يونيو 21, 2013

“Just Sign Here”

Unfair Trials Based on Confessions to the Police in Morocco

"وقِّع هنا فحسب"

المحاكمات الجائرة بناء على الاعترافات التي دوّنتها الشرطة في المغرب

ملخص
توصيات
إلى الحكومة المغربية
للحكومات والمؤسسات التي تقدم المساعدة للمغرب
منهج التقرير
خلفية
دستور جديد
الممارسات السيئة المستمرة
إدانات تستند إلى حد كبير على اعترافات مثار خلاف
الصديق كبوري وآخرون
بطل الملاكم زكريا المومني المسجون بتهمة الاحتيال
خلفية القضية
من الاعتقال إلى انتهاء المحاكمة
محاكمة بلعيرج الجماعية لمشتبهي الإرهاب
إداناتقضائيةاعتمادًا على تصريحات الشرطة دون التحقيق في مزاعم المشتبه فيهم بالتعرض إلى التعذيب ووجود تزوير
خلفية قضية بلعيرج
موقف السلطات المغربية من محاكمة بلعيرج
ضرورة التحقيق في كل شكوى ذات مصداقية تتعلق بالتعذيب بغض النظر عن توقيت تقديمها
إجراءات اعتقال واحتجاز غير قانونية، وإثباتها من شأنه تدعيم مصداقية مزاعم التعذيب
زعم الحكومة بعدم وجود تمييز بين المعتقلين
احتجاجاتشباب 20 فبرايرشباطسيديالبرنوصيالدارالبيضاء
إدانة متظاهرين مطالبين بالإصلاح اعتمادًا على اعترافاتهم
محاكمة نشطاء صحراويين أمام المحكمة العسكرية في قضية أكديم إزيك
خلفية الأحداث موضوع المحاكمة
محاكمة مدنيين أمام محكمة عسكرية
فشل المحكمة العسكرية في التحقيق في ادعاءات التعذيب
إدانات على أساس تصريحات المتهمين للشرطة المتنازع على صحتها
الحرمان من الوصول إلى العدالة في الوقت المناسب
قضية أكديم إزيك
محاكمة سبعة نشطاء صحراويين
ردودالمغرب
ردّ المغرب الموجه إلى هيومن رايتس ووتش في ما يتعلق بضمانات المحاكمة العادلة
الدستور المغربي لعام 2011
الإطارالقانونيالدولي
شكر وتنويه
الملحقالأولردود وبيانات من السلطات المغربية
الملحق الثاني: قائمة المتهمين في قضية بلعيرج  والأحكام التي صدرت في حقهم
الملحق الثالث: قائمة المتهمين في قضية أكديم إزيك
الملحق الرابع: تصريحات للشرطة  نسبت إلى اثنين من المتهمين في محاكمة أكديم إزيك
الملحقالخامستقريرطبي  حالةالمتهمينقضيةسيديالبرنوصي

ملخص

بعد أن فاز الملاكم المغربي زكريا المومني ببطولة العالم في ملاكمة " لايت كونتاكت " عام 1999 ، اتصل مرارا وتكرارا بالسلطات المغربية للمطالبة بوظيفة في وزارة الشبيبة والرياضة التي كان يعتقد أنها من حقه قانونا بصفته مغربيا حائزا على لقب عالمي.

عندما تم رفض طلبه، عرض المومني قضيته كثيرا أمام وسائل الإعلام المغربية والدولية. في 27 سبتمبر/أيلول 2010، أوقفته الشرطة في مطار الرباط لدى عودته من رحلة إلى باريس. اتهموه بـ "المس بالمقدسات"، وهو مصطلح غالبا ما يستخدم للإحالة على الملكية وشخص الملك، واعتقلوه.

وفقا لرواية المومني، اقتاده مسؤولون أمنيون إلى مكان مجهول حيث قاموا بتقييد يديه، وجردوه من ملابسه، وعصبوا عينيه، وأخضعوه للتعذيب. وقال المومني إنهم ضربوه، وعلقوه من يديه، وصعقوه بالكهرباء، وحرموه من النوم والطعام خلال ثلاثة أيام.

في صباح يوم 30 سبتمبر/أيلول، يقول المومني، أعادت الشرطة له ملابسه مرة أخرى، وصعدوا به سلالم معدنية، ووضعوه في سيارة. اقتادوه إلى مركز الشرطة في الدائرة الثانية في الرباط، حيث أزالوا العصابة عن عينيه. وجد نفسه في غرفة مع 13 رجلا، معظمهم بزي مدنية. قالوا له سيوقع على بعض الوثائق من أجل استرجاع متعلقاته الشخصية. وقال لـ هيومن رايتس ووتش:

وضعوا الوثائق أمامي، لكنهم كانوا يغطون الجزء العلوي من الصفحة. قلت لهم إني أريد قراءة ما أوقع عليه. قالوا: "فقط وقع هنا، وستحصل على الأشياء الخاصة بك، وستكون حرا طليقا".

وقال المومني إن مسؤولين أمنيين اقتادوه مباشرة من مركز الشرطة إلى المحكمة، حيث جرت محاكمته في غياب محام الدفاع، أو الشهود، أو الجمهور. أربعة أيام ذلك، في 4 أكتوبر/تشرين الأول، علم المومني، وهم قابع في السجن، أن المحكمة أدانته بتهمة الاحتيال وحكمت عليه بثلاث سنوات سجنا نافذا. واستندت الإدانة على المحضر الذي يصر المومني أنه أجبر على توقيعه دون قراءته.

أقر الدستور المغربي الجديد، الذي وافق عليه الناخبون في يوليو/تموز 2011، خطوة رئيسية سواء في حماية الحق في محاكمة عادلة للمتهمين أو تعزيز استقلال القضاء والوصول إلى العدالة. وكانت البنود القضائية في الدستور تتويجا لحملة رسمية لإصلاح نظام العدالة في المغرب، والتي تهدف، على حد قول الملك محمد السادس، إلى " توطيد الثقة والمصداقية في قضاء فعال ومنصف، باعتباره حصنا منيعا لدولة الحق ".

ومع ذلك، تشير العيوب الدائمة في النظام القضائي إلى أن القضاء سيكون مهمة شاقة. ويقدم هذا التقرير تحليلا لست قضايا حساسة سياسيا والتي تم البت فيها ما بين 2008 و 2013، بما في ذلك قضية زكريا المومني، حيث انتهكت المحاكم حق المتهمين في محاكمة عادلة.

وتسلط القضايا الست، والتي تشمل ما مجموعه 84 متهما منهم 81 قضوا عقوبات في السجن، الضوء على نقطتي ضعف رئيسيتين. أولا، في خمس من الحالات الست، أصدرت المحاكم إدانات تستند إلى حد كبير على تصريحات حصلت عليها الشرطة من المتهمين، والتي رفضها هؤلاء المتهمون أمام المحكمة. لم تبذل المحاكم جهدا سليما لتحديد ما إذا تم الحصول على هذه التصريحات عن طريق التعذيب من المتهمين أو وسائل أخرى غير مشروعة. وتبني المحاكم قناعاتها أيضا على تصريحات مكتوبة ومجرمة من قبل شهود أو مشتكين دون مطالبة هؤلاء الأشخاص بالإدلاء بشهادتهم أمام المحكمة حيث يمكن للمتهمين أو ممثليهم الطعن فيها.

ثانيا، في حالتين من الحالات الست، هناك حرمان واضح لـ 32 متهما، خصوصا 25 منهم الذين قضوا على الأقل 18 شهرا رهن الاعتقال الاحتياطي، من الحصول على محاكمة في فترة مناسبة أو جلسة محاكمة بعدما تم اتهامهم أو عُرضوا لإجراءات إدارية مجحفة.

وليس واضحا ما إذا كانت إخفاقات النظام القضائي المغربي في هذه الحالات تعكس عدم وجود استقلال قضائي - ضغط أو تدخل من قبل السلطة التنفيذية أو جهة أخرى - أو ببساطة عدالة ذات نوعية رديئة، حيث لا يظهر القضاة العناية الواجبة في محاولة تمييز الحقيقة من خلال دراسة جميع الأدلة ذات الصلة وعدم الأخذ بتصريحات ربما تم الحصول عليها من خلال وسائل غير مسموح بها. انعدم الاستقلالية والعناية الواجبة قد يكونا على حد سواء لعبا دورا. وأيا كانت الأسباب، فالنتيجة واضحة: إدانات غير عادلة للمتهمين.

في خمس محاكمات، درسنا استعداد المحكمة لقبول أدلة إدانة، والتي اعتبرها المتهمون كاذبة، لا سيما "اعترافات" المتهمين التي أدلوا بها أثناء الحراسة النظرية لدى الشرطة. وتشمل هذه الحالات محاكمات:

  • 25 صحراويا في عام 2013 لدورهم المزعوم في مقتل رجال شرطة خلال أعمال عنف دامية اندلعت في الصحراء الغربية في عام 2010Ø›
  • الناشط الحقوقي والنقابي الصديق كبوري وتسعة متهمين معه لدورهم في الاضطرابات التي اندلعت في مدينة بوعرفة في عام 2011Ø›
  • الملاكم زكريا المومني بتهمة الاحتيال في عام 2010Ø›
  • 35 متهما اعتقلوا في عام 2008 واتهموا بالانتماء إلى خلية إرهابية، والمعروفة باسم قضية "بلعيرج"ØŒ وهو اسم عائلي لواحد من المتهمين الرائدين؛
  • محاكمة عام 2012 لـ ستة محتجين من حركة 20 فبراير/شباط الشبابية للاعتداء على ضباط شرطة حين رفضوا فض "غير قانوني".

في كل هذه المحاكمات، أدانت المحكمة وسجنت المتهمين في المقام الأول على أساس اعترافاتهم المتنازع عليها. بقيامها بذلك، أظهرت المحكمة نقصا واضحا من خلال فشلها في إجراء تحقيقات جدية في مزاعم المدعى عليهم بالتعذيب أو سوء المعاملة خلال الاستنطاق من قبل الشرطة، بينما أقرت في نفس الوقت تصريحات المدعى عليهم للشرطة كأدلة.

في قضية بلعيرج، على سبيل المثال، بررت المحكمة رفضها مزاعم التعذيب على أساس أن المتهمين لم يثيروها في أول ظهور لهم أمام المحكمة. من جهة، أبلغ في الواقع بعض المتهمين المحكمة في وقت سابق أن الشرطة أساءت معاملتهم حين كانوا رهن الاستنطاق، دون إجراء أي نوع من التحقيق. ولكن حتى إذا لم تكن قد فعلت ذلك، ينبغي على المحكمة أن لا ترفض مزاعم التعذيب جملة لمجرد أن المدعى عليه "تأخر" في التصريح بها. في حين يحق للمحكمة اعتبار توقيت إثارة المدعى عليه زعما بالتعذيب أنه مناسب للحكم على مصداقيته، فإنه ينبغي أن تدرك أيضا أن هناك أسبابا كثيرة أخرى وراء عرض المدعى عليه مزاعم التعذيب في وقت متأخر من المحاكمة غير رغبة الإفلات من العقاب.

فشلت المحاكم أيضا في منح الدفاع فرصة كافية للطعن في أدلة الإثبات الأخرى، وحرمت المدعى عليهم من حقهم في استدعاء شهود قد تلقي شهادتهم الضوء على الحقائق المتنازع حول صحتها.

من جهة، تساهم قوانين المغرب بخصوص الأدلة في نقص اجتهاد المحاكم أثناء التدقيق في مزاعم التعذيب أو سوء المعاملة. يأمر الفصل 290 من قانون المسطرة الجنائية المحكمة بأن تفترض أن المحاضر التي أعدتها الشرطة ذات مصداقية، في القضايا التي يواجه فيها المدعى عليه أقل من خمس سنوات سجنا [1] . تقتبس المحاكم في كثير من الأحيان هذه القاعدة في الأحكام المكتوبة حيث قررت إدانة متهمين استنادا إلى تصريحات للشرطة تجرمهم، حتى لو زعم المتهمون أنهم تصريحاتهم انتزعت تحت الإكراه. ينبغي مراجعة الفصل 290 بحيث يكون معيار الإثبات هو مثل الذي يطبق على الجرائم الأكثر خطورة، والذي يشترط على المحكمة أن تعامل محاضر الشرطة مثل أي دليل آخر، دون أن يكون هناك أي استنتاج على مصداقيتها.

في اثنتين من الحالات الست التي تناولها هذا التقرير، أخرت المحاكم دون مبرر إحضار متهمين إلى المحاكمة أو إنهاء محاكمتهم، ماسة بالمتهمين وتحرمهم من حقهم بموجب القانون الدولي في "محاكمة في غضون فترة زمنية معقولة"، وهو الحق الذي نص عليه حديثا في الفصل 120 من الدستور المغربي.

في العديد من الأنظمة القضائية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك المغرب، يحدث تأخير في نظام العدالة بسبب، على سبيل المثال، اكتظاظ المحاكم، أو طلبات الدفاع لتأجيل الجلسات، أو ضرورات الإجراءات القضائية. ولكن، في هاتين الحالتين، لا يبدو أن هذه العوامل مسؤولة عن هذا التأخير.

في كلتا الحالتين، من بين المتهمين مناصري استقلال الصحراء الغربية. تنظر السلطات إلى دعاة استقلال الصحراويين على أنهم "انفصاليين" والذين يتصرفون في انتهاك للقوانين المغربية التي تحظر "المس بالوحدة الترابية".

في أول قضية من القضيتين، أمضى 21 من 25 متهما 26 شهرا رهن الاعتقال الاحتياطي قبل أن يذهبوا للمحاكمة لدورهم المزعوم في الاشتباكات العنيفة التي وقعت في أكديم إزيك، الصحراء الغربية، في نوفمبر/ ت شرين الثاني 2010، والتي قتل خلالها 11 فردا من قوات الأمن.

في القضية الثانية من هاتين القضيتين، اتهمت الحكومة سبعة نشطاء بالمس بأمن المغرب الداخلي أثناء زيارتهم لمخيمات اللاجئين التي تديرها البوليساريو قرب تندوف، الجزائر، من خلال جمع أموال هناك لإثارة القلاقل والتخريب في الصحراء الغربية، وهذا يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون بخمس سنوات سجنا. أمضى ثلاثة من المتهمين السبعة عاما ونصف رهن الاعتقال الاحتياطي قبل أن يخلي القاضي سبيلهم. مرت سنتان منذ إطلاق سراحهم، انصرمت سنتان دون استئناف المحاكمة أو إلغاء المتابعة. وفقا لرد الحكومة لـ هيومن رايتس ووتش فأن المحكمة تجري "تحقيقا تكميليا" والذي لا يزال مستمرا.

هذا التناقض الواضح في مقاربة المحكمة للقضية – أولا، تعاملت مع القضية باعتبارها خطيرة بما يكفي لوضع ثلاثة من المتهمين لمدة 18 شهرا رهن الاعتقال الاحتياطي، ثم تطلق سراحهم دون استئناف المحاكمة خلال عامين - قد يشير إلى أن مخاوف سياسية توجه تعاطي المحكمة مع القضية.

تؤدي استنتاجات تحليلنا للقضايا الست التي فحصت هنا إلى توصيتين رئيسيتين. أولا، ينبغي للمحاكم أن تدرس بجد أي ادعاءات عبر عنها المدعى عليهم بأن الشرطة انتزعت تصريحات يُجرمون فيها أنفسهم بالقوة أو الإكراه، واستثناء جميع التصريحات التي تم الحصول عليها بتلك الطريقة، إلا تلك التي تشكل دليلا ضد أولئك المسؤولين عن الإساءة للمدعى عليه. ثانيا، ينبغي للمحاكم وضع حد لممارسة الاعتقال الاحتياطي للمتهمين لفترات طويلة دون مبرر وإجراء محاكمات بسرعة معقولة، وبسرعة أكبر عندما يكون المتهمون رهن الاعتقال الاحتياطي. توصيات مفصلة أدناه.

