إلى جعلهن مستضعفات بشكل استثنائي أمام انتهاكات الشرطة.

تعاطي المخدرات

يُعاقب على تعاطي أو حيازة المخدرات بالحبس حتى ستة أشهر وغرامة بقيمة مائة ألف ليرة لبنانية (نحو 66 دولاراً). لا يميز القانون بين أنواع المخدرات المستخدمة. [11] إضافة إلى ذلك فإن الأشخاص المُدانين ببيع المخدرات غير القانونية أو من يسهلون تعاطي المخدرات للغير بأي شكل، يعاقبون بأحكام بالحبس بين ستة أشهر وثلاث سنوات وغرامة مائة إلى خمسمائة ألف ليرة (66 إلى 332 دولاراً). [12] طبقاً لإحصاءات مكتب مكافحة المخدرات، حسبما أفاد مركز سكون اللبناني لعلاج الإدمان، فإن 2228 متعاطي مخدرات قد اعتقلوا في عام 2009 ونحو النصف منهم تقريباً تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً. [13]

يُعد "تسهيل" تعاطي المخدرات مفهوم رديء التعريف وقد يشمل ما لا يزيد عن تعاطي المخدرات في رفقة آخرين. إن "التسهيل" يزيد كثيراً من العقوبة بحق العديد من متعاطي المخدرات. قال 17 متعاطياً للمخدرات لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة كثيراً ما حاولت دفعهم للاعتراف بالتسهيل بعد أن تم القبض عليهم بتهمة تعاطي أو حيازة المخدرات لمجرد أنهم تعاطوا المخدرات برفقة أصدقائهم الذين انضموا إليهم.

ينص قانون المخدرات اللبناني الصادر عام 1997 على أن لمتعاطيّ المخدرات الاختيار بين العلاج والحبس. يشتمل القانون على عدد من المواد التي تتعامل مع تعاطي المخدرات كقضية صحة عامة، لكن هناك مواد أخرى لا تتعامل معه من هذا المنطلق. والمواد التي تتخذ زاوية الصحة العامة لم تُنفذ بالكامل. طبقاً لدراسة "سكون" فإن 40 في المائة من القضاة الذين تمت مقابلتهم أثناء إجراء الدراسة أشاروا إلى أنهم لم يصدروا قط أحكاماً أولية أو نهائية تطالب بإلزام الشخص بالعلاج كبديل للحبس، وأشار 4 في المائة فحسب إلى أنهم يفعلون هذا بشكل دائم. [14]

تتيح المادة 183 من قانون المخدرات لمتعاطيّ المخدرات خيار عرض الأفراد أنفسهم على لجنة إدمان المخدرات التي تديرها الدولة، وهي هيئة مكلفة بإحالة متعاطيّ المخدرات إلى مراكز العلاج الحكومية وتتحمل مسؤولية المتابعة بشأن التقدم المُحرز على مسار العلاج. تتكون لجنة إدمان المخدرات من قاضي وممثل عن وزارة الشؤون الاجتماعية وطبيب من وزارة الصحة العامة وممثل عن مكتب مكافحة المخدرات وأفراد آخرين توصي بهم الهيئات المعنية. [15] إضافة إلى ذلك، فإن المادة 200 تنص على أن على وزارة الصحة العامة إنشاء مركز علاج متخصص واحد على الأقل.

كما تطالب المادة 200 وزارة الشؤون الاجتماعية بدفع حافز شهري لمن يعولهم متعاطيّ المخدرات إن أعاق علاجهم قدرتهم على كفالة أسرهم.

ينص القانون على أن يكون العلاج كاملاً بتمويل من الدولة. إذا كف متعاطي المخدرات عن العلاج لأي سبب، تخطر اللجنة النيابة لكي تعيد محاكمته. لكن إذا تعافى المتعاطي، تصدر اللجنة شهادة تؤدي إلى إسقاط الاتهامات.

ومن حيث الممارسة لم تعمل اللجنة وتزاول نشاطها كما أن ليس لديها ميزانية للعمل. فضلاً عن ذلك، فلا توجد مراكز علاج إدمان على صلة باللجنة، مما يترك الملاحقة القضائية خياراً وحيداً لا بديل له. وعلى الرغم من هذا، يتصرف بعض القضاة بمبادرة شخصية منهم ويحيلون متعاطيّ المخدرات إلى منظمات مجتمع مدني متخصصة في علاج الإدمان. طبقاً لنادية مكداشي المديرة التنفيذية لمنظمة سكون الناشطة بمجال علاج الإدمان، فإن هذه الإحالات  تعد محاولة تستحق الترحيب، من القضاة يريدون بها مراعاة القانون، لكنها لا تتم في إطار نظام إحالة مهيكل  ولا هي قابلة للاستدامة إذ لا يوجد بروتوكول اتصال بين المحاكم ومنظمات المجتمع المدني.

