يونيو 21, 2013

الدستور المغربي لعام 2011

يحتوي دستور سنة 2011 على عدة إشارات إلى حقوق الإنسان وإصلاح القضاء واستقلاليته. إلا أن الصياغة كانت في العديد من الحالات مشروطة بتبني قوانين مستقبلية لتطبيق المبادئ الدستورية. ورغم ذلك، فإن إدراج هذه الصياغة، التي كان يفتقر لها الدستور السابق، أمر ايجابي لأنها ترسخ هذه الحقوق في أعلى وثيقة قانونية في البلاد.

وبعد مرور قرابة السنتين على تبني الدستور، لم يتبن المغرب إلى الآن أية قوانين لتطبيق المبادئ الدستورية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان أو استقلالية القضاء. وفي خطابه أمام الجلسة الافتتاحية للبرلمان في الموسم الجديد، في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2012، دعا الملك محمد السادس الحكومة والسلطة التشريعية إلى الإسراع في تبني القوانين التي يتطلبها الدستور. وتحدث الملك عن المبادئ المتعلقة بالسلطة القضائية، ودعا إلى اعتماد قوانين خاصة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والقوانين التي تحكم القضاة:

وهنا نود ٬ مجددا ٬ أن ندعوكم إلى الالتزام الدقيق بروح ومنطوق مقتضيات الدستور المتعلقة بالسلطة القضائية٬ كما نحث الهيئة العليا للحوار حول إصلاح المنظومة القضائية ٬ على أن تجعل من استقلاليته الحجر الأساس ضمن توصياتها. [130]

ويؤكد تصدير الدستور على أن القانون الدولي يسمو عن القانون الداخلي، وهو ما لم يكن موجودًا في دستور 1996. ولكن هذا "في نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة". وتس ت طيع السلطات، اعتمادًا على الكيفية التي تتبناها لتأويل هذه الشروط، تقويض سمو قانون حقوق الإنسان الدولي.

إضافة إلى ذلك، فان القانون الدولي الذي له أولوية هو فقط "الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب"، ولذلك فهو لا يشمل المعايير العامة لقانون حقوق الإنسان خارج الاتفاقيات التي انضم إليها المغرب. ويتعارض ذلك مع القبول الأشمل للقانون الدولي المنصوص عليه في دساتير جنوب أفريقيا وكينيا. ينص الدستور الجنوب أفريقي في المادة 232 على أن "القانون العرفي الدولي هو قانون في الجمهورية ما لم يتعارض مع الدستور أو قانون صادر عن البرلمان"، وتنص المادة التالية على أنه "عند تأويل أي نص قانوني، يتعين على كل محكمة تفضيل أي تأويل معقول للنص يتماشى مع القانون الدولي على أي تأويل آخر لا يتماشى مع القانون الدولي".

أما دستور كينيا، فينص في المادة 2.5 على أنه "يتعين أن تكون القواعد العامة للقانون الدولي جزءً من القانون الكيني"، وينص في المادة 21.4 على أنه "على الدولة سن قوانين وتطبيق تشريعات لتحقيق التزاماتها الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية".

ويؤكد الفصل 6 من الدستور المغربي على أن الناس متساوون أمام القانون: "القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. والجميع، أشخاصًا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له".

ويواصل الدستور التأكيد على العديد من الحقوق في ما يتعلق بعلاقة المواطن بالمنظومة القانونية. وتضمن الفصول 23 و120 الحق في "المحاكمة العادلة"، بينما ينص الفصل 120 أيضًا على أن "حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم". وتؤكد الفصول 23 و119 على افتراض البراءة، بينما يمنع الفصل 109 أي تدخل في القضايا المعروضة على المحاكم وينص على أنه "يُعد كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال والتجرد خطأ مهنيا جسيمًا، بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة"، ويتعين على القضاة إصدار أحكامهم فقط بالاعتماد على التطبيق المحايد للقانون.

ويضمن الفصل 118 حق التقاضي لكل شخص "للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون". وينص الفصل 120 على الحق "في حكم يصدر داخل أجل معقول"، بينما ينص الفصل 121 على أن يكون التقاضي مجاني لمن لا يتوفر له موارد كافية "في الحالات المنصوص عليها قانونًا". أما الفصل 122، فيعطي الحق لكل من تضرر من "خطأ قضائي" في الحصول على تعويض، بينما ينص الفصل 123 على أن تكون المحاكمات علنية إلا في الحالات التي يقرر فيها القانون خلاف ذلك.

لم يكن دستور 1996 يحتوي على أي من هذه الحقوق، المذكورة في الفصول 23 و109 و118 و119 و120 و121 و122 من دستور 2011. ولكن هذا لا يعني أن القانون المغربي لم يكن يعترف بهذه الحقوق في السابق. وعلى سبيل المثال، يؤكد قانون المسطرة الجنائية في مادته الأولى على افتراض البراءة. ويُعتبر إعلاء هذه الحقوق إلى درجة المبادئ الدستورية خطوة مرحب بها لتأكيد أهميتها داخل الإطار القانوني.