توصيات

إلى الحكومة المغربية                                                   

  • اتخاذ خطوات لمنع التعذيب وسوء المعاملة، وللتحقق والتأكد من ألا يتم قبول التصريحات المُجرِّمة والتي تم الحصول عليها من خلال استخدام التعذيب أو سوء المعاملة كدليل، كما تنص على ذلك المادة 293 من قانون المسطرة الجنائية.
  • التأكد من أن يتم إخبار جميع الأشخاص الذين وضعوا رهن الحراسة النظرية فورا بحقهم في الاستعانة بمحام، وأنه يمكنهم، إن طلبوا ذلك، الحصول فورا على محام، الاتصال الذي يجب أن يشمل إمكانية الزيارة في حين لا يزال رهن الحراسة الظرية من قبل محام لإجراء مشاورات سرية؛ وفقا لمبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين.
  • تعديل قانون المسطرة الجنائية بحيث تشير إلى كلما كان هناك ادعاء بالتعذيب أو سوء المعاملة، فإن وعبء الاثبات يقع على عاتق الادعاء لإثبات أن أي اعتراف أدلي به لم يتم الحصول عليه بوسائل غير قانونية، وفقا للتوصية التي قدمها مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في تقرير عن المغرب في 28  فبراير/شباط 2013.
  • التأكد من أن النيابة العامة، وقضاة التحقيق، وقضاة المحاكم يمنحون للمتهمين فرصة كافية لكي: يثيروا في مرحلة من التحقيق والمحاكمة أي سوء معاملة قد يكونوا تعرضوا لها أثناء الاحتجاز لدى الشرطة؛ يقرأوا بعناية تصريحاتهم للشرطة، وتحدي أي أوجه عدم دقة مزعومة فيها، ويتشاوروا مع محام قبل أول مثول لهم أمام النيابة العامة أو القاضي.
  • التأكد من أن يعكس ممثل النيابة العامة، وقضاة التحقيق، وقضاة المحاكم في محضر جلسة الاستماع والحكم المكتوب أي تصريحات أدلى بها المتهمون أمامهم عن سوء المعاملة أو عدم الدقة في تصريحاتهم للشرطة.
  • اتخاذ خطوات للقضاء على التعذيب والإكراه أثناء إعداد التقارير من قبل الشرطة القضائية. تشمل الخطوات الممكنة لضمان أن تكون مثل هذه التصريحات طوعية، تسجيل فيديو لاستجوابات الشرطة، ومطالبة المسؤول عن الاستجواب بالمثول أمام المحكمة لاستجواب مضاد، وإلغاء المادة 290ØŒ كما هو موضح أدناه.
  • تنفيذ توصية المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب التي قدمها عقب زيارته إلى المغرب في سبتمبر/أيلول 2012 "لمواصلة تطوير قدرات الطب الشرعي للنيابة العامة والقضاء، وإعمال الحق في تقديم شكوى، والتأكد من أن للمتهمين الذين يمثلون لأول مرة أمامهم فرصة عادلة لإثارة مزاعم التعذيب أو سوء المعاملة التي قد يكونوا تعرضوا لها على يد الشرطة أو أجهزة الاستخبارات".
  • اشتراط أن يتلقى القضاة وممثلو النيابة العامة تكويناً فيما يتعلق بالتزامهم بالتحقيق في مزاعم التعذيب بصرامة، بغض النظر عن متى أثارها الدفاع أثناء المحاكمة، وتوثيق جهودهم في التحقيق كتابة. وينبغي أن يشمل هذا التدريب التوعية حول الأسباب، غير الرغبة في الإفلات من العقاب، التي تجعل المدعى عليه يثير التعذيب أو سوء المعاملة في مرحلة لاحقة من مراحل المحاكمة، حتى لو أكد المدعى عليه في وقت سابق في العملية القضائية صحة تصريحاته (ها) المكتوب كما أعدتها الشرطة.
  • تثقيف القضاة على واجبهم في تقييم مصداقية ادعاءات سوء المعاملة حتى في حالة عدم وجود أدلة مادية على التعذيب، ووسائل إجراء هذا التقييم، استنادا إلى المعايير الدولية، على النحو المبين في دليل التقصي والتوثيق الفعالين للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ("بروتوكول إسطنبول").
  • تثقيف القضاة على التزامهم، في الحفاظ على "المساواة في الأسلحة" لمنح النيابة العامة والدفاع، فرصة استدعاء الشهود للاستجواب إن تم عرضهم على أنظار المحكمة وإذا كان يظهر أنهم ذوي صلة بتحديد الحقيقة حول التهم الموجهة للمتهمين، بوجه خاص، والحقيقة حول محاضر الشرطة التجريمية عندما يتم الطعن فيها من جانب الدفاع.
  • لمنع الإجحاف في حق المتهمين الناجم عن التأخير المفرط وغير المعقول في إنجاز المحاكمات، تنفيذ القوانين التي تشترط أن تتم المحاكمات دون تأخير لا مبرر له، وذلك تماشيا مع الفصل 120 من دستور عام 2011ØŒ الذي ينص على أنه لكل شخص الحق في محاكمة عادلة ØŒ وفي حكم يصدر ضمن أجل معقول ".
  • تعديل قانون المسطرة الجنائية ليشترط مراجعة قضائية منتظمة وجوهرية لجميع لقضايا الاعتقال الاحتياط ØŒ مع وضع مسؤولية متزايدة على سلطات الدولة لتفسير الاعتقال الاحتياطي كلما تأخرت المحاكمة والشخص رهن الاعتقال، من خلال إظهار أنه يتم اتخاذ كل الخطوات الممكنة لضمان أن تتم المحاكمة بأسرع ما يمكن. إذا لم يتم الوفاء بهذه المسؤولية ينبغي للمحكمة أن تأمر بالإفراج عن المعتقل.
  • تعديل القانون المحلي لحصر اختصاص المحاكم العسكرية في الجرائم العسكرية البحتة. بموجب القانون المغربي، تتسع اختصاصات المحاكم العسكرية لتشمل أيضا الجرائم التي ارتكبها مدنيون أفراد قوات الأمن. ويخالف هذا الاختصاص الواسع قاعدة أساسية في القانون الدولي، والتي تشترط محاكمة المدنيين أمام المحاكم المدنية. وبالإضافة إلى ذلك، لا تخضع أحكام المحاكم العسكرية للاستئناف إلا أمام محكمة النقض، مما يشكل انتهاكا للحق المعترف به دوليا للمتهمين بالاستئناف ليس فقط على أساس الشكل ولكن أيضا على أساس الموضوع.
  • سن قانون يعطي قوة للفصل 133 من دستور عام 2011ØŒ والذي يعطي للمتهمين الحق في تقديم التماس إلى محكمة دستورية جديدة للبث في دستورية القانون المطبق في قضيتهم.
  • تعزيز حقوق المحاكمة العادلة للمتهمين لضمان "مساواة الأسلحة" بين الادعاء والدفاع من خلال مراجعة الفصل 290 من قانون المسطرة الجنائية، والذي يعطي المحاضر التي تعدها الشرطة مصداقية أصلية في القضايا التي تشمل جرائم تحمل عقوبة أقل من خمس سنوات سجنا. يضع هذا القانون عبء الإثبات على المدعى عليه لإثبات أن المحاضر التي أعدتها الشرطة مزيفة. ينبغي تعديل القانون للقضاء على هذا العبئ غير العادل، بحيث يتم التعامل مع محضر الشرطة بنفس الطريقة مثل كل الأدلة الأخرى المقدمة إلى المحكمة دون الإدلاء بأي استدلال على مصداقيتها.

وفيما يتعلق بقضية أكديم إزيك، التي يوجد 21 من بين 25 متهما فيها في السجن، وقضية بلعيرج، التي يوجد 17 من بين 35 متهما فيها في السجن، ينبغي للسلطات المغربية:

  • إطلاق سراح المتهمين الذين لا يزالون في السجن أو منحهم محاكمة جديدة وعادلة. وبالنسبة للمتهمين في قضية أكديم إزيك، ينبغي تجري أي محاكمات جديدة أمام محكمة مدنية.
  • إذا تمت إعادة المحاكمات في هذه القضايا، ينبغي أن تكون القرينة هي أن يكون جميع المتهمين في حالة سراح إلى غاية محاكمتهم. ينبغي أن يكون لأي مدعى عليه ترغب سلطات الادعاء في احتجازه الحق في محاكمة فورية أمام قاض للبت في قانونية اعتقاله، مع كون الحرية هي القرينة. ينبغي أن يقوم أي قرار قضائي باعتقال متهم احتياطيا على أسس صحيحة، مثل أن يكون المتهم خطيرا، أو أنه يحتمل أن يكرر جرائمه، أو التلاعب في الأدلة، أو يطير خارج البلاد؛
  • عند إعادة محاكمة المتهمين، ينبغي أن تنظر المحكمة في مزاعم تعرضهم للتعذيب، وضمان، امتثالا للقانون المغربي والدولي، أن لا يتم قبول أي تصريح انتزع عن طريق العنف أو الإكراه كدليل. يجب على المحكمة إجراء تحقيقات حتى لو كانت آثار تعذيب جسدية محتملة قد تلاشت. يجب أن تنسجم التحقيقات مع المعايير الدولية للتحقيق في الشكاوى الفردية بالتعذيب، لا سيما تلك التي الموجودة في دليل التقصي والتوثيق الفعالين بشأن التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية أو المهينة ("بروتوكول إسطنبول")Ø›

إذا قررت المحكمة أن تعتبر محضر الشرطة كدليلا، والذي يدعي المتهم أنه انتزع تحت وطأة التعذيب، ينبغي أن تفسر في حكمها المكتوب لماذا قررت أن مزاعم التعذيب أو الإكراه غير اللائق غير ذي مصداقية.

للحكومات والمؤسسات التي تقدم المساعدة للمغرب                                       

في باب برامج المساعدة على الإصلاح القضائي وسيادة القانون، تشجيع المغرب على تنفيذ التوصيات المذكورة أعلاه، ولا سيما تلك التي تهدف إلى مطالبة القضاة بـ:

  • التدقيق بنقدية أكبر في القيمة الاستدلالية للمحاضر التي أعدتها الشرطة حين يطعن المتهمون في محتوياتها؛
  • وضع ومتابعة أساليب تحقيق أكثر شمولا في مزاعم التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة بغض النظر عن متى أثيرت خلال سير الإجراءات؛
  • فرض قيود قانونية على مدة الاعتقال الاحتياطي، ليس فقط خلال مرحلة التحقيق القضائي ولكن أيضا عندما يكون هناك فشل في إجراء محاكمة أو إجراءها في غضون فترة معقولة من الزمن، وضمان مراجعة قضائية منتظمة وجوهرية للأوامر الاعتقال الاحتياطي.

منهج التقرير

يستند هذا التقرير على دراسة المحاكمات التي تم اختيارها والتي جرت بين عامي 2008 و 2013. حضر مراقبو هيومن رايتس ووتش بعض جلسات أربعة منهم. درسنا أيضا الأحكام المكتوبة، وملفات القضايا، وقابلنا محامي الدفاع، ومسؤولين من وزارة العدل والحريات، ومصادر معلومات أخرى ذات صلة، بما في ذلك المتهمون في بعض القضايا. عكسنا أيضا في التقرير، وطبعنا في الملحق الأول، البيانات المقدمة لنا من قبل الحكومة بشأن هذه القضايا. ومع ذلك، وبالنسبة للحالات الست الجديدة، التي تضم متظاهري حركة 20 فبراير/شباط الشبابية، لم تطلب هيومن رايتس ووتش رسميا ولم تتلق أي تعليق رسمي.

كتبت هيومن رايتس ووتش إلى وزير العدل، السيد مصطفى الرميد، في 12 يناير/كانون الثاني 2012، تبلغه فيها عن عملنا بشأن المحاكمات العادلة وطلبنا لقاء. لم نتلق أي رد. ومع ذلك، استقبلنا ممثلو المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان في الرباط يوم 23 يناير/كانون الثاني 2012.

بينما كان ممثلون عن هيومن رايتس ووتش في المغرب في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2012 ، أبلغنا السيد الوزير، الرميد، بأنه يمكنه استقبالنا في 19 نوفمبر/تشرين الثاني. ولأن ممثليها، لن يكونوا في المغرب في ذلك التاريخ، كتبت هيومن رايتس ووتش رسالة تقترح فيها العودة في ديسمبر/كانون الأول إذا كان مستعدا للقاء، وأوجزنا أيضا الاستنتاجات المؤقتة لهذا التقرير. لم نلق أي رد.

لم يواجه مراقبو هيومن رايتس ووتش للمحاكمة أي عقبات في دخول قاعات المحاكم ومراقبة المحاكمات، مع استثناءات ثلاث: في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2012، و 18 ديسمبر/كانون الثاني 2012، و 8 يناير/كانون الثاني 2013، حين منعت الشرطة ممثلنا من الدخول إلى المحكمة الابتدائية في الرباط، حيث قدم نفسه إليهم على أنه من هيومن رايتس ووتش، وأوضح أنه جاء لمراقبة محاكمة كامارا لاي [2] . في كل مرة، تقول له الشرطة إنه يحتاج إذنا من وزارة العدل والحريات. تمكن ممثلنا من الدخول في مرة ثانية عندما اصطحبه محامو الدفاع إلى الداخل. في 14 مايو/أيار 2013، رفض ضباط الشرطة في مدخل المحكمة السماح لممثلي هيومن رايتس ووتش، واللذين جاءا لسماع الحكم في قضية لاي، بالدخول.

وفيما يتعلق بمحاكمة أكديم إزيك أمام المحكمة العسكرية بالرباط، حضر مراقبنا جلسات 1 و 9 و 10 و 13 و 14 فبراير/شباط 2013، ولكنه لم يحضر جلسات 8 و 11 و 12 و 15 و 16 فبراير/شباط. بالسنبة للتواريخ التي كان غائبا فيها، حصل مراقبنا تقرير عن الإجراءات من محامو الدفاع ومراقبين آخرين للمحاكمة. قابلت هيومن رايتس ووتش العديد من أعضاء فريق الدفاع في القضية، بما في ذلك نور الدين ضلليل في الدار البيضاء يوم 19 مارس/آذار 2012، ومحمد فاضل الليلي، ومحمد بوخالد، ومحمد لحبيب الركيبي، ولحماد بازيد في العيون في 23 يونيو/حزيران 2012 ، ومحمد الحبيب الركيبي في 13 سبتمبر/أيلول 2012 في الرباط، ومحمد المسعودي في الرباط خلال شهر فبراير/شباط 2013.

خلفية

تدفع القوى المؤثرة في اتجاهين معاكسين بشأن نظام العدالة في المغرب. في القضايا ذات طابع سياسي، تواصل المحاكم حرمان المتهمين من حق الحصول على محاكمة عادلة بإدانتهم على أساس الاعترافات التي يقولون إن الشرطة انتزعتها تحت وطأة التعذيب أو الإكراه، دون أن تبذل المحكمة جهدا جديا للتحقيق في مزاعمهم. تعزز هذه الممارسة انطباعا بأن المحاكم تخدم كامتداد لأجهزة الدولة الأمنية القمعية.

ولكن هناك أيضا منطق يدفع المغرب إلى تسريع وتيرة الإصلاح. يرغب قادته في أن يتم الاعتراف بالمغرب، محليا ودوليا على حد سواء، كنموذج إقليمي في مجال حقوق الإنسان. عندما اندلعت احتجاجات في الشوارع مؤيدة للإصلاح في المغرب في شهر فبراير/شباط 2011، لم ترد السلطات بقمع أعمى لهؤلاء، ولكن عن طريق وعد بدستور جديد والدعوة لانتخابات مبكرة. بينما عارض المغرب بحزم وبنجاح مقترحات في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لإعطاء ولاية حقوق الإنسان لبعثة حفظ السلام في الصحراء الغربية المتنازع عليها، فإنه يقول إنه يخطو من تلقاء نفسه خطوات كبيرة في مجال حقوق الإنسان.

يؤكد الخطاب الرسمي حول الإصلاح على مهمة إصلاح القضاء بما في ذلك عبر تعزيز استقلاله. لقد كان هذا موضوعا لتصريحات علنية لقادة المغرب لعدة سنوات، بما في ذلك الملك محمد السادس. يحتوي دستور 2011 عدد عدد مهم من الأحكام التي، إذا ما نفذت، من شأنها الدفع نحو هذا الهدف.

دستور جديد                                                                                    

في يوليو/تموز 2011، وافق الناخبون المغاربة على دستور جديد غني بتأكيدات على حقوق الإنسان، بما في ذلك البعض التي لم تكن مضمنة في الدستور السابق الصادر في عام 1996. ولا يزال يتعين ترجمة هذه التأكيدات إلى قوانين وممارسات تحد من الانتهاكات المستمرة. وتوحي القفزة إلى الأمام في لغة حقوق، على الرغم من ذلك، بإرادة من جانب المغرب ليحدد لنفسه معايير على مستوى عال التي يمكن من خلالها الحكم على قوانينه وممارساته.

من بين المجالات في الدستور الجديد التي تفتح آفاقا جديدة هي تعزيز استقلال القضاء وحقوق الأشخاص أمام المحاكم. وقال الملك محمد السادس إن الأحكام الدستورية " تنص على ضمان الملك لاستقلال القضاء وتكرس القضاء كسلطة مستقلة قائمة الذات عن السلطتين التشريعية والتنفيذية ".

وقال الملك إن هذه الأحكام توجت حملة إصلاح القضاء، والتي بدأت في عام 2009. في خطاب ألقاه في 20 أعسطس/آب من ذلك العام، أعلن عن "الإصلاح الشامل والعميق للقضاء" لـ " توطيد الثقة والمصداقية في قضاء فعال ومنصف ، باعتباره حصنا منيعا لدولة الحق ". وتحدث عن " تخليق القضاء لتحصينه من الارتشاء واستغلال النفوذ "، وتعزيز ضمانات استقلال القضاء.

منذ ذلك الحين، واصل الملك التأكيد على أهمية الإصلاح القضائي. ونصب في 8 مايو/أيار 2012 الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة ، وهي هيئة من 40 عضوا مكلفة بقيادة حوار وطني من شأنه أن يسفر عن ميثاق لإصلاح القضاء [3] . وأعلن في 30 يوليو/تموز 2012، وهو يوم عطلة لتخليد جلوسه على العرش 13 عاما قبل ذلك:

وانطلاقا من كون دولة الحق والقانون هي مصدر كل تقدم٬ فقد جعلنا العدالة في مقدمة أوراشنا الإصلاحية . وحيث إن الدستور الجديد يضع استقلال القضاء في صلب منظومته٬ فإن الشروط باتت متوافرة لإنجاح هذا الورش الكبير . [4]

عقدت الهيئة العليا، منذ إنشائها، برئاسة وزير العدل والحريات، السيد مصطفى الرميد، سلسلة من الندوات في مختلف مدن البلاد حول جوانب مختلفة من الإصلاح القضائي. افتتح الرميد الندوة الثامنة من مثل هذه الندوات، المكرسة لاستقلال القضاء، والتي عقدت في مدينة أكادير في 11 و 12 يناير/كانون الثاني 2013 [5] . وهناك أعلن أن "ميثاق وطني" بشأن الإصلاح القضائي سيكون جاهزا بحلول مارس/آذار [6] 2013. لم يتم الإعلان عنه إلى حدود وقت طبع هذا التقرير.

من بين الإصلاحات التي ينبغي أن تحظى بالأولوية هي مراجعة قوانين لوضع حد لمحاكمة مدنيين متهمين أمام محاكم عسكرية في زمن السلم. قدم المجلس الوطني لحقوق الإنسان هذه التوصية وغيرها من التوصيات إلى الملك محمد السادس في شهر فبراير/شباط عام 2013، محيلا على كلا من الدستور والتزامات المغرب بموجب المعاهدات الدولية. "رحب" الملك في يوم 2 مارس/آذار بهذه التوصيات.

الممارسات السيئة المستمرة

إن الدفع نحو ضمان محاكمة عادلة للمتهمين يتطلب قطيعة مع الممارسات السائدة. ووثقت هيومن رايتس ووتش ومنظمات دولية ومغربية أخرى لحقوق الإنسان عشرات الحالات في العقد الماضي حيث أدانت المحاكم المغربية مواطنين بسبب إجراءات قضائية جائرة. فمن غير الممكن تحديد عدد "السجناء السياسيين" أو عدد السجناء الذين أدينوا ظلما. فوراء حفنة من الأشخاص الذين هم بوضوح في السجن في انتهاك لحقوق الإنسان لأنهم اتهموا وأدينوا لخطابهم أو نشاطهم السياسي اللاعنفي، هناك مئات من المتهمين الذين أدينوا بجرائم جنائية ظاهريا مثل الاتجار في المخدرات أو مساعدة منظمة إرهابية - لكنهم يدعون بأنهم أبرياء من هذه التهم وأنهم أدينوا على أساس أدلة معيبة. لا يمكننا تقييم عدد مزاعمهم، إن وجدت، التي هي صحيحة.

ويدعي آخرون أنهم حوكموا بتهم جنائية ملفقة للانتقام منهم لأسباب أخرى لها علاقة بالسياسة أو أنشطة احتجاجية. لقياس ويتطلب قياس وتيرة الإدانات غير العادلة دراسة القضايا واحدة تلو الأخرى وأساس الأدلة عن هذه الاتهامات، وهي مهمة خارج نطاق هذا التقرير. ويعرض هذا التقرير مثالا واحدا مقنعا عن التهم التي يبدو أنها ملفقة للانتقام من شخص لكونه انتقد السلطات: زكريا المومني، الذي أدين بالاحتيال على ما يبدو لمعاقبته على الضغط على الملك والقصر الملكي لتأمين عمل حكومي كان يعتقد أنه من حقه.