هناك أقل من 10 مراكز تأهيل ضمن منظمات المجتمع المدني في لبنان وتتركز في بيروت وجبل لبنان. [16] ينال أغلب متعاطيّ المخدرات أحكاماً بالحبس، تتراوح عادة بين ثلاثة إلى ستة أشهر. [17] ومن حيث الممارسة، فإن حتى في حال تعافي المتعاطي، فليس مضموناً إسقاط الملاحقة القضائية عنه.

إن ضعف الإطار القانوني وعدم توفر آليات تنفيذ ملائمة للقانون تفسح المجال أمام الشرطة لأن تستغل هامش واسع من تعريض متعاطيّ المخدرات لمختلف أشكال الانتهاكات. على سبيل المثال وحسب إحصاءات وفرها مكتب المخدرات بقوى الأمن الداخلي لسكون، فإن نحو ثلث متعاطيّ المخدرات يتم القبض عليهم من خلال اعترافات متعاطين آخرين مقبوض عليهم، ويظهر من بحوثنا أن هذه الاعترافات تُنتزع عادة بالإكراه. [18]

تكون السجلات الجنائية للأفراد المدانين بتعاطي المخدرات عادة عائقاً يحول دون الالتحاق بوظائف بعد الإفراج عنهم. تم القبض على إبراهيم تسع مرات بين 1989 و2007 ودخل العلاج وأصبح غير مدمن على المخدرات منذ ذلك الحين. إبراهيم لا يمكنه العمل منذ خمس سنوات، إذ يرفض اصحاب العمل توظيفه بسبب سجله الجنائي. قال إبراهيم لـ هيومن رايتس ووتش إنه يمكنه دفع رشوة 600 دولار لمسح سجله، لكن ليس لديه هذا المبلغ. قال: "أنا محاصر في دائرة مفرغة. سوف أبقى مُعاقباً ما حييت لأنني كنت أتعاطى المخدرات في الماضي". [19]

قوات الأمن اللبنانية

تعد قوى الأمن الداخلي القوة الشرطية اللبنانية الأساسية، وهي مشكلة من فروع إدارية وأخرى عملياتية. تخضع قوى الأمن الداخلي لاختصاص وزارة الداخلية. فرع الأمن الداخلي المشارك في حالات الانتهاكات والتعذيب الموثقة في هذا التقرير هو الشرطة القضائية، لا سيما مكتب مكافحة المخدرات.

الشرطة القضائية هي الهيئة الأساسية المسؤولة عن توقيف واحتجاز الأفراد المشتبه بهم وعن التحقيق في الجرائم. نظرياً تعمل الشرطة القضائية تحت إشراف مكتب النائب العام وقاضي التحقيق والمحاكم. لكن الواقع مختلف. كما يُظهر هذا التقرير وكما تُظهر دراسات أخرى، فإن المحتجزين عادة ما يخضعون لإرادة وتفضيلات ضباط الشرطة القضائية، ولا يواجه هؤلاء إشراف أو محاسبة تُذكر. [20]

يُعد مكتب مكافحة المخدرات فرعاً من الشرطة القضائية وهو مسؤول عن التحقيق في الجرائم المتعلقة بالمخدرات. يظهر من بحوثنا أن مكتب مكافحة المخدرات يستخدم التعذيب في انتزاع الاعترافات وفي إجبار المحتجزين على ذكر أسماء متعاطين آخرين أو موزعين للمخدرات، أو حتى كشكل من أشكال العقاب. لدى مكتب مكافحة المخدرات أربعة مراكز للاحتجاز والاستجواب. المركز الأساسي يقع في بيروت (مخفر حبيش، الذي يستضيف أيضاً مكتب حماية الآداب)، وهناك مركز آخر في جنوب لبنان بمدينة صيدا، والثالث في سهل البقاع بمدينة زحلة والرابع في مدينة طرابلس شماليّ لبنان.

تم توضيح الإجراءات القانونية الحاكمة للقبض على المشتبه بهم في قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني. على النائب العام أن يأمر بالتوقيف، الذي تنفذه الشرطة القضائية. لابد من مثول المشتبه به أمام قاض تحقيق لكي يُنسب إليه الاتهام خلال 48 ساعة من القبض عليه، على أن تجدد هذه المدة مرة واحدة بأمر من النيابة. يقرر قاضي التحقيق إن كان يجب الإفراج عن المشتبه به أو احتجازه طيلة مدة التحقيق أو المحاكمة، وهو القرار الذي يمكن أن يطعن عليه المشتبه به. يمكن بهذه الطريقة حبس المشتبه به في مخالفة صغيرة لمدة شهرين، وتُجدد مرة واحدة. أما المتهم بجريمة كبيرة فيمكن احتجازه بهذه الطريقة ستة أشهر وتُجدد أيضاً مرة واحدة. لكن جميع المشتبه بهم المحكوم عليهم بالسجن لمدة عام أو أكثر يمكن احتجازهم لمدة غير محددة.