كما نص الدستور على تغيير تركيبة الهيئة المشرفة على مهنة القضاء بطريقة تقلص، دون أن تلغي تمامًا، تأثير السلطة التنفيذية على ترقية وتعيين وتأديب القضاة. ومازال الملك يرأس المجلس الأعلى للسلطة القضائية (الفصل 115)، الذي حلّ مكان المجلس الأعلى للقضاة، ولكن منصب "الرئيس المنتدب" أصبح الآن يشغله الرئيس الأول لمحكمة النقض عوض وزير العدل والحريات كما كان ينص على ذلك دستور 1996 (الفصل 86أ)، والذي لم يعد موجودًا في المجلس الجديد. كما توجد إضافة أخرى في دستور 2011 تتمثل في أن رئيس مجلس حقوق الإنسان ووسيط الدولة أصبحا عضوين في المجلس الأعلى للسلطة القضائية أيضا. [131]

كما أنشأ الدستور في الفصل 129 محكمة دستورية لها سلطة البت في دستورية القوانين. ويتعين على هذه المؤسسة، التي لم تتأسس بعد، مراجعة القوانين المقترحة والبت في تطابقها مع الدستور (الفصل 132). ولا يمكن إصدار أي قانون قضت المحكمة الدستورية بعدم دستوريته (الفصل 134)، ولا يمكن استئناف أحكام هذه المحكمة (الفصل 134).

وإذا اعترض أحد الأطراف المتنازعة في المحاكم على قانون يتم اعتماده في قضاياهم لدى المحكمة الدستورية لأنه "يمس بالحقوق وبالحريات التي يضمنها الدستور" (الفصل 133). وإذا قبلت المحكمة ذلك، يُعتبر القانون لاغيًا.

وتُعتبر هذه السلطة التي مُنحت للمحكمة الدستورية لمراجعة القوانين الموجودة تقدمًا مقارنة بدستور 1996، الذي أنشأ مجلسًا دستوريًا ولكن سلطته لا تتجاوز التأكد من دستورية القوانين المقترحة (الفصول 58 و81). كما يعطي الدستور الجديد للمواطنين الماثلين أمام المحاكم، لأول مرة، حق الاستئناف لدى هيئة أعلى للنظر في دستورية القوانين التي يتم تطبيقها في قضيتهم.

ومازالت المحكمة الدستورية لم تمارس أي من هذه السلطات لأن البرلمان مازال لم يتبن النصوص القانونية الضرورية لإنشائها.

كما يحظر دستور 2011 في جميع الظروف أعمال التعذيب أو أي معاملة "قاسية أو لا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية" (الفصل 22). وينص الفصل 23 على أن "الاعتقال التعسفي أو السري أو الاختفاء القسري، من أخطر الجرائم، وتعرض مقترفيها لأقسى العقوبات". ولحماية حقوق الأشخاص رهن الاحتجاز، ينص نفس الفصل على أن تقوم السلطات "على الفور" بإخبار كل شخص "بكيفية يفهمها بدواعي اعتقاله وبحقوقه ومن بينها حقه في التزام الصمت". ويجب أن يتمكن "في أقرب وقت ممكن من مساعدة قانونية ومن إمكانية الاتصال بأقربائه، طبقًا للقانون".

لا يذكر دستور 1996 التعذيب أو الاختفاء القسري أو الاعتقال التعسفي أو أي حق من الحقوق المذكورة أعلاه الخاصة بالأشخاص رهن الاحتجاز. بينما يجرم القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية في المغرب التعذيب والاعتقال التعسفي ويمنحان للمحتجزين أغلب الحقوق المذكورة آنفًا، إلا أن إدراجها في شكل مبادئ في دستور 2011 يوحي بإرادة سياسية لإعطائها أولوية في مسار الإصلاح.

وتندرج مسائل التعذيب، والاعتقال التعسفي، والحصول على مساعدة قانونية بشكل سريع، وإعلام الأقارب، وافتراض البراءة، ضمن مسألة الحصول على محاكمة عادلة. ويوجد في القضايا المعروضة في هذا التقرير انتهاك لعديد الحقوق التي صارت مضمنة في الدستور المغربي.

 

[130] نص خطاب الملك باللغة الفرنسية موجود على http://www.oujdacity.net/national-article-68489-fr/texte-integral-du-discours-de-sm-le-roi-devant-les-deux-chambres-du-parlement.html، (تمت الزيارة في 11 ديسمبر/كانون الأول 2012).

[131] تأسس المجلس الوطني لحقوق الإنسان بموجب المرسوم 1ـ11ـ19 الصادر في 1 مارس/آذار 2011، والمذكور في الفصل 161 من دستور 2011، هو مؤسسة "مستقلة" مكلفة بمراقبة وحماية وتعزيز حقوق الإنسان في المغرب. الوسيط، كما يعرفه المرسوم 1ـ11ـ25 الصادر في 17 مارس/آذار 2011، وبالفصل 162 من دستور 2011، هو مؤسسة "مستقلة" أنشأتها الدولة وتهدف إلى الدفاع عن الحقوق وسيادة القانون في إطار العلاقة بين المؤسسات والمواطنين الذين يتعاملون معها. Â