على الرغم من الحظر المفروض على التعذيب واعتراف المغرب به، فإن التعذيب وإساءة معاملة المشتبه بهم جنائيا لا يزال يمثل مشكلة خطيرة في المغرب. التعذيب وسوء المعاملة في حق المشتبه بهم في الحجز، وتحديدا تحت الاستنطاق لا يزال يمثل مشكلة في المغرب، كما أكده المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب بعد بعثته إلى المغرب في شهر سبتمبر/أيلول 2012 [7] . قابلت هيومن رايتس ووتش العديد من المعتقلين والمعتقلين السابقين على مدى العقد الماضي والذين وصف بمصداقية سوء المعاملة التي تعرضتهم لها قوات الأمن أثناء الاحتجازه، بما في ذلك الضرب، والتهديد، والتكبيل، والحرمان من الطعام والماء، والحرمان من النوم، وغيرها من الوسائل التي تشكل تعذيبا أو سوء معاملة. [8]

إدانات تستند إلى حد كبير على اعترافات مثار خلاف

الصديق كبوري وآخرون

تدور بواعث القلق بشأن المحاكمة العادلة في هذه القضية حول إدانة متهمين استنادا إلى اعترافات كانت مثار خلاف، وتقارير مكتوبة أعدتها الشرطة، دون أن يبذل القضاة جهدا جاد لاستكشاف مزاعم المدعى عليه بسوء المعاملة أو استدعاء الشهود الذين كانوا ذوو صلة بمعالجة أدلة الادعاء.

تتعلق القضية باحتجاجات في بلدة بوعرفة النائية، في الشمال الشرقي من المغرب، في 18 مايو/أيار 2011. دعا الصديق كبوري، وهو ناشط محلي، المواطنين إلى المشاركة في الاحتجاجات. بالموازاة مع مع مواطنين يتظاهرون سلميا، ألقى بعض المتظاهرين الحجارة، مما تسبب في إصابات وأضرار في الممتلكات. لا ينازع أحد هذه الحقائق. ما هو مفقود في ملف القضية هو أي دليل يبين أن كبوري حرض بشكل مباشر على العنف، كما خلصت المحكمة الابتدائية.

أصبحت الاحتجاجات الاجتماعية والاقتصادية مثل تلك التي اجتاحت بوعرفة في 18 مايو/أيار 2011، شائعة على نحو متزايد في بلدات ومدن عبر المغرب. غالبا ما تنتهي المسيرات والاعتصامات المفتوحة بتدخل قوي من قبل مؤسسات إنفاذ القانون لتفريق المتظاهرين، وبشكل غير نادر مع إلقاء الحجارة على الشرطة وبعض الأضرار في الممتلكات [9] . بعد بوعرفة، وقعت مثل هذه الاحتجاجات في آسفي الساحلية في أغسطس/آب 2011 [10] ، وتازة في جبال الأطلس في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2012 [11] ، وفي بني بوعياش وإمزورن في الريف في مارس/آذار 2012 [12] . في كل حالة، اعتقلت السلطات، واتهمت، وحصلت على إدانة وسجن متظاهرين لمثل هذه الاتهامات كتنظيم مظاهرات غير مصرح بها، والمشاركة في تجمعات "مسلحة"، وعرقلة حركة المرور في الشارع العام، وعصيان أو إهانة الشرطة، والتسبب في أضرار في الممتلكات.

ينشط الصديق كبوري في الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والحزب الاشتراكي الموحد المعارض، ولجان العمل الاجتماعي، بما في ذلك تلك التي تحتج ضد غلاء المعيشة وتدهور الخدمات العامة. كما يرأس الفرع المحلي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان . كان كبوري أحد الم شاركين في تنظيم حملة مقاطعة طويلة الأمد من قبل سكان بوعرفة لفواتير الماء الخاصة بهم، والتي اعتبروها مرتفعة جدا. غالبا ما يشارك كبوري، وهو ربما الناشط الاجتماعي الأكثر شهرة في بوعرفة، في الحوارات والوساطات بين السلطات المحلية والمجموعات الاحتجاجية، وفقا لعدد من السكان الذين قابلناهم. [13]

طيلة أسبوعين في مايو/أيار 2011، نظم إئتلاف من العاطلين عن العمل اعتصاما في الجانب المقابل لمقر العمالة في بوعرفة. كانوا يطالبون، ولكن دون جدوى، بحوار مع مسؤول كبير. في 18 مايو/أيار، أصبحت العلاقات أكثر توترا بين المتظاهرين والشرطة، الذين صدوا محاولة بعض المتظاهرين الدخول إلى مقر العمالة. أضرم أحد المتظاهرين العاطلين عن العمل النار في نفسه احتجاجا على ذلك. عندما جاء زملائه لمساعدته، تحركت الشرطة لتفريق الاعتصام.

عند هذه اللحظة، كان كبوري في المدرسة في بوعرفة حيث يعمل. عندما سمع خبر إضرام النارفي النفس، ترك المدرسة ومشى في شوارع بمكبر للصوت، وحث المواطنين على مسيرة نحو العمالة للتعبير عن الدعم للمتظاهرين. امتلأت الشوارع بالناس، وقبل فترة طويلة كانت الشرطة تطارد وتشتبك مع الشباب. ووفقا لبيان قدم في وقت لاحق من قبل السلطات لـ هيومن رايتس ووتش (انظر الملحق الأول):

[عندما وصلت الجموع] إلى حوالي 600 شخصا أغلبهم من القاصرين حيث توجهوا لمقر العمالة محاولين اقتحامها، وعند تم منعهم من طرف قوات الأمن قاموا برشق عناصر الأمن وأفراد القوات المساعدة بالحجارة والزجاجات الفارغة مما تسبب في إصابتهم بجروح متفاوتة الخطورة كما قاموا برشق   إدارة مراقبة التراب الوطني بالحجارة وحاولوا اقتحامها مما تسبب في إلحاق خسائر مادية بها كما استهدفوا سيارات رجال الأمن والدرك الملكي وقاموا باقتلاع علامات المرور والتشوير وإشعال النيران بالعجلات المطاطية وقد نتج عن هذه الاعتداءات إصابة 18 موظفا تابعا للمديرية العامة للأمن الوطني و 14 عنصرا تابعا للقوات المساعدة و 6 عناصر تابعة للدرك الملكي .

وقامت الشرطة ببعض الاعتقالات في ذلك اليوم، ولكنها أفرجت عن أولئك الدين اعتقلتم. ومع ذلك، وبعد بضعة أيام، ألقت الشرطة القبض على تسعة شبان، وجهت لهم المحكمة الابتدائية في بوعرفة تهما في 26 مايو/أيار 2011. (أسقطت المحكمة الاتهامات ضد واحدة من التسعة، وهو قاصر).

الصديق كبوري، 11مايو/أيار 2013. كبوري أمضى ثمانية أشهر في السجن، رفقة تسعة رجال آخرين، في ارتباط مع مظاهرة في مدينة بوعرفة.

©2013 Eric Goldstein/Human Rights Watch

حضر كبوري جلسة الشباب في 26 مايو/أيار، وبينما هو هناك نصح أسرهم جول كيفية التعبئة للضغط من أجل إطلاق سراحهم، وفقا لأقارب الشبان المعتقلين [14] . يحتوي ملف القضية تقريرا من قبل ضابط شرطة يفيد بأن كبوري كان في المحكمة يوم 26 مايو/أيار، و "حرض" الأسر على الاحتجاج ضد احتجاز أبنائها.

اعتقلت الشرطة كبوري لدى خروجه من قاعة المحكمة. اعتقلوا نقابيا آخر، هو محجوب شنو، في مكان آخر في بوعرفة ذلك اليوم. وأضافت النيابة العامة كبوري وشنو، وكلاهما في الأربعينات من عمرهما، إلى نفس نفس الشباب، متهما إياهم في البداية بنفس الجرائم المتصلة بالعنف الذي وقع في 18 مايو/أيار.

ويبدو من ملف القضية أن الأدلة الرئيسية المستخدمة من قبل المحكمة لإدانة المتهمين تتكون من تصريحات يزعم أن الشباب أدلوا بها أثناء احتجازهم لدى الشرطة، وتقرير مكتوب قدم من قبل وكيل الشرطة واصفا أحداث 18 مايو .

بينما هم محتجزون لدى الشرطة، وقع كل الشباب المتهمين رفقة كبوري على تصريحات أعدت من قبل الشرطة، حيث يقولون إنهم سمعوا كبوري يحث المواطنين في الشوارع على مسيرة في اتجاه مقرات الحكومة، وصرح خمسة من هؤلاء أيضا أن كبوري أعلن أن الرجل الذي قام بإضرام النار في نفسه قد مات. (في الواقع، نجا الرجل مع إصابات لم تكن خطيرة). ومع ذلك، لم تورط أي من تصريحات كبوري في ارتكاب حث على أعمال عنف.

في 16 يونيو/حزيران 2011، أدانت محكمة فجيج الابتدائية في بوعرفة جميع الرجال العشرة. [15] وجدت أن ثمانية رجال أصغر سنا مذنبين بالعنف ضد موظفين عموميين، وتدمير ممتلكات خاصة وعامة، وحيازة أسلحة، وإهانة موظفين عموميين أثناء قيامهم بمهامهم، والمشاركة في تجمع عمومي غير مصرح به، وعصيان القوات العمومية. الرجال الثمانية الصغار هم محمد نبكاوي، وجمال عتي، وعبد الصمد كربوب، وياسين بليط، وعبد العالي كديدة ، وعبد القادر قازة، عبد العزيز بوضبية ، وإبراهيم مقدمي.

كما أدانت المحكمة كبوري وشنو للمشاركة في تجمع عمومي غير مصرح به، وعصيان قوات الأمن، وإهانة موظفين عموميين أثناء قيامهم بعملهم – أي نفس التهم الموجهة للمتهمين الصغار، باستثناء التهم التي تنطوي على العنف، والأسلحة، والإضرار بالممتلكات. حكمت المحكمة كل العشرة بدفع غرامات وأحكام بالسجن تتراوح ما بين 30 و 36 شهرا. كان الحكم بالنسبة لـ كبوري وشنو هو 30 شهرا.

في 26 يوليو/تموز 2011، أيدت محكمة الاستئناف في وجدة كل الأحكام ولكنها أسقطت تهمة إهانة موظفين عموميين أثناء قيامهم بعملهم. وخفضت الأحكام الأصلية بالنسبة لـ كبوري وشنو إلى سنتين، وإلى ما بين 16 و 18 شهرا بالنسبة للشباب. [16]

الذين تظاهروا في ذلك اليوم في الشوارع قاموا بذلك دون إخطار السلطات أولا، كما يمكن أن يشترطه القانون بشأن التجمعات العامة. ومع ذلك، أوضح لنا أكثر من شخص في بوعرفة أن إخطار السلطات المحلية في وقت مبكر بدون جدوى بما أنها لن تسمح بذلك. وعلاوة على ذلك، لم يكن مخططا لهذه المظاهرة في وقت مبكر ولكن، بدلا من ذلك، اندلعت استجابة لأحداث ذلك اليوم.

كتبت محكمة الدرجة الأولى في حكمها أن كبوري وشنو حرضوا الشباب على مقاومة الشرطة واقتحام مقر العمالة. وكتب الحكومة لـ هيومن رايتس ووتش:

ومن خلال المعطيات المذكورة يتبين أن المحكمة استندت في الحكم الصادر عنها إلى القناعة التي توفرت لديها بخصوص حالة التلبس وخطورة الأفعال المرتكبة والمتمثلة في أحداث الشغب ومواجهة المتهمين لقوات الأمن بالحجارة والزجاجات الفارغة بتحريض من الصديق كبوري والمحجوب شنو، حيث استعمل المذكور أولا جهاز مكبر الصوت مما أدى إلى تجمع أكثر من 600 شخص أغلبهم من القاصرين توجهوا نحو مقر العمالة وتصدت لهم قوات الأمن مما أدى إلى إلحاق خسائر مادية بالسيارات وتخريب ممتلكات الدولة وإصابة العديد من رجال القوة العمومية بجروح متفاوتة الخطورة، الأفعال التي اعترفوا بها سواء أمام الضابطة القضائية أو أمام السيد وكيل الملك، وأن تراجعهم عن هذه الاعترافات أمام المحكمة لم يكن معززا بأي دليل مادي . [17]

في 4 فبراير/شباط 2012، أصدر الملك محمد السادس عفوا والذي شمل المتهمين العشرة في هذه القضية. في حين أن الرجال هم الآن خارج السجن، فإن هذا لا يغير من ظلم الإجراءات التي كلفتهم ثمانية أشهر في السجن. [18]

نفى المدعى عليهم الشباب، في أول مثول لهم أمام وكيل الملك في 26 مايو/أيار 2011، التصريحات التي نسبت إليهم من قبل الشرطة. جاء في حكم المحكمة المكتوب أن المتهمين الثمانية قالوا إنهم رأوا أشخاصا يلقون الحجارة ولكنهم نفوا أن يكونوا قد شاركوا في أي عمل من أعمال العنف. خلافا لتصريحات الشرطة، نفى بعضهم أيضا أن يكون كبوري قد حرضهم على المشاركة، وفقا لمحامي الدفاع عبد الواحد بنعيسى. [19] ونفى بعض حتى أن يكون قد شارك في الاحتجاجات على الإطلاق. [20] وقال بنعيسى وكبوري لـ هيومن رايتس ووتش [21] إن بعضهم قال لوكيل الملك إن الشرطة قد صفعوهم وهددوهم للتوقيع على تصريحاتهم. ومع ذلك، لا تظهر هذه المزاعم بكونهم صفعوا وهددوا في المحضر الرسمي لتلك الجلسة أو في جزء من حكم المحكمة الذي يلخص جلسة الاستماع أمام وكيل الملك. [22]

وفقا لمحامي الدفاع بنعيسى، فإن وكيل الملك لم يحقق فيما إذا كان المتهمون قد تم في الواقع إساءة معاملتهم. وقال بنعيسى في وقت لاحق إنه لم يطلب إجراء فحص طبي للمتهمين لأنه لم يرى أي علامات جسدية بسبب سوء معاملتهم؛ وهذا الغياب يمكن أن يكون متسقا مع كون سوء المعاملة اقتصرت على الصفعات والتهديدات. [23]

في المحاكمة، قال ستة من الشباب للقاضي إن الشرطة صفعهم أو هددتهم لإجبار على التوقيع، وفق ما جاء في الحكم المكتوب. وذكر بعضهم أنهم لم يقرأوا حتى تصريحاتهم قبل التوقيع. سمح القاضي للمتهمين بتقديم هذه الادعاءات أثناء مثولهم، ولكنه لم يستجب لهم وأظهر في حكمه المكتوب أنه اعتبر اعترافاتهم صحيحة وأن نفيهم لا يمكن تصديقه.

نفى كبوري في المحاكمة أن يكون قد حرض أو ارتكب أعمال عنف. ونفى أيضا أن تكون مناشدته للمواطنين قد تضكنت إعلانه أن شابا قد مات بعد أن أضرم النار في نفسه. وذكر أن أنشطته في ذلك اليوم كانت محدودة في نشاطه السلمي المعتاد بوصفه عضوا في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والكونفدرالية الديمقراطية للشغل.

تختلف تصريحات كبوري في المحاكمة عن تصريحاته للشرطة المجودة في ملف القضية. وقال إنها تختلف أيضا عن محاضر الشرطة التي قرأها ووقع عليها:

بعد انتهاء الشرطة من من استنطاقي، قدموا لي محضرا مكتوبا. راجعته، ووجدته صحيحا، فوقعت عليه. في المحاكمة، صدمت لتجد عندما وجدت أن محضري قد تم تعديله ليحتوي على أشياء لم أقلها أبدا. لقد قلت ذلك للمحكمة. [24]

وكمثال على ذلك، يعترف كبوري، في تصريحاته للشرطة التي قدمت للمحكمة، بأنه أعلن وفاة الشباب الذين أضرموا النار في أنفسهم، وهذا خبر زائف ويفترض أنه يمكن أن يثير غضبا شعبيا. قال كبوري للمحكمة إنه لم يعلن ذلك في يوم 18 مايو/أيار، ولم يعترف للشرطة بأنه قد فعل ذلك.

يتضمن ملف القضية فيديو يظهر كبوري في الشوارع في ذلك اليوم، وهو يتحدث إلى مواطنيه. في مقاطع الفيديو التي راجعتها هيومن رايتس ووتش، والتي نشرت على موقع يوتيوب من قبل أشخاص مجهولين، لا يحرض كبوري الآخرين على العنف. ومن غير المعروف ما إذا كانت هذه المقاطع هي نفسها تلك الموجودة في ملف القضية.

بالإضافة إلى محاضر المتهمين، الأدلة الأخرى التي تتهم كبوري هي تقارير أعدت من قبل ضابط شرطة تفيد أنه سمع كبوري يحث المواطنين ليس فقط للانضمام الى المسيرة ولكن أيضا لإقتحام مقر العمالة. ليست في ملق القضية أي أدلة أخرى تدعم هذا الادعاء الثاني من قبل الضابط. قدم الادعاء أيضا سكاكين ومقاليع كأدلة يزعم أنها ضبطت في ارتباط باضطرابات 18 مايو/أيار، ولكنها لم تثبت أي صلة بين هذه الأدلة المادية والمتهمين، وفقا لمحامي المتهمين عبد الواحد بنعيسى وعمر بنعلي. [25]

يحتوي ملف القضية على محضر مكتوب وقعه ضابط شرطة الذي أورد فيه أسماء المتهمين الصغار ويقول إنهم "شوهدوا" وهم يلقون بالحجارة على الشرطة. ومع ذلك، فإن المحضر لا يحدد من الذي شاهدهم أو كيف حدد شهود الشرطة هوية راشقي الحجارة.

وقال المحامون لـ هيومن رايتس ووتش أى لا شيء يربط هؤلاء المتهمين بأعمال العنف التي وقعت في ذلك اليوم ما عدا تصريحات المتهمين المكتوبة للشرطة، والتي أنكروها، وهذا المحضر الذي أعده ضابط شرطة.

طلب الدفاع من المحكمة استدعاء ضباط الشرطة للإجابة عن أسئلة حول ما رأوه، وكيف تعرفوا على هؤلاء المتهمين بين كل ألئك الذي كانوا يرشقون بالحجارة بعد ظهر ذلك اليوم. رفض القضاة المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف هذا الطلب، ولكنهم لم يقدموا تبريرا آخر لهذا الرفض في الأحكام المكتوبة غير القول إن المحكمة تتوفر بالفعل على كل العناصر اللازمة للحكم في المسألة.

