يونيو 6, 2013

الملخص

بدأت حالة فوبيا من المدارس. تحوّل المعلمون إلى مخبرين. يقول الأهالي: "لا تكلموا المدرسين" أو يحتفظوا بالطلاب في بيوتهم. هناك عدد كبير من الأهالي امتنعوا عن إرسال أطفالهم إلى المدرسة.
- مصطفى، أخصائي اجتماعي بمدرسة نمر الثانوية للبنين، محافظة درعا، وقد فرّ إلى الأردن. نوفمبر/تشرين الثاني 2012.

في النزاع المسلح السوري القاسي والمطوّل، عانى الأطفال مثلهم مثل باقي السكان. قُتل الكثيرون منهم وأصيبوا مع تحوّل بلداتهم ومدنهم إلى مناطق حرب. تعرضوا للتعذيب وظروف لاإنسانية رهن احتجاز الحكومة، ونال منهم النقص الشديد في المساعدات الإنسانية وعدم كفاية الرعاية الطبية.

لقد ارتكبت حكومة الرئيس بشار الأسد انتهاكات موسعة لحقوق الإنسان ضد السكان المدنيين بشكل عام. غير أنها قامت أيضاً بتبني سياسات وممارسات استهدفت الطلاب ومدارسهم. قال شهود عيان من ست مدارس في درعا وحمص وريف دمشق لـ هيومن رايتس ووتش إن السلطات أرسلت برجال الأمن إلى المدارس واستخدمت مسؤولي المدارس في استجواب الطلاب بشأن آرائهم السياسية والأنشطة المعارضة للحكومة المزعومة التي يقوم بها الطلاب وآبائهم. وصف شهود وطلاب من ريف دمشق ودرعا كيف استخدمت قوات الأمن والميليشيات الموالية للحكومة القوة المفرطة، بل وحتى الأعيرة النارية، ضد ثلاث مظاهرات طلابية سلمية.

وفي مناطق القتال، ارتكبت القوات المسلحة السورية خروقات واضحة لقوانين الحرب إذ شنت هجمات برية وغارات جوية على مدارس لم تكن تُستخدم في أغراض عسكرية. كما نشرت قوات وجماعات مسلحة موالية للحكومة في المدارس، فعرّضت الطلاب للخطر وحرمتهم من حقهم في التعليم. ولقد أسهمت جماعات المعارضة المسلحة في الخطر اللاحق بالطلاب إذ نشرت قواتها في مدارس تجري الدراسة بها أو بالقرب منها.

يوثّق هذا التقرير الممارسات الحكومية وممارسات قوات المعارضة التي تهدد حياة الطلاب والمعلمين ومسؤولي المدارس وتعرّض بيئة التعلم والتعليم للخطر. تستند نتائج هيومن رايتس ووتش إلى أكثر من 70 مقابلة أجريت في الفترة من أكتوبر/تشرين الأول إلى ديسمبر/كانون الأول 2012. شملت المقابلات 16 طالباً، و16 قائماً بأمر التعليم، و22 ولي أمر لأطفال بالمدارس، وقد فرّوا جميعاً من سوريا بين مارس/آذار 2011 – مع بدء الانتفاضة – وديسمبر/كانون الأول 2012. أجريت قلة من المقابلات بطريق الاتصال بواسطة "سكايب" والهاتف، لكن أكثرها أجريت في الأردن. ولهذا فإن نتائج التقرير تعكس تجربة أهالي محافظة درعا، التي ينحدر منها الكثير من اللاجئين السوريين في الأردن، وكذلك محافظات حمص ودمشق وريف دمشق التي فرّ منها لاجئون آخرون.

قال الطلاب والمعلمون من درعا وحمص وريف دمشق لـ هيومن رايتس ووتش إن المعلمين ورجال الأمن قاموا باستجواب الطلاب داخل مدارسهم بشأن معتقداتهم السياسية، ومشاركتهم في المظاهرات المعارضة للحكومة، وأنشطة أقاربهم. قال الطلاب إن الاعتراف بالمشاركة في أنشطة يُنظر إليها بصفتها معارضة للحكومة هو أمر قد يؤدي إلى التعرض للضرب وإساءات أخرى.