تعانى قوى الأمن الداخلي من نقص المهنية. يتلقى كوادر الشرطة تدريباً أساسياً عسكرياً إضافة إلى معلومات نظرية محدودة دون تدريب عملي على أساليب التحقيق والاستجواب. هذا لا يكفي مقارنة بالاحتياجات الحقيقية. لم يحدث إلا مؤخراً عملية تطوير لاستمارات التبليغ الموحدة اللازمة لإجراءات التحقيق، في إطار مشروع من تمويل الاتحاد الأوروبي ولم يطبق هذا المشروع على نطاق واسع بعد. طبقاً لمسؤول من وفد الاتحاد الأوروبي في بيروت، الذي يعمل مع قوى الأمن الداخلي منذ عام 2007، فإن هناك حاجة حقيقية إلى إجراءات موحدة من هذا النوع لأن أغلب الأدلة المقدمة من قبل الأمن الداخلي تُرفض في القضاء لأن الإجراءات ضعيفة أو توجد ثغرات في التحقيقات. [21] كما أن تقارير الشرطة غير الموحدة القالب تصعّب على القاضي استكشاف النتائج والمعلومات في التحقيقات الكبيرة. رغم البرامج القائمة بتمويل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والخاصة بتدريب الأمن الداخلي على تقنيات التحقيق والاستجواب السليمة والعلمية، فإن الثقافة والممارسات السادة في أوساط الأمن الداخلي والادعاء ما زالت تركز على الاستجواب والضغط من أجل الحصول على اعتراف من المشتبه به، لا إثبات ذنب المتهم بناء على أدلة موضوعية وعلمية.

التعذيب في القانون اللبناني

صدق لبنان على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب العاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في عام 2000، وعلى البروتوكول الاختياري الخاص بالاتفاقية في عام 2008. لكن تعريف التعذيب في قانون العقوبات اللبناني قاصر عن المعايير الدولية التي وضعتها الاتفاقية. وبناء عليه فإن الفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل للبنان أمام مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة أوصى في يناير/كانون الثاني 2011 بشكل واضح أن على لبنان إجراء عدة مراجعات لتعريف التعذيب وعلى لبنان تجريم جميع أشكال التعذيب والمعاملة السيئة. [22]

يعامل قانون العقوبات اللبناني التعذيب كجريمة صغرى ويحدد تعريفاً تقييدياً للغاية لاعتبار وقوع هذه الجريمة. تنص المادة 401 من قانون العقوبات على:

من سام شخصاً ضروباً من الشدة لا يجيزها القانون رغبة منه في الحصول على إقرار عن جريمة أو على معلومات بشأنها عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات. وإذا أفضت أعمال العنف عليه إلى مرض أو جراح كان أدنى العقاب الحبس سنة. [23]

عبارة "ضروباً من الشدة لا يجيزها القانون" تحد بشكل غير ملائم مما يمكن أن يعتبر تعذيباً بموجب القانون. كما أنه وطبقاً للمادة 401 فإن العنف لا يرقى إلى التعذيب إلا عندما يستخدم لانتزاع اعترافات، مع استبعاد التعذيب المستخدم كعقاب أو ترهيب أو إكراه أو كشكل من أشكال التمييز. وأقصى عقوبة سجن التي تبلغ ثلاث سنوات تتعامل مع هذه الجريمة بصفتها جريمة صغرى، تستحق عقوبة خفيفة نسبياً.

إن مثالب التعريف اللبناني واضحة عندما نطلع على هذا التعريف إلى جوار التعريف الشامل الوارد في اتفاقية مناهضة التعذيب الصادرة عن الأمم المتحدة:

أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث - أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية. ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها. [24]

بينما هناك مادة أخرى في القانون اللبناني تبطل كل أقوال منتزعة تحت الإكراه، فإن هذه المادة كثيراً ما تُخرق من حيث الممارسة، كما نعرض تفصيلاً في التقرير. [25]

وثقنا في التقرير 19 حالة يظهر منها أدلة على استخدام الشرطة للتعذيب وكذلك للمعاملة القاسية والمهينة في عقاب المشتبه بهم على أعمال "غير أخلاقية" مثل تعاطي المخدرات أو مخالفات جنسية عدة. قال عدة أشخاص لـ هيومن رايتس ووتش إن ضباط الشرطة الذين ضربوهم قالوا لهم إنهم يريدون "تلقيننا درساً". التعريف اللبناني للتعذيب ضيق لدرجة لا يمكن معها تطبيقه في هذه الحالات.