وقال المحامي بنعلي لـ هيومن رايتس ووتش إن الدفاع طلب أيضا من محكمة الاستئناف استدعاء الشهود الذين سيشهدون على ما يبدو على أن كبوري حاول كبح جماح المتظاهرين بدلا من تحريضهم على العنف [26] . كما رفضت محكمة الاستئناف أيضا هذا الطلب. على نهج لغة الفصل 290 من قانون المسطرة الجنائية، كتبت، في تأييد الإدانات، "وحيث إن الاعتراف المدون بمحاضر الضابطة القضائية المنجزة على شكل سليم ي و ثق بمضمونها إلى أن يثبت ما يخالف ذلك". [27]

أمام اعترافات ونفي تلك الاعترافات، فإنه كان بإمكان المحكمة أن تستدعي الشهود الذين طالب بهم المتهمون والذين بدت شهادتهم ذات الصلة لتحديد صحة اعترافاتهم. بدلا من ذلك، فإن المحكمة عاملت المحاضر المكتوبة المعدة من قبل الشرطة على أنها يفترض أن تكون ذات ثقة، ورفضت استدعاء الشهود الذين طالب بهم الدفاع وأدانت جميع المتهمين على أساس "اعترافاتهم" وتقارير الشرطة الموجودة في الملف.

بطل الملاكم زكريا المومني المسجون بتهمة الاحتيال

تشير الأدلة في هذه القضية إلى أنه بعد أن اشتكى علنا من سلطات الدولة، قبض على زكريا المومني، وهو بطل ملاكمة، وحوكم وأدين بالاحتيال في غضون ثلاثة أيام. لم يكن المومني ناشطا سياسيا أو اجتماعيا بل شخصا قام بحملة علنية ​من  أجل قضيته الشخصية، والتي كانت هي جعل القصر الملكي يمنحه منصبا حكوميا يعبره من حقه بموجب القانون.

الأدلة المستخدمة لإدانة المومني تتكون من اعترافاته للشرطة، وهو ما أكد أنه تم الحصول عليها عبر التعذيب بعد اعتقال غير قانوني واعتقال في مكان سري، وتصريحات مكتوبة مقدمة من قبل إثنين من الرجال الذين زعموا أن المومني احتال عليهم وهرب بأموالهم بعد وعد بإيجاد وظائف لهم في أوروبا.

الانتهاكات الرئيسية لحق المومني في محاكمة عادلة تتعلق بقبول المحكمة اعتراف المومني المطعون فيه كدليل، وتصريحات المشتكيين المكتوبة، على الرغم من أنهما لم يمثلا أمام المحكمة للإدلاء بشهادتهما إلى غاية المحاكمة الثالثة في القضية.

استمرت القضية بسرعة غير مألوفة: وضعت الشرطة المومني رهن الحراسة النظرية في يوم إثنين، وفي صباح يوم خميس حصلوا على اعتراف وإعلان موقع منه يتنازل فيه عن حقه في الاستعانة بمحام، وبحلول بعد ظهر ذلك اليوم، كانت محاكمته قد جرت في غياب محام، أو شهود، أو أقارب، أو معارف.

ولأن التهم الموجهة إلى المومني اعتبرت جرائم بسيطة التي تحمل عقوبة سجن لمدة أقصاها خمس سنوات أو أقل، فإنه تم تطبيق افتراض الصدق في تصريحاته للشرطة بموجب الفصل 290 من قانون المسطرة الجنائية في قضيته.

عندما ادعى المومني أنه تم الحصول على اعترافه عبر التعذيب، فإن المحكمة لم تحقق في مزاعم تعرضه للتعذيب. في رواية المومني لـ هيومن رايتس ووتش عن تجربته، قال إنه أثار ادعاءه التعذيب في كل فرصة أمام المحكمة، محاولا في كل وقت إظهار آثاره على جسده للمحكمة، دون أن يتلقى في أي وقت فحصا طبيا أو أي نوع من التحقيق القضائي.

وعلاوة على ذلك، فإن المحكمة لم تعط المومني فرصة الطعن على نحو كاف في تصريحات المشتكيين المكتوبة والتي تجرمه. في محاكمته الأولى والثانية من محاكمات المومني الثلاث، اقتنعت المحكمة نفسها بتصريحات المشتكيين المكتوبة دون طلب مثولهما أمام المحكمة. فقط في محاكمة المومني الثانية استئنافيا، وبعد أن أمضى 15 شهرا خلف القضبان وألغت محكمة النقض الحكم الاستئنافي الأول، طلبت المحكمة مثول المشتكيين شخصيا والإجابة عن الأسئلة.

وثمة عامل آخر يؤجج الشكوك حول طريقة التعامل مع محاكمة المومني وهو السرعة غير المألوف التي سارت بها القضية، كما أشير إليه أعلاه: ثلاثة أيام فقط بين إلقاء القبض علية وانتهاء المحاكمة. مثل هذه السرعة غير عادية للغاية ما عدا، ربما، في الحالات التي يصرح المدعى عليه بأنه مذنب منذ البداية ولا يتحدى لا التهم ولا الإجراءات. [28]

خلفية القضية

فاز زكريا المومني بطولة العالم في " لايت كونتاكت " في عام 1999. ومنذ ذلك الحين، اتصل مرارا وتكرارا بالسلطات المغربية، بما في ذلك القصر، للمطالبة بوظيفة في وزارة الشبيبة والرياضة والتي يعتقد أنها من حقه كمغربي حائز على لقب عالمي، بموجب ظهير ملكي رقم 1194 - 1166 بتاريخ 9 مارس/آذار 1967، ومذكرة في وقت لاحق بشأن تطبيقه. وقالت زوجة المومني، تالين المومني، لـ هيومن رايتس ووتش إن مسؤولا رفيع المستوى في الديوان الملكي استقبله المومني في عام 2006، ولكن في النهاية رفض طلبه للحصول على وظيفة. ومنذ ذلك الحين، كما قالت، قام المومني بمختلف الجهود لإعادة الاتصال بالقصر، بما في ذلك الاقتراب من إقامة محمد السادس في بيتز، فرنسا، في 25 يناير/كانون الثاني 2010، عندما علم أن الملك كان في زيارة. طلب أن يتم استقباله لكن الحراس أبعدوه. [29]

بث المومني كثيرا تظلمه على وسائل الإعلام المغربية والدولية. على سبيل المثال، أظهرت قناة الجزيرة الفضائية في عام 2006 المومني منتقدا وزارة الشبيبة والرياضة والجامعة الملكية " لايت كونتاكت " من أجل الحيلولة دون وصوله إلى وظيفة مدفوعة الأجر. [30] روى مقال على الموقع الإخباري الفرنسي Bakchich.info بتاريخ 29 يونيو/حزيران 2010، جهود المومني غير المثمرة في الاتصال بالقصر. [31] وفصلت صحيفة الأيام الأسبوعية المغربية مظالم المومني في عدد 8 يوليو/تموز 2010، بما في ذلك رفض القصر حسب زعمه. [32]

ملف قضية زكرياء المومني

يتضمن شكاية مكتوبة قدمت إلى المدعي في الرباط، التي وقعها إدريس السعدي ومصطفى واشكاط، اللذين قالا إنهما يقيمان في مدينة الراشيدية. جاء في شكايتهما أنه في 22 يناير/كانون الثاني 2010، التقيا في مقهى في الرباط مع المومني، الذي أخذ 14000 درهم (680 دولار أمريكي) من كل واحد منهما مقابل الحصول على وظائف لهما في أوروبا. وقالا إنه بعد أن أعطاياه أموالهما، وأصبح المومني خارج التغطية. تصعب قراءة تاريخ الشكاية ولكن يبدو أنه يوم 26 - يوما بعد أن سعى المومني إلى استقباله من طرف الملك ومحيطه في فرنسا.

زكريا المومني، 4 فبراير/شباط 2012، يتصل بزوجته بعد دقائق من خروجه من سجن سلا. نال عفواً بعد أن قضى عاماً ونصف بناء على اتهامات مشكوك في صحتها بارتكاب أعمال تزوير.

©2013 Eric Goldstein/Human Rights Watch

وقال المومني لـ هيومن رايتس ووتش في 12 فبراير/شباط 2010، إن الشرطة أوقفته في مطار الدار البيضاء عند دخوله المغرب، وقالوا له إن هناك أمرا بالبحث عه في ارتباط بمسه بـ "المقدسات"، وهو مصطلح يستخدم في كثير من الأحيان للإشارة إلى النظام الملكي وشخص الملك. أطلقوا سراحه بعد استجواب وجيز، ولكنهم أوقفوه لفترة وجيزة لاستجوابه مرة أخرى عندما غادر البلاد ثلاثة أيام بعد ذلك. وقال إنهم قالوا بأنهم سيحاولون طي المسألة ولكن ليست هناك ضمانات. ووفقا للمومني، فإن الشرطة لم تسأله عن شكاية بالاحتيال التي وضعت ضده شهرا قبل ذلك، وفقا لملف القضية، وظل على عدم معرفة بها إلى غاية محاكمته بعد مرور سبعة أشهر. لم يسمع المومني أي شيء أكثر إلى غاية 27 سبتمبر/أيلول 2010، عندما اعتقلته الشرطة في مطار الرباط لدى وصوله من باريس.

من الاعتقال إلى انتهاء المحاكمة

وصف المومني الأحداث بدءا من اعتقاله وانتهاء بمحاكمته 72 ساعة بالكاد بعد ذلك:

وصلت على متن رحلة من باريس إلى مطار الرباط. عندما وصلت إلى مراقبة جوازات السفر، أخذ شرطي جواز سفري وقال: "اتبعني". تبعته إلى مكتب شرطة في المطار، حيث كان هناك رجال شرطة آخرين يرتدون الزي الرسمي. سألت لماذا أنا هناك. نظر رجل شرطة إلى جهاز الكمبيوتر الخاص به، وقال: "المس بالمقدسات". نظرت إلى الشاشة ورأيت نفس الكلمات. اتصلت عبر الهاتف المحمول بأقاربي الذين كانوا بانتظاري في المطار لأقول لهم إنني في الداخل مع الشرطة وربما أخرج قريبا.
ثم جاء بعض الرجال في زي مدني. أخذوا هاتفي المحمولين، وأوقفوا تشغيلهما، فتشوني وفتشوا حقائبي اليدوية، وقيدوا يدي إلى وراء ظهري. أخذوني إلى سيارة لا تحمل علامات متوقفة على مدرج المطار - ليس في موقف السيارات ولكن على جانب المعبر حيث توجد المدرجات. وضعوني في الوسط في المقعد الخلفي. كان هناك سائق، ورجل يجلس إلى جواره في الأمام، ورجل على كل من جانبي في الخلف. وضعوا عصابة علي وطلبوا مني أن أضع وجهي إلى الأسفل. ثم وضعوا سترة فوق رأسي وقالوا لي إن لم أتحرك فكل شيء سيكون على ما يرام.
سافرنا لمدة 45 دقيقة. سمعت أبواب حديد تفتح. بعد ذلك سارت السيارة ثم وقفها . أخرجوني، وصفعوني، ولكموني، وأهانوني. فتحوا قيود يادي، وأزالوا قميصي، وأعادوا تقيد يدي إلى الوراء. ثم نزعوا سروالي وملابسي الداخلية. كنت عاريا تماما، ولا أزال معصوب العينين. قيدوا قدمي ثم بدأوا بالمشي بي إلى الأمام، وهم يصرخون في وجهي لأخفض رأسي، ثم لأرفعه، ولأخفضه، ولأرفعه، بينما أمشي. سمعت بابا يفتح. جعلوني أجلس.
كان هناك أكثر من رجل واحد في الغرفة. وقال واحد منهم: "حسنا، احك لنا حياتك". بدأت لأروي لهم قصتي. عندما وصلت إلى الجزء عن لقاء مع مستشار الملك، منير الماجدي، انقضوا علي ولكموني. وضعوا قضيبا حديديا تحت قدمي وشدوا أصفاد الساق حول كاحلي، تأرجحت ساقاي في الهواء، وضربوا قدمي، وداسوا على صدري، الذي كان حينها على الأرض. ظلوا يهينوني ويضحكون. استخدموا قضيبا حديديا لضربي على السيقان، قائلين "أنت ملاكم، سنكسر ساقيه" [33] . وقالوا: "هذا المكان هو مسلخ الرجال. سنجعلك لحما مفروما وسوف تخرج من هذا المكان في علب، و لا أحد سيعرف أي شيء".
بعد هذا، طلبوا مني أن أحكي قصتي مرة أخرى. عندما وصلت إلى الجزء حول الماجدي، بدأوا بضربي مرة أخرى. وفي لحظة، جذبوا ساقي إلى فوق قضيب، وضعوني رأسا على عقب ولفوا بي. إنهم يسمونها "المروحية". استخدمون الصدمات الكهربائية على صدري وقدمي. كنت ما زلت معصوب العينين بحيث لم أستطع أن أرها قادمة؛ بشكل مفاجئ، شعرت بهزة. في لحظة أخرى، علقوني من ذراعي بحيث كانت ركبتاي على الأرض.
واستمر هذا على نحو متقطع لمدة ثلاثة أيام. لم يسمحوا لي بالنوم. كنت عاريا طوال الوقت. إن انزلقت  من مقعدي، سكبوا الماء علي وأسندوني مرة أخرى. في لحظة ما، قيدوا معصمي إلى كرسي لكي لا أسقط أرضا. عمل الرجال في مناوبات، ويدعو كل واحد الآخر بـ "الحاج". طلبت مهاتفة عائلتي، لكنهم ضحكوا فقط. كانوا يضحكون طوال الوقت. لم يعطوني أي طعام، أعطوني الماء فقط.

وقال المومني إن الشرطة لم تخبره في أي وقت من الأوقات بالجرائم التي يشتبه في أنه ارتكبها. وقال إنهم لم يحاولوا حمله على الاعتراف بأي شيء أو سألوه عن عملية الاحتيال المزعومة التي أدين في نهاية المطاف بها. وقال إنهم أمروه فقط بأن يروي قصته مرارا وتكرارا.

على عكس ما تزعمه الحكومة (انظر أدناه)، وعلى عكس ما يتطلبه القانون المغربي، قال كل من المومني وزوجته، تالين المومني، لـ هيومن رايتس ووتش إن أحدا لم يبلغهما أو يبلغ أي قريب آخر بأن المومني قد أخذ إلى الحجز. [34] وقال المومني إنه أعلم أسرته لأول مرة عن وضعه في مساء يوم 30 سبتمبر/أيلول، فقط بعد وصوله إلى سجن سلا، بعد محاكمته.

بينما لم تحقق هيومن رايتس ووتش في العديد من الحالات التي تعني متهمين في المغرب والذين، مثل المومني، واجهوا اتهامات الحق العام، فقد وجدت أن هناك نمط لدى السلطات في التقصير في إبلاغ الأسرة عندما يعتقل رجال الشرطة يرتدون زيا مدنيا مشتبها بهم يجري التحقيق معهم حول ارتباطات بالإرهاب. عادة ما يعلم أفراد الأسرة بمكان وجود قريبهم فقط بعدا يكون قد وقع على محضر وتم عرضه على النيابة العامة أو قاضي التحقيق. [35]

ويعتقد المومني أن المكان حيث احتجز هو معتقل سري في تمارة، خارج الرباط. تنفي السلطات وجود أي منشأة للاستجواب في هذا المكان، والذي هو مقر للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، وهي وكالة استخبارات. ومع ذلك، عشرات من المشتبه بتورطهم في الإرهاب يؤكدون أنهم أخذوا إلى هناك في السنوات التي أعقبت التفجيرات الانتحارية في مايو/أيار 2003، في الدار البيضاء. وقد تم توثيق قضاياهم والاستخدام المكثف لمنشأة الاعتقال السري في تمارة من قبل منظمات حقوق الإنسان. [36]

ليس لدى المومني أي دليل على أنه نقل الى تمارة. كان معصوب العينين أثناء نقله ولم يسمع أي شخص يذكر اسم المنشأة؛ لم تظهر "تمارة" في أي مكان في ملف قضيته. يقدم المومني أدلة ظرفية فقط: إنه يقدر أن السياقة من المطار إلى مكان الاحتجاز استغرقت 45 دقيقة، وهو الوقت وهو وقت يتفق مع مدة الرحلة من مطار الرباط - سلا إلى تمارة. وبالإضافة إلى ذلك، قال إنه سمع أحد المحققين يقول لزميله إنه وصل متأخرا إلى مناوبته لأن سيارته تعطلت، مما اضطره إلى تركها في أسواق السلام (سوق ممتاز كبير في المنطقة المجاورة) ومشى 20 دقيقة. وقال إنه سمع الرجل نفسه يقول إنه سيعود إلى المنزل على متن الحافلة 58، وهو الخط الذي يربط بين تمارة والرباط.

وقال لـ هيومن رايتس ووتش إنه في صباح يوم 30 سبتمبر/أيلول، إن الشرطة أعطوه ملابسه، وصعدوا به مجموعة من السلالم المعدنية، ووضعوه في سيارة. اقتادوه إلى مركز الشرطة في الدائرة الثانية في الرباط، حيث أزالوا العصابة عن عينيه، وحولوا أصفاد يديه من الوراء إلى الأمام. وجد نفسه في غرفة مع 13 رجلا، معظمهم في زي مدني. قالوا له إنه عليه أن يوقع بعض الوثائق لكي يستعيد متعلقاته الشخصية.

وضعوا الوثائق أمامي، لكنهم كانوا يغطون الجزء العلوي من الصفحة. قلت إني أريد أن أقرأ ما أوقع عليه. قالوا: "فقط وقع هنا، وستستعيد أغراضك الخاصة وتكون حرا في الذهاب". عندما أصريت على قراءته، وضعوا العصابة مرة أخرى، وداسوا على قدمي، وهددوا بإعادتي إلى حيث كنت للتو. كنت لا أزال مصفد اليدين. في تلك اللحظة، وقعت على أشياء كثيرة دون أن أعرف ما هي.

قال المومني إنه وجد، فقط في وقت لاحق، في ملف قضيته اعترافه للشرطة وتصريح بتنازله عن حقه في الاستعانة بمحام، وقعه عليهما كليهما ومؤرخين في 30 سبتمبر/أيلول.