قامت القوات الحكومية والشبيحة – وهي جماعات مسلحة موالية للحكومة – باعتداءات وأحياناً بإطلاق النار على مسيرات معارضة للحكومة نظمها الطلاب بنهاية يومهم المدرسي. كما دخلوا مدارس لاعتقال طلبة، واعتدوا أحيانا على الطلبة والمعلمين، وأطلقوا النار في الهواء، مما روّع الطلاب.

كما قامت القوات الحكومية والشبيحة بإطلاق النار على المدارس، بما فيها مدارس ما زالت تستخدم كمؤسسات للتعليم. سلمى – الطالبة بالمدرسة الثانوية من درعا – وصفت كيف اختبأت تحت منضدتها فيما أصابت رصاصات بندقية آلية جدران مدرستها. مروان – الطالب البالغ من العمر 12 عاماً من درعا – قال إنه ركض التماساً لملاذ آمن عندما ضربت قذائف دبابة بناية مدرسته.

قامت الطائرات المقاتلة النظامية والمروحيات بإسقاط قنابل – منها ما يبدو أنها قنابل بدائية تدعى "براميل متفجرة" وأسلحة محرقة – على بنايات مدارس، مما ألحق بها أضراراً جسيمة. وثقت هيومن رايتس ووتش غارتين جويتين على بنايات مدرسية. قال شهود قابلناهم إنه لم تتواجد قوات للمعارضة في هذه المدرسة أو تلك أو بالقرب منهما، بما يوحي بأن هذه الهجمات كانت غير قانونية. بالإضافة إلى هذه الوقائع، جمعت هيومن رايتس ووتش عدة شهادات إضافية من شهود وصفوا ما حدث في أعقاب الغارات الجوية على بنايات المدارس، لكن لم نتمكن من التأكد من التفاصيل الخاصة بهذه الهجمات.

قال لـ هيومن رايتس ووتش طياران من القوات الجوية السورية بعد انشقاقهما إلى صفوف المعارضة، إنهما تلقيا أوامر كثيرة بإلقاء القنابل على مناطق مدنية. قالا إن الطرق المستخدمة – إسقاط براميل متفجرة وغيرها من الذخائر من الطائرة – تعني أن من ألقوا بهذه الأسلحة لم تكن لديهم قدرة تُذكر على توجيهها نحو أهداف بعينها. وثقت لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في سوريا – في تقريرها الصادر في 5 فبراير/شباط 2013 – الهجمات الحكومية على أكثر من 17 مدرسة، وأشارت إلى أن "القوات المعارضة للحكومة كانت متواجدة في بعض الحالات".

انتشرت القوات النظامية والشبيحة بمدارس في كلٍ من المحافظات الأربع التي قابلت هيومن رايتس ووتش منها لاجئين: حمص ودمشق وريف دمشق ودرعا، واستخدمت المدارس كقواعد وثكنات ونقاط تمركز للقناصة ومراكز احتجاز. في بعض الأحيان، استخدم الجنود المدارس لفترات قصيرة للغاية، وفي أحيان أخرى احتلوا المدارس لفترات مطولة أو لأجل غير مسمى. تم استخدام المدارس بعد أن كفّ الطلاب عن الدراسة ببعضها، ومع استمرار دراسة الطلبة في بعضها الآخر.

استخدمت قوات المعارضة المسلحة مدارس في محافظتي درعا وحمص لأغراض عسكرية. في تقرير لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في سوريا الصادر في فبراير/شباط 2013، أشارت إلى أن "كثيراً ما تستخدم الجماعات المسلحة المعارضة للحكومة المدارس كثكنات أو مقار. أعمال الاحتلال هذه ليست دائماً مبررة من واقع الضرورة العسكرية، ونشرت الاعتقاد بأن المدارس ليست آمنة".

إن القوات العسكرية – سواء كانت قوات مسلحة وطنية أو جماعات غير تابعة لدول – التي تنتشر في المدارس أو تستخدمها بأي شكل كان لأغراض عسكرية، تجعلها أهدافاً مشروعة بموجب قوانين النزاع المسلح. عندما يستمر استخدام المدارس في التعليم، فإن عمليات انتشار القوات هذه تعرّض الطلاب والعاملين بالمدارس لخطر الهجمات، في خرق لمطلب القانون الدولي الإنساني القاضي باتخاذ جميع الاحتياطات المستطاعة من أجل حماية السكان المدنيين والأعيان المدنية من آثار الهجمات.