عندما تقدمت باحثة هيومن رايتس ووتش بشكوى ضد أحد ضباط قوى الأمن الداخلي على التعرض لها بالمضايقات والترهيب اللذين تعرضت لهما الباحثة على يد الأمن الداخلي، قال لها رئيس مخفر شرطة المصيطبة إنه "من الطبيعي لرجل الشرطة أن يعنّف المحتجز... هذا جزء من عملنا. أنتم أيها المهتمون بحقوق الإنسان تضخمون كل شيء وتهولون منه". تعد هذه التصريحات والرؤية استهزاء بمدونة سلوك قوى الأمن الداخلي التي تنص صراحة على أفراد الشرطة لا يمارسون ولا يحرضون على ولا يتجاهلون أي من أعمال التعذيب أو غيرها من         ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة أثناء التحقيقات وأثناء تنفيذهم لمهامهم. [26]

[3] انظر اللجنة الدولية للمحلفين:

International Commission of Jurists (ICJ), Sexual Orientation, Gender Identity, and Justice: A Comparative Law Casebook (Geneva: ICJ, 2011) ص 43.

[4]السابق.

[5] انظر جمعية حلم:

Helem, “Homosexual Relations in the Penal Codes: General Study Regarding the Laws in the Arab Countries with a Report on Lebanon and Tunisia”, 2010, http://www.helem.net/node/188 (تمت الزيارة في 4 فبراير/شباط 2013)

[6]السابق.

[7]السابق.

[8]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع وليد، بيروت – لبنان، 14 مايو/أيار 2010.

[9]لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان:

UN Commission on Human Rights, Report of the Special Rapporteur on the human rights aspects of the victims of trafficking in persons, especially women and children, Sigma Huda, Mission to Lebanon, E/CN.4/2006/62/Add.3, February 20, 2006.

[10]السابق.

[11]قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم 673 الصادر بتاريخ 16 مارس/آذار 1997.

[12]السابق.

[13]انظر:

Skoun, “Situational Needs Assessment 2009”, September 2011, http://www.opensocietyfoundations.org/sites/default/files/skoun-situational-needs-assessment-summary-20111114.pdf (تمت الزيارة في 4 فبراير/شباط 2013)

[14]السابق.

[15]السابق.

[16]السابق.

[17]السابق.

[18] سكون "تقييم الاحتياجات 2009"، سبتمبر/ايلول 2011: http://www.opensocietyfoundations.org/sites/default/files/skoun-situational-needs-assessment-summary-20111114.pdf ص 33 (تمت الزيارة في 4 فبراير/شباط 2013).

[19]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع إبراهيم زحلة، لبنان، 14 مايو/أيار 2012.

[20]انظر منظمة العفو الدولية:

Amnesty International, “Torture and ill-treatment of women in pre-trial detention: a culture of acquiescence,” AI Index: MDE 18/009/2001, August 2001, http://www.amnesty.org/en/library/info/MDE18/009/2001 (تمت الزيارة في 4 فبراير/شباط 2013)

[21]مقابلة هيومن رايتس ووتش مع دوشيو بانديني، بيروت – لبنان، 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2012.

[22]مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة "تقرير الفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل: لبنان"، A/HRC/16/18

[23]قانون العقوبات اللبناني، مادة 401.

[24]اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (اتفاقية مناهضة التعذيب) أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر/كانون الأول 1984 قرار رقم: 39/46, annex, 39 U.N. GAOR Supp. (No. 51) at 197, U.N. Doc. A/39/51 (1984),  دخلت حيز النفاذ في 26 يونيو/حزيران 1987. مادة 1.

[25]هي تحديداً المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، وتنص على "إن إمتنعوا [المشتبه بهم] أو إلتزموا الصمت فيشار إلى ذلك في المحضر ولا يحق لهم إكراههم على الكلام أو إستجوابهم تحت طائلة بطلان إفاداتهم" بينما تنص المادة 77 على أن: "على قاضي التحقيق أن يراعي مبدأ حرية إرادة المدعى عليه أثناء إستجوابه وأن يتأكد من أنه يدلي بإفادته بعيداً عن          كل تأثير خارجي عليه سواء أكان معنوياً أم مادياً. إذا رفض المدعى عليه الإجابة والتزم الصمت فلا يحق لقاضي التحقيق أن يكرهه على الكلام".

[26]مدونة قواعد سلوك عناصر قوى الأمن الداخلي، مادة 5.