بعد أن وقعت، وضعوني في عربة شرطة وقادوني إلى محكمة في الرباط. أزالوا العصابة عن عيني مرة أخرى ولكنهم أبقوا على الأصفاد. في المحكمة، وضعوني في مكتب صغير في الطابق السفلي. في الداخل، كان هناك رجل يجلس على مكتب، واثنين من رجال الشرطة، وشخص يدون ملاحظات. لم يعرف الرجل الذي يجلس وراء مكتب بنفسه أو طلب هويتي. لم أكن أعرف حتى أنه وكيل الملك [37] . وذكر اسمين [اسمي المشتكيين] وسألني سؤالا واحدا: هل أعرف هذين الشخصين؟ أجبت لا. ثم انحنيت إلى أسفل، مع أصفاد لا تزال في يداي ورفعت معصمي سروال الجينز، وأريته ساقي. كانت هناك دماء عليهما وعلى على السروال. قلت: "أنظر ما فعلوه بي". فأجاب: "لا أريد أن أرى ذلك. خذوه إلى الطابق العلوي". قال لي الرجل أن أوقع على ورقة كتبها الموظف. وأوضح: "إنها تقول فقط إنك قلت أنك لا تعرف الرجلين". وقعت دون قراءة. دامت الجلسة كلها دقيقتين.
بعد ذلك رافقوني من الطابق العلوي إلى الطابق الأرضي، حيث وجدت نفسي في قاعة محكمة كبيرة. جاء وكيل الملك أيضا، ووقف في جانب من الغرفة. لم يكن في الغرفة أي أحد غير القاضي ووكيل الملك، والشرطة، وأنا في الغرفة: لا محامين، ولا مشتكين، ولا متهمين آخرين، ولا جمهور. ابتدأ القاضي مباشرة، ولم يطلب مني بياناتي الشخصية؛ سألني فقط إن كنت أعرف المشتكيين. [38]
وقفت وقلت: "كل ما أعرفه هو أنني وصلت يوم 27، وأنا لا أعرف حتى ما هو اليوم". رفعت كفة سروالي وقلت إنني تعرضت للتعذيب والصعق ببالكهرباء. قاطعني القاضي وقال: "خذوه بعيدا".

لا تشير محضر جلسة الاستماع أمام وكيل الملك ولا حكم المحكمة الابتدائية المكتوب إلى أن المومني تحدث في أي من المرحلتين عن تعرضه للتعذيب. ولم يحضر أي من المشتكيين خلال محاكمة 30 سبتمبر/أيلول، على الرغم من أن ملف القضية يتضمن تصريحات مكتوبة مؤرخة في اليوم السابق، والتي وقعها المحامي عبد الصمد راجي الصنهاجي، مؤكدا شكايتهما الأصلية ضد المومني.

يتذكر المومني أنه بعد محاكمته السريعة:

رافقتني الشرطة خارج قاعة المحكمة وإلى زنزانة حيث، ولأول مرة، وجدت نفسي مع معتقلين آخرين. انتظرت 15 دقيقة أخرى، ووضعوني في عربة الشرطة. سألت أين نحن ذاهبون الآن، فأجابوا، "إلى سجن سلا". عندما وصلت إلى السجن، استطعت استعارة هاتف وتحدثت إلى زوجتي للمرة الأولى منذ اعتقالي.
في صباح اليوم الموالي رأيت محاميا للمرة الأولى. [المحامي] عبد الرحيم الجامعي جاء إلى السجن. طلب مني أن أروي له ما حدث. لم يطلع بعد على الملف. رويت له ما ممرت منه، ولكن كنت ما زلت لا أعرف ما هي القضية.

قال الجامعي لـ هيومن رايتس ووتش في وقت لاحق إنه لاحظ، خلال هذه الزيارة، جروحا وكدمات على أحد ساقي المومني. [39] وقال أيضا إن المومني شكا له من ألم في ذراعيه نتيجة تكبيل يديه لأغلب الأوقات خلال ثلاثة أيام.

في 4 أكتوبر/تشرين الأول، وجدت المحكمة المومني مذنبا بالاحتيال وحكمت عليه بالسجن ثلاث سنوات. يستشهد الحكم المكتوب باعتراف المومني باعتبارها الدليل الرئيسي ضده، ويضيف "حيث أن ما ورد في محضر الضابطة القضائية يعد جديرا بالثقة ويمكن تفنيده فقط من خلال إثبات عكس ذلك، وفقا للفصل 290 من قانون المسطرة الجنائية، وهذا ما لم يستطع المدعى عليه القيام به. [40]

قال المومني إنه علم بالحكم فقط في وقت لاحق؛ ولا أحد استدعاه لحضور النطق به.

قدم المحامي الجامعي طلبا باستئناف الحكم في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2010. قدم أيضا ملتمسا إلى المحكمة لاستدعاء المشتكيين وكلف عونا قضائيا بتسليم الاستدعاء للمشتكيين. بحث العون القضائي عن أحد المشتكيين وكتب تقريرا جاء فيه أن صاحب الشكوى لم يتم العثور عليه في العنوان الذي أعطاه. وقال الجامعي إن محكمة الاستئناف أجلت المحاكمة مرتين لأن المشتكيين لم يمثلا. [41]

من منطلق الشك في تصريحات المشتكيين، طلب الجامعي أيضا من المحكمة استدعاء ضابط الشرطة الذي قيل إنه أخذ تصريحاتهما بتاريخ 29 سبتمبر/أيلول 2010، والتي كانت في ملف القضية.

في نهاية المطاف فصلت محكمة الاستئناف في القضية في جلسة واحدة في 13 يناير/كانون الثاني 2011، رئاسة القاضي الهاشمي السليماني. لم يستدع القاضي السليماني المشتكيين أو ضابط الشرطة الذي تلقى شكايتهما. كما هو الحال في المحاكمة ابتدائيا، لم يحضر المحامي الذي يمثل المشتكيين. ولم يتضح بعد سبب عدم حضور المشتكيين، اللذين يفترض أن يطالبا باستعادة الأموال التي يفترض أن المومني قد احتال عليهما بخصوصها، لعرض قضيتهما ضده. ومع ذلك، تحدث المومني هذه المرة، رفقة محاميه الحاضر، مطولا عن تعرضه للتعذيب وأظهر للمحكمة ندوبا على ساقيه.

وأشار حكم محكمة الاستئناف المكتوب إلى تصريحات المومني في المحكمة بأنه لم يكن يعرف متهميه، ولم يأخذ أي أموال منهما، وأنه تعرض للتعذيب في الحجز. ويسجل أيضا أن الدفاع طلب من مثول ضابط الشرطة كشاهد. ولكنها مع ذلك أكدت من جديد الإدانة، مستندة في حكمها على اعتراف المومني للشرطة، والذي اعتبرته ذا مصداقية. ومع ذلك، خفضت عقوبة المومني إلى عامين ونصف. [42]

استأنف المومني إلى المحكمة العليا لإلغاء الحكم. في 29 يونيو/حزيران 2011، أحالت المحكمة القضية على محكمة الاستئناف لإعادة المحاكمة. انتقدت المحكمة العليا، التي حكمت بصفتها محكمة النقض، المحكمة لفشلها، دون إبداء الأسباب، استدعاء ضابط الشرطة الذي أخذ تصريحات المشتكيين، و لفشلها في الاستجابة لطلب الدفاع باستدعاء محامي المشتكيين إلى المحكمة. [43]

تم تأجيل المحاكمة الثالثة، المقرر أن تبدأ في أكتوبر/تشرين الأول 2011، في حين سعت المحكمة إلى مثول المشتكيين. في 15 ديسمبر/كانون الأول 2011، جرت المحاكمة أمام محكمة الاستئناف بالرباط، ومثل متهمو المومني في المحكمة للمرة الأولى. أعاد المشتكيان موضوع شكايتهما المكتوبة. وذكر المومني مرة أخرى أنه بريئ من التهم، وأنه لم يسمع ولا التقى متهميه في حياته.

لاحظ الدفاع عدة تناقضات ومفارقات في شهادة المشتكيين. أولا، اختاروا الادلاء بشهادتهه كشاهدين وليس كمشتكيين، وهو ما يعني أنهما لا يسعيان إلى استرجاع المال الذي زعما أنه نصب عليهم فيه. هذا يبدو غريبا نظرا لأنهما قدما نفسيها على أنهما رجلين يائسين من العثور على عمل، وفي هذه الحالة فالمال الذي كانا قد خسراه من شأنه أن يمثل مبلغا كبيرا بالنسبة لهما.

ثانيا، أشارا في شكايتهما الأصلية المكتوبة وشهادتهما أمام المحكمة إلى الرجل الذي عرف نفسه باسم "سلطان" والذي قدمهما لـ المومني وزعما أنه متواطئ في عملية الاحتيال. يذكر تقرير الشرطة بشأن هذه القضية، بتاريخ 2 فبراير/شباط 2010، "سلطان" كشريك. التمس محامي المومني من المحكمة تحديد واستدعاء المزعوم أنه شريك المومني في الجريمة. ولكن المحكمة لم تقم بذلك في أي وقت من الأوقات أثناء سير الدعوى. برر ممثل النيابة العامة غياب سلطان بالقول إن كل ما يتوفرون عليه هو اسم، ربما كنية فقط، ولا يمكن تحديد مكانه.

كما أشار الدفاع في المحكمة إلى التناقضات بين شهادة المشتكيين التي قدماها أمام المحكمة ومضمون تصريحيهما المكتوبين للشرطة أكثر من سنة قبل ذلك، في ارتباط بمعلوماتهما الشخصية: المدينة التي يقيمان فيها، إن كانا يعملان أم لا، وحالتهما العائلية.

أيدت محكمة الاستئناف في 22 ديسمبر/كانون الأول 2011 الحكم، ولكنها خفضت العقوبة إلى 20 شهرا. وفي 4 فبراير/شباط 2012، أفرج عن المومني بعفو ملكي، بعد أن قضى 17 شهرا في السجن.

قدمت السلطات المغربية لـ هيومن رايتس ووتش دفاعا مكتوبا عن تعامل القضاء مع هذه القضية، معتبرة أنه نفذ اعتقاله ومحاكمته في احترام للقانون في كل مرحلة. هذه مقتطفات رئيسية:

تجدر الإشارة أن هذه الادعاءات لا أساسا لها من الصحة، إذ ثبت من خلال وثائق الملف أن المعني بالأمر وضع تحت الحراسة النظرية بمخفر الشرطة القضائية الخاضع لمراقبة النيابة العامة ابتداء من تاريخ 27/09/2010 على الساعة 18 مساء إلى غاية الساعة 11 صباحا، وبعد أن تتم تمديد مدة الحراسة النظرية في حقه 24 ساعة إضافية، بإذن من النيابة العامة طبقا للمقتضيات القانونية المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية (الفقرة الأولى من المادة 66)، كما أشعرت عائلته بهذا الإجراء.
كما تبين من محضر المعني بالأمر أن الضابطة القضائية استمعت إلى المشتكيين اللذين استطاعا التعرف على المشتكى به من بين عدة أشخص عرضوا عليها.

وحول ما إذا كانت الشرطة قد أبلغت عائلة المومني عن اعتقاله، قالت الحكومة إن تصريح المومني للشرطة يقر بأن الشرطة أبلغت أقاربه [44] . لكن، وكما هو مشار إليه أعلاه، تنكرت المومني لتصريحاته قائلا إنها انتزعت منه خلال التعذيب؛ وقالت زوجته، في الوقت نفسه، إنه لم يعرف أي أحد في الأسرة مكان وجوده إلى أن استطاع الاتصال بهم من سجن سلا يوم 30 سبتمبر/أيلول.

وحول الادعاء بأنه تم انتزاع اعترافاته تحت الإكراه، وبأنه حرم من حقه في الحصول على محام، قال بيان السلطات لـ هيومن رايتس ووتش:

بعد الاستماع إلى المعني بالأمر في محضر قانوني من طرف الشرطة القضائية، تليت عليه تصريحاته ووقع بخط يده على المحضر دون أي إكراه، كما أشعر عند مثوله أمام وكيل الملك بحقه في تنصيب محام للدفاع عنه حالا، إلا أنه اختار الدفاع عن نفسه، سواء أمام النيابة العامو أو أمام هيئة الحكم، وفي المرحلة الاستئنافية كان يؤازره الأستاذ عبد الرحيم الجامعي محامي بهيئة القنيظرة الذي أبدى دفوعاته وتقدم بمرافعته أثناء مناقشة القضية.
والجدير بالإشارة أن المحكمة كونت قناعتها من خلال مناقشتها للقضية وما جاء في محضر الضابطة القضائية الذي يتوفر على قوة ثبوتية في الجنح ما لم يثبت المحامي العكس (المادة 290 من قانون المسطرة الجنائية).

وبخصوص ادعائه تعرضه للتعذيب، أضاف البيان:

المعني بالأمر لم يثر واقعة تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة عن مثوله أمام النيابة العامة، أو أثناء مناقشة قضيته، وحتى بعد استئنافه للحكم الابتدائي، مع الإشارة أن القانون يسمح له بطلب خبرة طبية عند مثوله أمام قاضي المايبة العامة لأول مرة. كما أنه يجب على هذا القاضي الأمر تلقائيا إذا عاين ما يبرر إجرائها ، ولم يعاين وكيل الملك أي آثار لعنف على المتهم، كما أن الأخير لم يطلب إجراء خبرة طبية عليه وأن إدعاء تعرضه للتعذيب لم يظهر إلا بعد مناقشة القضية أمام محكمة الاستئناف وهو ما لم تجد المحكمة ما يؤكده. مع الإشارة أن المعني بالأمر ودفاعه لم يتقدما بأي شكاية في الموضوع، ويبعى من حقه تقديم شكاية للنيابة العامة في مواجهة الأشخاص يدعي أنهم عرضوه للتعذيب.

كما تمت الإشارة إليه أعلاه، تختلف هذه الرواية الرسمية جذريا عن رواية المومني. يؤكد المومني أن السلطات لم تخطر أي قريب عن اعتقاله، وأنهم نقلوه إلى معتقل سري، وأنه تعرض للتعذيب للتوقيع على اعتراف كاذب وتنازله عن حقه في الاستعانة بمحام، وأنه أبرز على الفور التعذيب لكل من وكيل الملك وقاضي الجلسة، وأظهر لهما علامات على ساقيه، وقاموا فقط بمقاطعته وتجاهلا ذكر تصريحاته عن التعذيب في محضر هذه الجلسات.

وفيما يتعلق بادعاءات المومني بالتعذيب، دافعت السلطات عن عدم أخذ المحكمة بها، قائلة إنها تفتقر إلى المصداقية لأنه، وفقا للسلطات، لم يثرها إلا بعد أول محاكمته استئنافيا، وأن وكيل الملك، علاوة على ذلك، لم يلاحظ وجود علامات التعذيب على جسده عندما استقبله الوكيل مباشرة بعد خروجه من الحجز لدى الشرطة.

لا يوجد طرف ثالث يمكنه تأكيد ادعاء مومنى بأنه أثار موضوع تعذيبه في مثوله الأول أمام النيابة أو في محاكمته الأولى، مع تجاهل المحكمة لأقواله. السبب أنه لم يحضر محامون أو شهود خارجيون هذه الجلسات.

في محاكمتين أخرين مبينتين في هذا التقرير، قضيتي بلعيرج وأكديم إزيك، قدمت السلطات المغربية حججا مماثلة للدفاع عن حكم الإدانة، قائلة إن المتهمين لم يثيروا التعذيب وسوء المعاملة حتى مرحلة متأخر من المحاكمة، وبالتالي فإن المحكمة تصرفت بشكل مناسب في عدم أخذ هذه المطالبات بعين الاعتبار. وفي الواقع، على تظهر محاضر المحكمة لهذه الجلسات أن على الأقل بعض من المتهمين في مجموعة بلعيرج وأكديم إزيك أثاروا مزاعم التعذيب في وقت مبكر من العملية. في رأي هيومن رايتس ووتش، لم تأخذ المحاكم على محمل الجد في هذه الحالات ادعاءات المتهمين بتعرضهم للتعذيب حتى عندما يقولون إنهم أثاروها في مرحلة مبكرة.

تقول السلطات في بيان تلقته هيومن رايتس ووتش من وزير الشؤون الخارجية المغربي، في 27 سبتمبر/أيلول 2011 والذي يرد في الملحق الأول، إن التصريحات التي أدلى بها المشتكيين للشرطة ضد المومني ترد فيها تفاصيل هوياتهما، وعناوينهما، وبطاقات التعريف الوطنية. لذلك، فإنه كان من السهل، تقول السلطات ضمنيا، على فريق دفاع المومني الاتصال بهما أو طلب استدعائهما من طرف المحكمة. [45]

ومع ذلك، كما ذكر أعلاه، لم يكن الأمر بهذه السهولة. التمس محامي الدفاع عبد الرحيم الجامعي من المحكمة استدعاء المشتكيين وكلف عونا قضائيا بتسليم الاستدعاءات لهما. وقال الجامعي إن العون القضائي بحث عن أحدهما، وكتب تقريرا يقول فيه إنه لا يستطيع العثور عليه في العنوان المذكور. على الرغم من جهود الدفاع لاستدعائهما، لم يمثل المشتكيين أمام المحكمة في المحاكمتين الأوليين. مثلوا للمرة الأولى فقط بعد أن ألغت محكمة النقض حكم الاستئناف وأمرت بإعادة المحاكمة جزئيا على أساس أن المحكمة لم تبرر فشلها في استدعاء المشتكيين أو محاميهما. عندما مثلا أخيرا أمام المحكمة، خلال ثاني محاكمة استئنافيا، كان المدعى عليه قد قضى بالفعل 15 شهرا في السجن.

محاكمة بلعيرج الجماعية لمشتبهي الإرهاب

بعد مرور أربع سنوات على المحاكمة الجماعية لمشتبهي الإرهاب، التي انتهت بإدانة 35 متهمًا، ما زال 21 من هؤلاء في السجن. وأثارت القضية اهتمامًا واسعًا لأن من بين المتهمين ستة وجوه سياسية، بما في ذلك أربع شخصيات بارزة في أربعة أحزاب: ثلاثة منها إسلامية معتدلة، وآخر اشتراكي. وأصبحت القضية معروفة بلقب زعيم المجموعة المزعوم: عبد القادر بلعيرج.

وفي 29 يوليو/تموز 2009، أدانت محكمة الاستئناف في سلا، التي لها صلاحية النظر في جميع التهم التي تعتمد على قانون مكافحة الإرهاب للعام 2003 في جميع أنحاء البلاد، أدانت جميع المتهمين في المحاكمة الابتدائية ببعض التهم التالية: تعريض الأمن الداخلي للخطر بتكوين عصابة إجرامية بهدف ارتكاب أعمال إرهابية في إطار مشروع جماعي يهدف إلى المسّ الخطير بالنظام العام، وحيازة ونقل أسلحة ومتفجرات لاستخدامها في تنفيذ المخططات الإرهابية، وتزوير وثائق وسرقة هويات، وجمع الأموال والممتلكات لتنفيذ المخططات الإرهابية، وغسل الأموال والسرقة. [46]

وفي 16 يوليو/تموز 2010، أيدت محكمة الاستئناف الأحكام، وخففت عقوبات ستة متهمين. [47] وأكدت محكمة الاستئناف الأحكام في يونيو/حزيران 2011. لكنها أعادت ستة متهمين إلى محاكمة جديدة أدين فيها خمسة مرة أخرى وتمت تبرئة واحد. الأخير هو عبد العظيم التقي العمراني، الذي أتم بالفعل عقوبة السجن ثلاث سنوات.