في ديسمبر/كانون الأول 2012، أفادت وزارة التعليم السورية بأن 2362 مدرسة في سوريا (أكثر من 10 بالمائة من إجمالي مدارس سوريا البالغ تقريباً 22 ألف مدرسة) تضررت أو نُهبت، في حين يجري استخدام 1468 مدرسة كنقاط إقامة للنازحين داخلياً. في 29 ديسمبر/كانون الأول أعلنت لجان التنسيق المحلية السورية – وهي شبكة من نشطاء المعارضة – أن ما لا يقل عن 3873 مدرسة في شتى أنحاء سوريا قد تعرضت لأضرار، وبينها 450 مدرسة دُمرت بالكامل، وتحتاج لإعادة بناء من جديد.

كما أن الانتشار العسكري طويل الأجل بالمدارس يخرق حق الأطفال في التعليم بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهو القانون الذي يستمر نفاذه حتى في أوقات الحرب. قال معلمون ومدراء مدارس قابلتهم هيومن رايتس ووتش إن معدل الالتحاق بالمدارس انحسر إلى النصف على الأقل منذ بدء النزاع. أفاد الكثيرون بتدني معدلات الحضور كثيراً. في فبراير/شباط 2013، ذكرت لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في سوريا أن: "معدل الحضور بالمدارس يتراوح بين 38 إلى 100 في شتى أنحاء المناطق التي تسيطر عليها الحكومة" وأن معدل الحضور "يبدو أنه قد تراجع كثيراً" في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 أعلنت وزارة التعليم أن 14 في المائة فقط من الأطفال قادرون على ارتياد المدرسة شمالي محافظة حلب، حيث كان القتال كثيفاً.

بعد أن أصبحت المدارس خطرة على الأطفال، بدأت التجمعات السكانية والنشطاء في شتى أنحاء سوريا في إعداد مدارس مجتمعية غير رسمية أو برامج تعليم أهلية. هذه المحاولات الجديدة تعاني من عدم كفاية الموارد. قال طلبة تركوا المدرسة بسبب النزاع لـ هيومن رايتس ووتش إنهم أصبحوا عمالا أطفال أو جنودا أطفال أو مساعدين للمعارضة المسلحة. هناك فتيات عديدات تتراوح أعمارهن بين 16 و17 عاماً تسربن من التعليم لأن المدارس لم تعد آمنة، قلن إنهن تزوجن بدافع من العوز الاقتصادي أو لغياب أي خيارات آمنة أخرى.

ولحماية حقوق الإنسان الأساسية الخاصة بالأطفال، بما في ذلك حقهم في التعليم، على الحكومة السورية أن تكف فوراً عن استخدام المعلمين وأعضاء أجهزة الأمن في استجواب الطلاب بشأن آرائهم وأنشطتهم وتلك الخاصة بأسرهم. يجب أن تتوقف فوراً جميع أوجه المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة التي تنال من الطلاب. ويجب التحقيق مع وتأديب أو مقاضاة المسؤولين عن إساءة معاملة الطلاب والاعتداء عليهم وإطلاق النار عليهم.

على جميع أطراف النزاع في سوريا احترام قوانين الحرب، بما في ذلك قواعدها المتصلة بالمدارس. يجب أن تتوقف جميع الهجمات التي تنال من المدارس غير المستخدمة في أغراض عسكرية. على القوات النظامية السورية والشبيحة وجماعات المعارضة المسلحة اتخاذ جميع الاحتياطات المستطاعة من أجل حماية المدارس الخاضعة لسيطرتها من آثار الهجمات، وأن تنقل الطلاب والمدنيين الآخرين إلى أماكن بعيدة عن القوات العسكرية. عندما تستخدم القوات العسكرية المدارس، ومن ثم تجعلها أهدافاً مشروعة للهجمات، فإنه يجب نقل الطلاب إلى مواقع أكثر أمناً لكي يواصلوا تعليمهم.

ينبغي على المجتمع الدولي أن يحمي حق أطفال سوريا في التعليم بواسطة دعم المبادرات التعليمية وفرض إجراءات تعويض وإنصاف في شتى أنحاء سوريا، بما في ذلك المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.