ورغم أن الحكومة وصفت التنظيم على أنه "من أخطر التنظيمات الإرهابية التي تم تفكيكها مؤخرًا"، [48] لم تتضمن التهم الموجهة إليهم أي أعمال ملموسة تم ارتكابها منذ 2001. علاوة على ذلك، فالأعمال الملموسة المنسوبة إليهم قبل 2001 تضمنت عمليات اغتيال في بلجيكا لم تقم السلطات البلجيكية أبدًا بمحاكمتها، وعملية سرقة في الدار البيضاء تعرض بسببها أشخاص آخرون للمحاكمة والإدانة في منتصف التسعينيات.

كانت جلسات قضية بلعيرج مفتوحة للعموم، وتمكن مراقبون عن هيومن رايتس ووتش ومنظمات دولية ومغربية أخرى من متابعة أطوارها دون عراقيل. وحضرت هيومن رايتس ووتش ثلاثا من بين العديد من الجلسات. وسمح قاضي المحاكمة للمحامين والمتهمين بالحديث، بما في ذلك عن التعذيب الذي قالوا إنهم تعرضوا له. وتم تضمين مزاعمهم في نصّ الحكم. كما وفرت المحكمة مترجمين للمتهمين الذين يتحدثون الفرنسية أفضل من العربية.

إدانات  قضائية اعتمادًا على تصريحات الشرطة دون التحقيق في مزاعم المشتبه فيهم بالتعرض إلى التعذيب ووجود تزوير

اعتمد حكم الإدانة في بشكل كبير على تصريحات يُزعم أن المتهمين أدلوا بها إلى الشرطة (محاضر الشرطة)، وهي تصريحات يؤكد بعضها البعض عندما تتم دراستها معًا، وكلها تُدين جميع المتهمين بالانتماء إلى منظمة إرهابية وُجدت منذ بداية التسعينات إلى أن اعتقلت الشرطة عناصرها في بداية 2009. هذا الاعتماد الكبير على تصريحات الشرطة لإدانة المتهمين كان متكررًا في محاكمات أخرى في حق مشتبهي الإرهاب في المغرب. [49]

وكما بينت هيومن رايتس ووتش في تقاريرها السابقة حول قضية بلعيرج، [50] فان المساس الرئيسي بحق المتهمين في محاكمة عادلة تمثل في فشل المحكمة في بذل جهد واضح لتحديد مصداقية مزاعمهم بالتعرض إلى التعذيب، وتزوير أقوالهم، وأعمال غير قانونية أخرى. وإذا ما صحّت هذه الأعمال، فإنها تستدعي الملاحقة باعتبارها انتهاكًا للقانون المغربي، وتعطي مصداقية لمزاعمهم بأن التصريحات التي نقلتها الشرطة لم تكن دقيقة، ولا يمكن الاعتماد عليها باعتبارها أدلة قانونية. كان الدليل الوحيد المهم الذي تم استخدامه في المحكمة هو وجود مخزن للأسلحة. ولكن المحاكمة اعتمدت على أدلة قليلة تبرز علاقة المشتبه فيهم بالسلاح غير اعترافاتهم. ولم يعتمد نصّ الحكم المكتوب على الأسلحة كدليل إدانة. [51]

وتمثل الخط الرئيسي الذي اعتمد عليه دفاع المشتبه فيهم في الطعن في دقة تصريحات الشرطة، وفي طواعية التصريحات التي نقلتها الشرطة عن زملائهم المتهمين. وإذا توصلت المحكمة إلى أنه لا يمكن الاعتماد على تصريحات الشرطة كدليل، ربما يتم إطلاق سراحهم لعدم وجود أدلة دامغة ضدّهم. وأنكر بعض المشتبه فيهم "الاعترافات" أمام قاضي التحقيق. وقال بعضهم للمحكمة أثناء أول مثول أمامها إنهم تعرضوا إلى التعنيف على يد الشرطة، بينما لم يقم آخرون بذلك إلا بعد مرور شهور على بدء المحاكمة. وطعن آخرون في التصريحات لأسباب أخرى غير التعذيب، فقد قالوا إن الشرطة لم تعرضهم إلى العنف الجسدي بينما احتالت عليهم بإدراج توقيعاتهم في صيغ مزورة من التصريحات التي قاموا بمراجعتها والموافقة عليها. وفي كل الحالات، ومع بلوغ مرحلة المحاكمة، أنكر جميع المشتبه فيهم الاعترافات المنسوبة إليهم.

زوجات متهمي قضية "بلعيرج"، 14 سبتمبر/أيلول 2012. من اليسار إلى اليمين: حورية عامر، سميرة الرماش، ميمونة البش، زوجات كل من مختار لقمان (يقضي عقوبة بالسجن 15 عاماً)، منصور بلاغديش (أطلق سراحه في فبراير/شباط 2013 بعد أن قضى 5 سنوات في السجن) وأحمد خوشياع (يمضي عقوبة 8 سنوات).

©2013 Eric Goldstein/Human Rights Watch

وفي نهاية المطاف، رفضت المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف جهود المشتبه فيهم في إنكار تصريحات الشرطة. وفسر الحكم الكتابي الصادر عن المحكمة الابتدائية أحكام الإدانة على أن مزاعم المشتبه فيهم فيما يتعلق بالإكراه والتزوير كانت "غير مُثبتة"، وتم التصريح بها في وقت متأخر من مسار المحاكمة، وفي جميع الحالات تم تقويضها على مستوى التفاصيل بعد التثبت من تصريحات مختلف المتهمين بشكل جماعي. وخلُص الحكم إلى أن:

حيث أنه لم يثبت للمحكمة من خلال الاطلاع على وثائق الملف أن المتهمين تعرضوا للاختطاف والاحتجاز والتعذيب وأن الدفاع لم يدل بما يثبت ذلك وأن الشكايات المقدمة من طرف ذويهم لا يمكن أن تكون وسيلة إثبات لهذه الحالة، أما فيما يخص التعذيب فإن المتهمين والدفاع لم يثيروا ذلك في ابانه امام النيابة العامة أو أمام السيد قاضي التحقيق لاتخاذ الإجراء المناسب وأن المتهمين الذين صرحوا أمام السيد قاضي التحقيق بأنهم تعرضوا للتعذيب، فإنه لم يطلبوا إجراء خبرة طبية عليهم لإثبات ذلك وأن قاضي التحقيق لم يلاحظ عليهم أي عنف ظاهر مما يتعين رد الدفع المذكور. [52]

واعتمد نص حكم الاستئناف، الذي ثبّت جميع الإدانات وعددها 35 ولكنه خفف بعض العقوبات، على نفس التمشي.

يتعين على المحكمة أن تكون يقظة عندما تكون القضية معتمدة بشكل كامل على تصريحات المشتبه فيهم كما روتها الشرطة، تُجرّم بعضهم البعض، وعندما تفتقر القضية إلى أشكال أخرى من الأدلة التي يمكن التثبت منها من قبيل شهادات شهود العيان، والتقارير المختبرية، والتصنت على المكالمات الهاتفية أو المراقبة بالكاميرات بشكل مرخص فيه، وتقارير المخبرين، وبصمات الأصابع، وغيرها من أنواع الأدلة الجنائية.

وكيف يمكن تصديق تقرير قاضي التحقيق وكل المشتبه فيهم اعترفوا في غضون أيام معدودة وبشكل طوعي بجرائم خطيرة جدًا؟ وعلى سبيل المثال، ورّط مصطفى المعتصم ومحمد المرواني، وكل  منهما رئيس لحزب سياسي، أنفسهم وأشخاص آخرين في سنوات من التخطيط للقيام بأعمال عنيفة، بما في ذلك المتاجرة في الأسلحة، ومحاولة سرقة عربة لنقل الأموال، ومحاولة اغتيال مواطن يهودي.

ولكن المشتبه فيهم زعموا أن اعترافاتهم انتزعت منهم تحت التعذيب أو سوء المعاملة، أو تعرضت للتزوير. وأمام هذه المزاعم، كان يتعين على المحكمة محاولة معرفة ما إذا كانت الشرطة قد حصلت على الاعترافات بطريقة قانونية قبل اعتمادها كأدلّة. إلا أن ملف القضية لا يحتوي على أي فحوصات طبية أجريت على المتهمين، ولا يوجد في الحكم الكتابي الصادر عن المحكمة أي إشارة إلى أنه تم بحث المسألة.

وفيما يتعلق بالقيمة الإثباتية للمحاضر التي أعدتها الشرطة، ينصّ قانون المسطرة الجزائية، كما أسلفنا الذكر، على تعليمات مختلفة حسب خطورة الجريمة: إذا كان المشتبه فيهم متهمون بجرائم صغيرة تتطلب عقوبات لا تتجاوز خمس سنوات سجنًا، يُمكن للمحكمة أن تعتبر محاضر الشرطة جديرة بالثقة في غياب أي دليل يناقضها. ولكن في القضايا التي يواجه فيها المشتبه فيهم عقوبات بالسجن لمدة تتجاوز خمس سنوات، مثل قضية بلعيرج، فإن على المحكمة اعتماد محاضر الشرطة كما تعتمد أي دليل آخر، وأن لا تفترض أنها موثوق فيها. [53]

وعندما لا تظهر على المشتبه فيه علامات تعذيب جسدي، أو عندما يُنكر الاعترافات المنسوبة إليه في وقت لاحق من المحاكمة، فان ذلك ليس سببًا كافيًا حتى ترفض المحكمة جميع مزاعمه. وتوجد عديد الأسباب التي تجعل المشتبه فيه يعترف بشيء ما ولكنه يتراجع عنه في وقت لاحق إضافة إلى الرغبة في تجنب العقاب. كما توجد طرق للتأكد من مصداقية مزاعم التعذيب بعد أن تمر عليه أسابيع أو أشهر، وحتى في غياب آثاره.

ويبدو أن المحكمة لم تبذل عناية كافية للتثبت من مزاعم المشتبه فيهم في قضية بلعيرج فيما يتعلق بالأدلة المستخدمة ضدّهم، واعتمدت بشكل كبير على الاعترافات التي عارضها المشتبه فيهم، وهو ما قلّص من نزاهة المحاكمة.

خلفية قضية بلعيرج

بينما أقام المغرب محاكمات لمجموعات من المشتبه فيهم يُزعم أنهم ينتمون إلى منضمات إرهابية، فان قضية بلعيرج تُعتبر أول محاكمة في الماضي القريب تشمل وجوه سياسية.

وبُعيد الإعلان عن اعتقال المشتبه فيهم في فبراير/شباط 2008، قال شكيب بنموسى، وزير الداخلية آنذاك، للبرلمان إن المجموعة على علاقة بالقاعدة. [54] واستنادًا إلى التهم، تأسست المنظمة في 1992. ورغم أن هذه المنظمة وُجدت لمدة 15 سنة قبل أن تم "تفكيكها"، إلا أن عدد الأعمال الإجرامية المنسوبة لها قليل جدا، وكلها تعود إلى سنة 2001 وقبلها. ومن بين هذه الأعمال تهريب الأسلحة إلى المغرب، سرقة متجر ماكرو في الدار البيضاء في 1994، وإطلاق النار وإصابة مواطن يهودي في الدار البيضاء في 1996، ومحاولة سرقة عربات لنقل الأموال بين 1994 و2001. أما في الفترة الممتدة بين 2001 واعتقالهم في 2008، فقد بقي المشتبه فيهم متهمين بمراقبة أهداف أخرى، ولكن ليس بتنفيذ اعتداءات أو سرقات أو جرائم خطيرة أخرى.

جرت المحاكمة في محكمة الاستئناف في سلا، التي لها صلاحية النظر في المحاكمات الابتدائية التي يتم فيها توجيه تهم عملا بقانون مقاومة الإرهاب. وقام القاضي عبد القادر ال شنتوف بترؤس مرحلة "التحقيق" في ربيع 2008 وقدم تقريره إلى المحكمة في 25 يوليو/تموز من نفس السنة. وبدأت المحاكمة في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2008، برئاسة القاضي عبد العزيز بنشقرون، وانتهت في 27 يوليو/تموز 2009.

ومن بين الشخصيات السياسية الستة يوجد ثلاثة مشتبه فيهم من أحزاب إسلامية معتدلة ورابع من حزب اشتراكي:

·        مصطفي المعتصم (مولود في 1954)، رئيس حزب البديل الحضاري، وهو حزب قانوني شارك في الانتخابات التشريعية سنة 2007 ولكنه لم يفز بأي مقعد.

·        محمد أمين الركالة (مولود في 1959)، الناطق الرسمي باسم نفس الحزب.

·        محمد المرواني (مولود في 1959)، رئيس حركة الأمة، الذي اتبع الإجراءات القانونية للتسجيل كحزب سياسي ولكنه لم يحصل على موافقة في الوقت الذي تمت فيه الاعتقالات.

·        عبادلة ماء العينين (مولود في 1963)، وهو عضو المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، أهم حزب إسلامي في البلاد بـ 46 مقعدًا في البرلمان في الوقت الذي تمت فيه الاعتقالات.

·        عبد الحفيظ السريتي (مولود في 1965)، مراسل قناة المنار، وهي قناة فضائية تابعة لـ حزب الله اللبناني.

·        حميد نجيبي (مولود في 1969)، عضو المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد، وهو حزب صغير متحالف مع حزبين آخرين لهم خمسة مقاعد في البرلمان.

 

استنادًا إلى لائحة التهم [55] ، عقد المشتبه فيهم اجتماعًا في طنجة سنة 1992 قرروا فيه مواصلة هدفهم المتمثل في إقامة دولة إسلامية في المغرب بتأسيس منظمة سرية لها جناح سياسي وآخر عسكري. وتوجد مزاعم على أن مصطفى المعتصم ومحمد المرواني، وبعض المشتبه فيهم الآخرين ومنهم عبد القادر بلعيرج، حضروا الاجتماع الذي عُقد في 1992. وأطلقوا على المنظمة، أو على أجزاء منها، أسماء "الاختيار الإسلامي" و"جند الله". وزعمت النيابة العامة أن المجموعة ناقشت اغتيال وزراء في الحكومة، وضباط من الجيش، ويهود مغاربة لزعزعة استقرار البلاد، وتنفيذ سرقات لتمويل أنشطتها. واستنادًا إلى لائحة الاتهام، فإن دور عبد القادر بلعيرج كان تمويل المنظمة والحصول على أسلحة لها.

موقف السلطات المغربية من محاكمة بلعيرج

استنادًا إلى السلطات المغربية فإن "جميع مراحل المحاكمة في هذا الملف مرت في ظروف روعيت فيها ضمانات المحاكمة العادلة، وخاصة ما يتعلق بمؤازرة الدفاع للمتهمين، وتوفير شروط المناقشة العلنية وحضور الشهود والمترجمين واستعمال وسائل الإثبات". [56]

وردّت السلطات على أكثر المزاعم جدية  ضد عدالة المحاكمة، حيث زعم بعض المشتبه فيهم أن المحققين استخدموا العنف ليجبروهم على التوقيع على تصريحات مزيفة، حيث قالت السلطات إن المشتبه فيهم لم يقدموا شكواهم في فرص سابقة، ولذلك أصبح من الصعب على المحكمة التحقيق في هذه المزاعم وتصديقها:

تم الادعاء بأنهم تعرضوا للتعذيب. تجدر الإشارة في هذا الصدد أن مقتضيات المادتين 99 و134 من قانون المسطرة الجنائية تنص على أنه يجب على كل من الوكيل العام للملك وقاضي التحقيق أن يستجيبا لطلبات المتهم الذي كان موضوعًا تحت الحراسة النظرية أو لطلب دفاعه الرامي إلى إخضاعه لفحص طبي. كما يتعين على الوكيل العام للملك وقاضي التحقيق أن يأمرا تلقائيًا بالفحص الطبي إذا لاحظا على المتهم علامات تبرر إجراءه بالإضافة إلى أن المتهمين المذكورين لم يثيروا هذا الدفع عند مثولهم أمام الوكيل العام للملك أو قاضي التحقيق، كما أن هذا الأخير لم يُعاين وجود أية علامات من شأنها أن تبرر أمره التلقائي بإجراء خبرة طبية عليهم. [57]

كما عبّر محمد عبد النبوي، مدير الشؤون الجنائية والعفو بوزارة العدل والحريات، على موقف مماثل، بالقول:

مثُل المشتبه فيهم أمام النائب العام ثم بعد ذلك، في نفس اليوم، أمام قاضي الحقيق. كما حضر محاموهم في أول يوم تم الاستماع إليهم. وبعد ذلك بعشرة أيام، بدأنا نسمع شكاوى التعذيب. لم يلاحظ النائب العام أي علامات للتعذيب. لقد كان لديهم محامون، لماذا لم يُطالبوا بتحقيق في ذلك الوقت؟ كما أن المحامين لم يطالبوا بفحص طبي في بداية التحقيق، وهو وقت مناسب للقيام بذلك. نحن نحاول حماية الناس، لكن إذا لم تتوفر لهم أدلة... [58]

هذان التصريحان اللذان قدمتهما السلطات يزيفان حقائق متعلقة بقضية الحال، ويفترضان أنه لا يمكن تصديق مزاعم التعذيب إلا إذا تم تقديمها في أول فرصة سانحة لذلك.

قام بعض المشتبه فيهم في قضية بلعيرج، وليس جميعهم، بإعلام المحكمة بمزاعمهم المتعلقة بسوء المعاملة في أول فرصة سانحة لذلك. وعلى سبيل المثال، يُشير محضر الاستماع لـ عبادلة ماء العينين إلى أنه اشتكى عند مثوله لأول مرة أمام قاضي التحقيق عبد القادر الشنتوف في 28 فبراير/شباط 2008، بعد مرور تسعة أيام على اعتقاله، اشتكى من أن الشرطة كانت تضربه وتهين أفرادا من عائلته. [59] ورغم أن محاضر المحكمة الخاصة بـ ماء العينين أشارت إلى تشكياته، لا توجد أي إشارة إلى التحقيق في ما إذا كانت المزاعم المتعلقة بأعمال العنف غير القانونية التي مارستها الشرطة ذات مصداقية. وذكر حكم المحكمة أن محامي ماء العينين طلب من القاضي في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2008 الأمر بإجراء فحص طبي عليه، ولكن المحكمة رفضت ذلك.

المتهم محمد الشعباوي، وهو ضابط شرطة رفيع المنصب اتهم بمساعدة منظمات إرهابية من داخل صفوف قوات الأمن، أخبر هيومن رايتس ووتش بأنه في مثوله الأول أمام قاضي التحقيق شنتوف، طالب بفحص طبي وأنزل سرواله ليظهر للقاضي الندبات والكدمات التي قال إنها نتيجة تعرضه للركل أثناء الاستجواب. لكن القاضي لم يأمر بالفحص ولا هو سجل ما رآه من علامات على جسد الشعباوي. [60] عندما مثل الشعباوي للمرة الثانية أمام قاضي التحقيق بعد أسابيع، كانت آثار العنف قد تماثلت للشفاء ولم تعد هناك جدوى من طلب فحص طبي، على حد قوله.

محمد الشعباوي، 16 مايو/أيار 2013. ضابط شرطة كبير أدين في قضية "بلعيرج". خرج الشعباوي من السجن في فبراير/شباط 2013 بعد أن أتم عقوبته بمدة خمس سنوات.

©2013 Eric Goldstein/Human Rights Watch

وقال أحمد خوشياع، وهو مشتبه فيه آخر، لقاضي التحقيق أثناء مثوله لأول مرة أمامه إن أعوان الدولة استخدموا "العنف" ضدّه، وإن مضمون محاضر الشرطة كان مزورًا. ذكر ذلك تقرير القاضي شنتوف في الصفحات 133ـ134. [61] وفي وقت لاحق أيضًا، أنكر أحمد خوشياع، وهو من مواليد 1966، الاعترافات التي قدمتها الشرطة، وتحدث عن اختطافه واحتجازه بمعزل على العالم الخارجي والمعاملة السيئة التي لقيها رهن الاعتقال. كما قال المتهم لقاضي التحقيق إن أعوان الدولة قاموا باختطافه وتعذيبه، كما يذكر ذلك تقرير القاضي في الصفحة 100.

واستنادً إلى نصّ الحكم الصادر عن المحاكمة الابتدائية، اعترض قرابة ثُلثي المشتبه فيهم على جميع محاضر الشرطة أو جزء منها عندما مثلوا أمام قاضي التحقيق. ولا تعلم هيومن رايتس ووتش كم من المشتبه فيهم الآخرين زعموا أنهم تعرضوا إلى التعذيب وفي أي وقت أفصحوا عن ذلك في فترة التحقيق التي دامت عدّة شهور. ولكن بعض محامي الدفاع طلبوا من قاضي التحقيق شنتوف بفتح تحقيق في مزاعم موكليهم بالتعرض إلى التعذيب. ولما رفض القاضي شنتوف ذلك، استأنفوا المطلب فنظر فيه قاض من محكمة الاستئناف ورفضه هو الآخر.

لم يزعم جميع المشتبه فيهم أنهم أُجبروا على توقيع اعترافاتهم تحت تأثير التعذيب، فالشخصيات السياسية الستة ضمن المشتبه فيهم زعموا أن الشرطة خدعتهم وجعلتهم يوقعون على صيغ مزورة من التصريحات التي قاموا بمراجعتها ووافقوا عليها. في حين رفض المتهم الشعباوي أن يوقع على أقواله للشرطة، رغم أنه يقول إن أعوان الشرطة لكموه وركلوه أثناء الاستنطاق. [62]

ويبدو أن المحكمة اكتفت بترك المشتبه فيهم يتحدثون عن الانتهاكات التي قالوا إنهم تعرضوا لها ووجهت لهم أسئلة روتينية، ولكنها لم تفتح تحقيقًا خاصًا في مدى مصداقية المزاعم المتعلقة بالتعذيب وتزوير الوثائق. فلا قاضي التحقيق ولا قاضي المحاكمة طرح أسئلة للتثبت من مزاعم المشتبه فيهم أو طالب بعرضهم على خبير ليفحصهم ويتقابل معهم لمحاولة التأكد من مصداقية وطواعية اعترافاتهم. في المقابل، رفضت المحكمة مزاعم المشتبه فيهم المتعلقة بالتعذيب كليةً. ورفضت أيضاً محكمة الاستئناف المزاعم، قائلة بأنها لم تكن "مثبتة"، ولم "يثيروا ذلك في إبانه"، وأن المتهمين "لم يطلبوا إجراء خبرة طبية عليهم لإثبات ذلك وأن قاضي التحقيق لم يلاحظ عليهم أي عنف ظاهر ". [63]

ضرورة التحقيق في كل شكوى ذات مصداقية تتعلق بالتعذيب بغض النظر عن توقيت تقديمها

إن التحجج بأن المشتبه فيهم في قضية بلعيرج لم يثيروا مزاعم التعذيب في الوقت المناسب يُعتبر إشكالا لأسباب عديدة.  وكما تمت الإشارة إلى ذلك، اشتكى بعض المشتبه فيهم من التعذيب في أول فرصة كانت سانحة. ولا تعلم هيومن رايتس ووتش ما إذا طالب الأشخاص الذين اشتكوا بشكل رسمي بإجراء فحوص طبية عليهم في ذلك الوقت. ولكن حتى إن لم يفعلوا، كان يُفترض من المحكمة الاستجابة لشكاوى التعذيب وسوء المعاملة لسببين اثنين. أولا لأن القانون المغربي يُجرّم التعذيب، ولذلك فالمشتكون زعموا أن الشرطة ارتكبت جريمة. كان يُفترض أن تثير هذه المزاعم اهتمام النائب العام، ولا يبدو أن ذلك حصل فعلا في أي قضية قامت هيومن رايتس ووتش بالبحث فيها.

ثانيًا، ينص القانون المغربي على أن أي اعتراف يتم انتزاعه "بالعنف أو الإكراه" لا يمكن اعتماده كدليل (المادة 293 من قانون المسطرة الجنائية المغربي). ولذلك عندما يقدم المتهمون مزاعم من هذا النوع، يُصبح هذا النصّ القانوني ملزمًا للمحكمة كي تتحقق في مدى جديته لضمان عدم استخدام أي اعتراف تم انتزاعه "بالعنف أو الإكراه" كجزء من الأدلة. وهذا ما يجب أن ينجر عنه الأمر بفتح تحقيق مستقل في المزاعم أو السعي إلى التعمق في الموضوع باستجواب المتهم حول مزاعمه، وفحص باقي الأدلة ذات الصلة واستدعاء شهود، بمن في ذلك الذين كانوا يمارسون سلطة عليه أثناء الاستجواب.

لاحظت الشرطة بشكل صحيح أن بعض المعتقلين في قضية بلعيرج، على الأقل، أكدوا وهم في صحبة محاميهم على صحة محتوى محاضر الشرطة عندما مثلوا أمام قاضي التحقيق، ولكنهم حاولوا إنكار اعترافاتهم في مرحلة لاحقة من المحاكمة. كما لاحظت بشكل صحيح أن مرور الزمن على خروج الأشخاص من الاعتقال لدى الشرطة يُعقد مهمة التأكد من مصداقية مزاعمهم بالتعرض إلى التعذيب.

توجد العديد من الأسباب التي من شأنها أن تجعل المشتبه فيهم يؤكدون على أن الاعترافات التي دونتها الشرطة ليست "دقيقة". وعلى سبيل المثال، فسّر عبد القادر بلعيرج نفسه لقاضي المحاكمة السبب الذي جعله يؤكد على صحة محاضر الشرطة أمام القاضي التحقيق ليتراجع بعد ذلك ويقوا إن اعترافاته تعرضت إلى التزوير. وقال عبد القادر بلعيرج لقاضي المحاكمة إن المحققين هددوه بـ "مزيد من التعذيب" إذا تراجع عن اعترافاته أمام قاضي التحقيق. واستنادًا إلى نصّ الحكم، قال عبد القادر بلعيرج في 2 أبريل/نيسان 2009 في المحكمة إن أحد الأعوان الذين يزعم أنهم قاموا بتعذيبه كان حاضرًا في غرفة تحقيق القاضي الشنتوف عندما كان يستجوبه حول اعترافاته. وقال محامي الدفاع عبد الرحيم الجماعي لـ هيومن رايتس ووتش إنه طلب من قاضي المحاكمة استدعاء القاضي الشنتوف للإجابة على أسئلة تتعلق بجلسته، ولكنه رفض الطلب.

واستنادًا إلى أحد أقارب واحد من المشتبه فيهم الآخرين، وكان قد حضر جلسة 9 أبريل/نيسان 2009، فسر المتهم محمد اليوسفي لقاضي المحاكمة بنشقرون إنه أكد على صحة محاضر الشرطة عند مثوله أمام قاضي التحقيق في 1 يوليو/تموز 2008 لأن الشرطة هددته بالعنف إذا تراجع عن أقواله. [64]

كما قال متهمون في قضايا أخرى لـ هيومن رايتس ووتش إن مثولهم لأول مرة أمام المدعي العام أو قاضي التحقيق لم يكن مناسبًا للحديث عن التعذيب أو إنكار محاضر الشرطة. وعادة ما تكون هذه الجلسات الأولى روتينية ولا تتجاوز بضع دقائق. ويطرح فيها المدعي العام أو القاضي أسئلته بشكل سريع حول هوية المتهم دون أن ينظر إليه أصلا. ويتعرض المتهم، الذي نادرًا ما يكون له محام يُمثله في هذه الجلسة، إلى التخويف بسهولة. [65]

إجراءات اعتقال واحتجاز غير قانونية، وإثباتها من شأنه تدعيم مصداقية مزاعم التعذيب

يوجد في قضية بلعيرج أسباب أخرى تشجع على أخذ مزاعم المشتبه فيهم مأخذ الجدّ. ويتمثل السبب الأول في كون بعض المشتبه فيهم زعموا أنهم تعرضوا إلى ظروف احتجاز، إن كان ذلك صحيحًا، فيها انتهاك للقانون المغربي، وهو ما يشير شكوكًا في ما إذا كانت اعترافاتهم قد قدمت عن طواعية. 

يسمح القانون المغربي للشرطة بوضع المعتقلين المشتبه في ارتكابهم لجرائم إرهابية رهن الاحتجاز السابق للمحاكمة لمدة أقصاها 12 يومًا. [66] ويوفر القانون للمعتقلين بعض أنواع الحماية، بما في ذلك التأكد من إعلام عائلاتهم بمجرد وضع أحدهم رهن الاحتجاز، [67] وأن لا يتم الاحتجاز إلا في مكان احتجاز معترف به، [68] وأن الاحتجاز، الذي يمكن أن يدوم 12 يومًا، يجب أن لا يتم بمعزل عن العالم الخارجي طيلة مدة الاحتجاز، وهو ما يعني أنه يحق للشخص المحتجز الالتقاء بمحام في الأيام الأربعة الأولى لاحتجازه، وهي مدة قابلة للتمديد بيومين اثنين إذا وافق النائب العام على ذلك . [69]

هذه الأحكام القانونية من شأنها أن تجعل الأمر أكثر صعوبة إذا حاولت الشرطة استخدام وسائل إكراه غير قانونية ضدّ أحد المحتجزين، وانتهاكها قد يساعد على توفير أدلة ظرفية على أن الشخص المحتجز قد تعرض إلى الإكراه ليعترف بشيء ما. 

وزعم ا ل عديد من المشتبه فيهم في قضية بلعيرج أنهم كانوا ضحايا لانتهاكات جسيمة لقوانين الاعتقال والاحتجاز. وقال عبد القادر بلعيرج، القائد المزعوم، للمحكمة إن السلطات قامت باعتراضه في أحد شوارع مراكش في يناير/كانون الثاني 2008، وليس في 18 فبراير/شباط كما قالت السلطات، وأنه تعرض إلى الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي لمدة شهر كامل قبل أن يُعرض على قاض.

كما تعرض مختار لقمان، وهو مشتبه فيه آخر في نفس القضية، إلى الاحتجاز لفترة أطول مما يسمح به القانون دون أن تقوم السلطات بإعلام عائلته بذلك، بحسب ما قالته زوجته حورية عامر. كما قالت لـ هيومن رايتس ووتش إن زوجها، وهو تاجر من مواليد 1958، غادر منزله في سلا في اتجاه العمل حوالي الساعة التاسعة صباحًا من يوم 2 فبراير/شباط 2008، ولكنه لم يعد في آخر المساء كما كان معتادًا. وأضافت أن عائلته أمضت أكثر من أسبوعين ونصف تبحث عنه في مراكز الشرطة والمستشفيات، وتملأ استمارات الأشخاص المفقودين في مراكز الأمن، دون أن تعثر له على أثر. [70] ولم تعلم العائلة باحتجازه إلا في حوالي 20 فبراير/شباط 2008 عندما أعلن وزير الداخلية شكيب بنموسى عن تفكيك شبكة إرهابية، وظهرت قائمات في أسماء الأشخاص المحتجزين على الانترنت. كما قالت حورية عامر إن زوجها لم يتعرض أبدًا إلى الاعتقال قبل ذلك.

وتم اعتقال المشتبه فيه أحمد خوشياع على يد أعوان شرطة في لباس مدني دون أن يعرفوا بأنفسهم قرب منزله في مدينة القنيطرة على الساعة الحادية عشر والنصف مساءً يوم 27 يناير/كانون الثاني 2008، بحسب زوجته ميمونة البش. كما قالت زوجته إن عائلته لم تتمكن من الحصول على معلومات عليه لمدة ثلاثة أسابيع، وهو وكيل أسفار لم يتعرض في حياته إلى الاعتقال أبدًا. وقامت عائلته بتحرير ثلاثة محاضر في شخص مفقود قبل أن يعلموا أنه محتجز لدى الشرطة.

وتتناسب مزاعم المشتبه فيهم في قضية بلعيرج فيما يتعلق بفترات الاحتجاز المطولة وعدم إعلام عائلاتهم بذلك مع معاملة متهمين في قضايا إرهاب أخرى كما قامت بتوثيقها هيومن رايتس ووتش ومنظمات أخرى. [71]

ولكن يبقى من الصعب إثبات احتجاز المشتبه فيهم لفترات مطولة بشكل غير قانوني. ويمكن للمشتبه فيه أن يعتمد على التاريخ الذي قامت فيه عائلته بالإعلام عن فقدانه، وأحيانًا يقوم بتحديد شهود شاهدوا اختطافه على يد أشخاص في ملابس مدنية، ولكن تواريخ الاعتقال والعرض على المحكمة التي تُدون في محاضر الشرطة دائما لا تتجاوز الآجال المسموح بها. ورغم أن المعتقلين يزعمون أن الشرطة تزور تاريخ الاعتقال بتأخيره إلى وقت لاحق، إلا أنهم لا يمتلكون أي دليل مادي على ذلك.

في قضية بلعيرج، رفضت المحكمة مزاعم المشتبه فيهم المتعلقة بالاحتجاز غير القانوني على أنها "غير مثبتة". ولا يوجد في الحكم الكتابي، الابتدائي والاستئنافي، أي إشارة إلى أن المحكمة حاولت التثبت من مصداقية هذه المزاعم باستجواب المشتبه فيهم عن كل الجزئيات أو باستدعاء شهود يقدمون معلومات عن مصداقيتها. وخلُص الحكم إلى أن:

حيث إنه لم يثبت للمحكمة من خلال الاطلاع على وثائق الملف أن المتهمين تعرضوا للاختطاف والاحتجاز والتعذيب وأن الدفاع لم يدل بما يثبت ذلك وأن الشكايات المقدمة من طرف ذويهم لا يمكن أن تكون وسيلة إثبات لهذه الحالة أما فيما يخص التعذيب فإن المتهمين والدفاع لم يثيروا ذلك في إبانه أمام النيابة العامة أو امام قاضي التحقيق لاتخاذ الإجراء المناسب وأن المتهمين الذين صرحوا أمام قاضي التحقيق بأنهم تعرضوا للتعذيب فإنه لم يطلبوا إجراء خبرة طبية عليهم لإثبات ذلك وأن قاضي التحقيق لم يلاحظ عليهم أي عنف ظاهر مما يتعين رد الدفع المذكور. [72]

 

وأيد الحكم الاستئنافي ما خلصت إليه المحكمة الابتدائية، مستعملا نفس اللغة. [73]

وتشير دراسة محاضر الشرطة حول اعترافات المشتبه فيهم مختار لقمان وأحمد خوشياع ومنصور بلاغديش، والجهود التي بذلوها منذ مرحلة "التحقيق" لإنكار هذه الاعترافات، تشير إلى أن المحكمة فشلت في التثبت بشكل جدّي في ما إذا كانت هذه الاعترافات قد انتزعت بطرق غير قانونية.

كان الشعباوي، وهو من مواليد 1962 وأب لأربعة أطفال، رئيس مركز للشرطة في مدينة فاس عندما اعتقله رجال من الشرطة القضائية يرتدون زيا مدنيا في تلك المدينة في 18 فبراير/شباط 2008. وقال شعباوي إنهم نقلوه إلى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية في المعاريف في الدار البيضاء، و احتجزوه هناك في عزلة لمدة 9 أيام؛ غير قادر على الوصول إلى محام أو أسرته. وقال الشعباوي لـ هيومن رايتس ووتش بشأن استنطاقه :

حوالي ساعتين بعد الوصول إلى المعاريف، عصبوا عيني وقيدوني، وأخذوني إلى مكتب، جعلوني أجلس على كرسي. بدأ رئيس الفرقة الوطنية للشرطة القضائية يطرح على أسئلة. أولا، سألني إن كنت أعرف محمد المرواني. قلت: "نعم، إنه جاري في الرباط". وتابع "المرواني هو عضو في منظمة إرهابية والتي كانت تهرب الأسلحة إلى المغرب ". أجبته "وما علاقتي بذلك؟" ثم سألني عما أعرفه عن المرواني وأيديولوجيته، ولماذا لم أقدم أبدا تقريرا أفيد فيه ما أعرفه عنه. وعندما كررت أني أعرف المرواني فقط كجار لي ولم أعط الإجابات التي يريدونها، لكموني على وجهي وركلوني على ساقي. ثم أعادوني إلى زنزانتي.

قال الشعباوي إنه عندما وضعوه في زنزانته، قدم له الحراس الطعام والشراب وعاملوه بشكل عادي. ولم يكن لا مكبل اليدين ولا معصوب العينين. وتابع:

في اليوم الثاني، قيدوني وعصبوا عيني وأخذوني إلى غرفة. سألني المحققون عن علاقاتي مع منظمات إرهابية وعما إذا كنت قد زودتهم بمعلومات عن الشرطة. مرة أخرى، وعندما لم يعطهم الإجابات التي أرادوها، ضربوني.
في ذلك المساء، أحضروني إلى مكتب وقدموا لي محضرا من 26 صفحة. سمحوا لي بقراءته. كان مزورا بالكامل: جاء فيه أني اعترفت بانضمامي إلى تنظيم إرهابي مع المرواني، وبمساعدة المنظمة من داخل جهاز الشرطة. رفضت التوقيع. قال رئيس لي رئيس الفرقة الوطنية للشرطة القضائية وقع عليه وسوف نجد لك طريقة لحل هذه المشكلة. رفضت. لم يستخدموا أي عنف في هذه اللحظة، وأعادوني إلى زنزانتي.
في اليوم التالي، قدموا لي محضرا من ثماني صفحات وسمحوا لي بقراءته. تم تزوير هذا المحضر الآخر أيضا بالكامل. رفضت التوقيع وأعادوني إلى زنزانتي.

محضر تصريحات الشعباوي الثاني للشرطة، كما يظهر في ملف القضية، مؤرخ في 19 فبراير/شباط 2008. نفى فيه أن يكون عميلا للمرواني داخل قوات الشرطة. لكن الشعباوي "يعترف" بانضمامه إلى منظمة "الاختيار الإسلامي"، وبحضور اجتماعات مع المرواني ولقمان وهو يرتدي قناع الوجه ويستخدم الطاهر كاسم مستعار. ينتهي المحضر بالإشارة إلى أن الشعباوي طالعه، ووافق على مضمونه، ولكنه رفض التوقيع.

قال الشعباوي إنه طلب أثناء وجوده رهن الحراسة النظرية الاتصال بمحام ولكن المحققين رفضوا. وقال إنه شاهد محام للمرة الأولى خلال مثوله الأول أمام قاضي التحقيق في 28 فبراير/شباط 2008.

في المحاكمة، نفى الشعباوي، محتويات محاضر الشرطة في كل مرحلة من محاكمته. وأشار أيضا إلى أنه في حين ورطه سبعة من المتهمين معه في تصريحاتهم للشرطة، خلال جلسة مواجهة جماعية أمام قاضي التحقيق، فقد نفى خمسة من السبعة أنهم فعلوا ذلك أو حتى معرفتهم به. قال مختار لقمان، وهو السادس، إنه يعرف الشعباوي فقط كجار لصديقه المرواني، الذي كان يزوره في بعض الأحيان. لم يجب المرواني نفسه، لأنه، جنبا إلى جنب مع غيره من خمسة متهمين "سياسيين"، قاطع المحاكمة في هذه المرحلة احتجاجا على رفض المحكمة بالسماح لمحاميّ الدفاع بنسخ ملفات القضية لكي يستطيع المتهمون أنفسهم بالاطلاع عليها (انظر أدناه).

تورط تصريحات الشرطة المنسوبة للمشتبه فيه مختار لقمان بشكل خاص اثنين من المشتبه فيهم الآخرين هما المرواني، واحد من الشخصيات السياسية الستة في هذه القضية، والشعباوي، وهو ضابط شرطة. واستنادًا إلى تصريحات مختار لقمان، حضر هو ومحمد المرواني عديد الاجتماعات التي ناقشوا فيها توسيع "جند الله"، وهي منظمة جهادية. كما قدّم في تصريحاته أسماء العديد من المشتبه فيهم الآخرين في قضية بلعيرج حضروا بعض الاجتماعات. واقترح محمد المرواني تمويل "جند الله" بسرقة السيارات، بما فيها تلك المخصصة لنقل الأموال. ولا يذكر التصريح أي سرقات أو أعمال عنيفة شارك فيها لقمان، ولكنه يقول إنه ناقش السرقات مع محمد المرواني وقام بالمراقبة. واستنادًا إلى الاعترافات التي قدمتها الشرطة، قدم محمد المرواني في مرحلة ما لـ مختار لقمان أسلحة لحفظها بشكل مؤقت. ووقعت كل هذه الأنشطة في 2009 أو قبل ذلك.

عندما خرج مختار لقمان من الاحتجاز السابق للمحاكمة ومثل أمام قاضي التحقيق لأول مرة، كان مصحوبًا بمحاميه خليل الإدريسي. واستنادًا إلى نص الحكم، رفض لقمان الإدلاء بأي تصريح في هذه الجلسة الأولى، وقال إنه كان متعبًا جدًا ويرغب في الانتظار إلى أن يطلع محاميه على القضية. وأثناء مثوله أمام قاضي التحقيق للمرة الثانية، كان أيضًا مصحوبًا بمحاميه، وأنكر جميع الأنشطة الإجرامية والتآمرية، بما في ذلك حيازة الأسلحة المذكورة في تصريحات الشرطة المنسوبة له. ورغم أنه اعترف بأنه يعرف محمد المرواني ومحمد الشعباوي، إلا أنه لم يقل إن ذلك تم في إطار منظمة إسلامية متطرفة أو نشاط إجرامي ما. 

وقال مختار لقمان للمحكمة إنه تعرض إلى التعذيب كي يوقع على محاضر للشرطة لم تكن صحيحة. ولا تملك هيومن رايتس ووتش نسخة نصية مما قال للمحكمة، ولكن زوجته حورية عامر قالت لـ هيومن رايتس ووتش إنه قال لها إن الشرطة قامت بضربه وإهانته من بداية احتجازه، وحتى قبل الشروع في استجوابه. كما قالت إن الشرطة استخدمت معه أثناء الاستجواب الصدمات الكهربائية، وهو ما جعله يُغمى عليه. وفي النهاية، جاؤوه باعتراف وقالوا له إنه إذا كان يرغب في رؤية أبنائه، فعليه التوقيع على ذلك. كما قالت زوجته إنه وقع على الاعترافات دون أن يقرأها.  

وأدانت المحكمة مختار لقمان بتكوين عصابة إجرامية بنية الإعداد لأعمال إرهابية وتنفيذها، وحيازة ونقل أسلحة في إطار عصابة تهدف إلى زعزعة النظام العام، إضافة إلى تهم أخرى. وحكمت عليه المحكمة بالسجن لمدة 15 سنة.

وتقول محاضر الشرطة إن أحمد خوشياع "اعترف" بقربه من منظمة محمد المرواني في منتصف التسعينات، وإنه ذهب إلى سوريا لتلقي تدريب عسكري على يد حزب الله. وبعد ذلك، قال التصريح إنه التقى مع بعض عناصر الخلية المسلحة، وإنه كان حاضرًا عندما ناقشوا الأهداف المحتملة للسرقة والهجمات، وقام بمراقبة لصالحهم، وشاهد أسلحتهم، ونقل الأموال بينهم. كما أعطى أحمد خوشياع أسماء العديد من المشتبه فيهم الآخرين المنتمين إلى المنظمة المسلحة، ولكنه لم يعترف بأنه شارك في أي نشاط عنيف.

واستنادًا إلى نصّ الحكم، كان أحمد خوشياع مصحوبًا بمحامييه أثناء أول ظهور له أمام قاضي التحقيق، ورفض الإدلاء بأي تصريح إلى أن يتمكن محاموه من الاطلاع على ملف القضية. كما قال في هذا المستوى إن ضباط الشرطة استخدموا معه العنف أثناء الاستجواب. [74]

وأثناء مثوله للمرة الثانية أمام قاضي التحقيق، كان خوشياع أيضًا مصحوبًا بمحاميه، وأنكر مضمون التصريحات التي نسبتها له الشرطة. كما أنكر انتماءه إلى أي حركة إسلامية أو حزب سياسي، وقال إنه لم يلتقي أبدًا بمحمد المرواني، وان لا علاقة له بالأسلحة أو أي محاولة لسرقة السيارات. وقال أيضًا إنه سافر إلى سوريا في 2001، ولكن هدفه كان محاولة الدخول إلى أوروبا من تركيا.

كما زعم أحمد خوشياع أنه تعرض إلى الاختطاف، والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، والمعاملة السيئة، وأنكر مرة أخرى الاعترافات التي نسبتها له الشرطة. ولا تمتلك هيومن رايتس ووتش نسخة من شهادته أمام المحكمة. ولكن استنادًا إلى زوجته ميمونة بوش، فان أحمد قال لها إن الشرطة قامت بعصب عينيه أثناء الاستجواب وقامت بضربه، وهددوه بزوجته، وأجبروه على الانحناء لفترات طويلة. كما قال لها إنه وقع في نهاية الأمر على محضر للشرطة دون أن يقرأه. [75]   

وأدانت المحكمة أحمد خوشياع بتهديد الأمن الداخلي للدولة بتكوين عصابة مسلحة والإعداد لارتكاب أعمال إرهابية، وحيازة ونقل أسلحة في إطار تلك العصابة، إضافة إلى تهم أخرى. وحكمت عليه بالسجن لمدة ثماني سنوات.

وقال منصور بلغديش، وهو من القنيطرة أيضا، إن الشرطة أجبرته على التوقيع على تصريح دون أن يقرأه. واستنادًا إلى زوجته سميرة الرماش، قامت الشرطة باعتقال منصور، وهو أستاذ مرحلة إعدادية مولود في 1976، قرب منزله في 19 فبراير/شباط 2008، واقتادته إلى مقاطعة الشرطة بمعاريف في الدار البيضاء. كما قالت إنه أعلمها إن الشرطة قامت باستجوابه وقدموا له اعترافًا وطلبوا منه التوقيع عليه وهو لا يزال معصوب العينين. كما قال لها في وقت لاحق إنه عندما حاول رفض ذلك، أمسكوه من رقبته ودفعوا رأسه في اتجاه الأرض، وقالوا له: "إذا أردت مغادرة هذا المكان، فعليك التوقيع على هذا". كما قالت سميرة الرماش: 

قال لي زوجي إنه لم يتحدث كثيرًا، ولكنهم أجبروه على التوقيع على عديد الصفحات. وتمكن من النظر من تحت عصابته فقرأ جملة لم يقلها أبدًا تتعلق بمراقبة يهود من القنيطرة. ولكنه لم يتمكن من الاطلاع على مضمون التصريحات إلا عندما قام بذلك مع محاميه خليل الإدريسي. [76]

واستنادًا إلى نص الحكم، أنكر منصور بلاغديش مضمون الاعترافات التي قدمتها الشرطة عندما مثل أمام قاضي التحقيق. وقامت المحكمة بإدانته وحكمت عليه بالسجن لمدة خمس سنوات. وأفرجت عنه السلطات في فبراير/شباط 2013.

وقال عبد القادر بلعيرج، القائد المزعوم، للمحكمة إن الشرطة قامت بتعذيبه. ولكن هيومن رايتس ووتش لا تمتلك نسخة من تصريحاته. وقال بلعيرج في رسالة إلى محاميه البلجيكي فانسون لوركان إن المحققين قاموا بعصب عينيه أثناء احتجازه بمعزل عن العالم الخارجي، وقاموا بضربه، وتعليقه من رجليه، واستخدموا معه الصدمات الكهربائية. [77]

وتكتسب تصريحات بلعيرج المتعلقة بالتعذيب، التي قدمها أثناء فترة المحاكمة، خطورة كبيرة بالنظر إلى أن ملفه يتضمن، وعلى غير العادة، تصريحين مختلفين أدلى بهما للشرطة في تاريخين مختلفين. وبينما لا يذكر تصريحه الأول الشخصيات السياسية الستة المشتبه فيها، فان تصريحه الثاني يتحدث عنها ويورطها بشكل مباشر في المنظمة الإرهابية المزعومة. وهذا ما يثير تساؤلات حول ما حدث لـ بلعيرج بينما كان رهن الاحتجاز ليقدم تصريحًا ثانيًا يختلف عن تصريحه الأول. إضافة إلى ذلك، قد تكون المعلومات المتعلقة بالمشتبه فيهم من القيادات السياسية التي جُمعت أثناء الجولة الثانية من التحقيق قد تمت بشكل طوعي، إلا أن مزاعم عبد القادر بلعيرج المتعلقة بالاحتجاز لفترات طويلة والتعذيب تثير العديد من الأسئلة.

وإذا سلمنا بمصداقية تصريحات بلعيرج كما قدمتها الشرطة، التي أنكرها في محاكمة 7 أبريل/نيسان 2009، [78] فإنه اعترف بانتمائه إلى منظمة إرهابية شارك في تأسيسها في المغرب في 1992، وأيضًا بعلاقته مع منظمة أبو نضال الفلسطينية الإرهابية في الثمانينات، وفي أنشطة جهادية وجنائية لأكثر من ربع قرن. وشمل ذلك التورط في ست جرائم قتل ذات دوافع أيديولوجية في بلجيكا في 1988ـ1989 من بين ضحاياها يهود وإمام مسلم معتدل، وسرقة مكاتب في منطقة برنكس في لوكسمبورغ في 2000، وسرقات أخرى في بلجيكا تم القيام بها لتمويل أعمال جهادية. واستنادًا إلى تصريحات الشرطة، سافر عبد القادر بلعيرج أيضًا إلى أفغانستان، حيث التقى بزعماء تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري قُبيل هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة. كما اعترف بالسفر إلى لبنان في 1983 للتدرب على استخدام الأسلحة والمتفجرات.

وطالبت النيابة العامة بتسليط عقوبة الإعدام على عبد القادر بلعيرج. [79] وأدانته المحكمة بالتهم الموجهة إليه، ومنها القيام باغتيالات في بلجيكا في 1988ـ1989، وحكمت عليه بالسجن مدى الحياة. يُذكر أن السلطات البلجيكية لم توجه له أبدًا أي تهم تتعلق بالجريمة رغم أنها قامت بالتحقيق معه حول اغتيال الإمام ووضعته تحت المراقبة. [80]

ومن بين العيوب الأخرى الظاهرة في هذه القضية رفض المحكمة تمكين المشتبه فيهم من الحصول على نسخ من ملف القضية، بما في ذلك تصريحاتهم للشرطة أثناء مرحلة التحقيق. ويُعتبر السماح للدفاع بالحصول على نسخة من الملف بأكمله أمرا اعتياديًا في المغرب، ولكنه ليس حقًا يمنحه القانون. وينصّ قانون المسطرة الجنائية في المادة 139 على أن يكون ملف القضية جاهزًا لمراجعة الدفاع. ولذلك كان بإمكان محامي الدفاع في قضية بلعيرج الاطلاع على ملف القضية في قاعة المحكمة دون أن يأخذوه إلى موكليهم المحتجزين كي يقوموا بدراسته.

وقي قضية في غاية التعقيد مثل هذه، ومع وجود اعترافات لأكثر من ثلاثين مشتبها فيهم وكلهم يورطون بعضهم البعض، فإن عجز المشتبه فيهم عن دراسة الملف بأنفسهم قبل الإجابة على أسئلة قاضي التحقيق يضعهم في موضع ضعف. ولهذا قاطعت الشخصيات السياسية من بين المتهمين أسئلة قاضي التحقيق. وردّ القاضي على المقاطعة بتقديم اعترافاتهم إلى المحكمة دون الاستماع إلى شهاداتهم حول مصداقيتها.

وعندما تمكن السياسيون الستة من الإطلاع على ملف القضية، قالوا إنهم اكتشفوا أن محاضر الشرطة لم تكن مطابقة لتصريحاتهم. وأنكروا هذه المحاضر أمام المحكمة واعتبروها تزويرًا خطيرًا لتصريحاتهم.

العبادلة ماء العينين، 14 سبتمبر/أيلول 2012. أدين في قضية "بلعيرج"، وأمضى أربع سنوات في السجن قبل العفو عنه.

©2013 Eric Goldstein/Human Rights Watch

وزعم الرجال الستة أنه تم خداعهم بالتوقيع على نسخ مزورة لاعترافاتهم دون التعرض إلى معاملة جسدية قاسية وإلى احتجاز مطول سري أو غير قانوني، على عكس ما قاله العديد من المشتبه فيهم الآخرين. ولكن زعم بعضهم أيضًا بالتعرض إلى سوء المعاملة، فقد قال عبادلة ماء العينين للنائب العام إن الشرطة قامت بضربه وإهانته. كما قال مصطفى المعتصم إن الشرطة هددته باعتقال أفراد آخرين من حزبه السياسي إن لم يُوقع. وقال محمد المرواني إن الشرطة طلبت منه التوقيع رغم أنه كان مريضًا ويعاني من حمى عالية.

وتحدث ماء العينين لـ هيومن رايتس ووتش عن اعتقاله والتحقيق معه:

اعترضني رجال في لباس مدني أمام منزلي [في الرباط] على الساعة الثامنة والنصف صباحًا بينما كنت أصعد إلى سيارتي لأوصل أبنائي إلى المدرسة. وفي الليلة السابقة [18 فبراير/شباط 2008]، كنت قد شاهدت في التلفزيون أنهم قاموا باعتقال مصطفى المعتصم ومحمد المرواني. لم تكن لديّ أدنى فكرة عما يحدث. كنت أعرف أنهم من الشرطة، ولكنهم لم يعلموني بسبب اعتقالي، واقتادوني إلى مقاطعة الشرطة في معاريف في الدار البيضاء. أجلسوني وشرعوا في استجوابي حول أعمالي، وعندما لم أقل لهم ما كانوا يودون سماعه، بدؤوا في ضربي وإهانتي وأفراد من عائلتي. وبعد ذلك، نزعوا نظاراتي، وعصبوا عيني، وشدوا يديّ بوثاق وراء ظهري، وواصلوا طرح الأسئلة. وفي لحظة ما، عندما اعتقدوا أنني لم أكن متعاونًا، جاء رجل ضخم وقوي، كان بإمكاني معرفة حجمه رغم أنني كنت معصوب العينين، ووضع يده على عنقي ودفعني بقوة في اتجاه رجلي، وتواصل الاستجواب.
وعندما فرغوا من ذلك، جاءوني بمحضر وبنظارتي كي أستطيع قراءته. كان المحضر دقيقًا بشكل عام في ما يتعلق بما قلته لهم حول مراحل حياتي، والأحزاب السياسية التي نشطت فيها، والأشخاص الذين أعرفهم، وسفري إلى الخارج، وما إلى ذلك. ولكن كانت توجد بعض الأخطاء التي طلبت منهم إصلاحها. وفي وقت لاحق من الليل، جاء إلى زنزانتي ضابط ومعه كومة من الأوراق، وقال إن فيها نسخًا عديدة لاعترافاتي كي أوقع عليها. قرأت النسخة الأولى كاملة فوجدتها دقيقة، ثم قرأت الصفحة الأولى من النسخة الثانية ووجدتها أيضًا دقيقة. وعندها طلب مني الضابط أن أسرع، ولذلك وقعت على الأوراق دون قراءتها. أعتقد أن عددها كان حوالي عشرين نسخة. فعلت ذلك لأن الوقت كان متأخرًا في الليل، وكنت منهكًا، وكان الضابط رجلا طيبًا وقال إنه يريد العودة إلى منزله، وبكل صراحة لم يخطر لي أنهم ربما كانوا يريدون خداعي، وخاصة أنهم تعاونوا معي في إصلاح الأخطاء التي وردت في المسودة.
ولم أكتشف أن كل شيء تغيّر في النسخة المكتوبة من تصريحاتي إلا في وقت متأخر جدًا، بعد أن بدأت المحاكمة. وعلى سبيل المثال، قاموا بتغيير تواريخ الاجتماعات التي تحدثت عنها حتى يجعلوها متوافقة مع اجتماعات حضرها مشتبه فيهم آخرون. ولكن في إحدى المرات، لم ينتبهوا إلى التغييرات التي قاموا بها فدونوا لي تصريحًا يعود إلى أكتوبر/تشرين الأ&