مايو 27, 2013

I . خلفية

عشية الانتخابات الوطنية الديمقراطية الأولى في ليبيا في شهر يوليو/تموز 2012، خرجت الحاجة نوارة وحدها في وقفة بالميدان الواقع أمام المحكمة في بنغازي، حيث أمضت عدة أمسيات تدعم الثورة منذ مطلع عام 2011. نوارة كانت واحدة من عدد قليل من السيدات المتواجدات، وسط بحر من الرجال الذين حضروا للصلاة وللاحتفال قبيل هذا الحدث التاريخي المقرر انعقاده في الصباح التالي. نوارة وهي امرأة مسنّة، عرضت بفخر بطاقة تسجيلها الانتخابية، كانت تعلقها حول رقبتها، وتلوح بعلم ليبيا الجديد في حين يأتيها الناس للسلام عليها والاحتفاء بها. أصبحت أيقونة بعد مشاركتها الجادة والمُخلصة في المظاهرات التي أشعلت فتيل الثورة ضد معمر القذافي.

قالت نوارة التي كانت مقبلة على التصويت للمرة الأولى في حياتها [1] : "لقد انتظرت طيلة حياتي كي يأتي الغد، الذي سيكون يوماً جديداً لليبيا. لقد ضحينا بالكثير كي نصل إلى هذا اليوم. رغم أنني لم أفقد أي من أبنائي أثناء الحرب، فقد عدت هنا [إلى الميدان] لإحياء ذكرى كل الشهداء، وهم بدورهم أبنائي". [2]

بالنسبة للكثير من الليبيين، تمثل انتخابات 7 يوليو/تموز نهاية فصل طويل وصعب من حياتهم وبداية عهد أكثر إشراقاً وأملاً. الليبيون عندهم الكثير مما يستحق الاحتفال، ومنه تنظيم الانتخابات بوتيرة متسارعة للغاية، والتي رغم بعض العنف شوهدت على نطاق واسع بصفتها انتخابات حرة ونزيهة. لكن ناشطات حقوق المرأة في ليبيا قلن لـ هيومن رايتس ووتش إن بالنسبة إليهن، يبدأ العمل الحقيقي ما إن تنتهي الاحتفالات. في رأيهن، يتعين على منظمات المرأة أن تبقى منتبهة وتواجه تحدي حماية المكتسبات التي أنجزتها، لا سيما نظراً للعقبات الكثيرة المحدقة بصياغة دستور جديد في دولة ما زالت تعاني من انشقاقات عميقة.

غير أن المرأة الليبية اعتادت مواجهة التحديات. رغم الضغوط الاجتماعية على بعض السيدات للامتناع عن المشاركة السياسية، فقد لعبت سيدات كثيرات أدواراً بالغة الأهمية في الاحتجاجات التي بدأت في بنغازي في شهر فبراير/شباط 2011 ثم أشعلت شرارة الانتفاضة التي أدت إلى سقوط القذافي. ساعدن في تنظيم المظاهرات، وثقن انتهاكات حقوق الإنسان، نشرن المعلومات على وسائط التواصل الاجتماعي على الإنترنت. ومع تصاعد النزاع، وفرت السيدات الليبيات الدعم الطبي واللوجستي وغيره من أشكال الدعم لجماعات المعارضة المسلحة، بما في ذلك تهريب الذخائر وإطعام المقاتلين. [3]

الشقيقتان إيمان بوقعقيص، الناشطة بمجال حقوق الإنسان، وسلوى بوقعقيص، المحامية في بنغازي، كانتا بين المنظمين الأساسيين للمظاهرات منذ بداية التظاهر في فبراير/شباط 2011. قالت إيمان لـ هيومن رايتس ووتش: [4] "لا نريد أن نخسر ما ربحناه كنساء ليبيات". وكان رأي سلوى مشابهاً: "لم نشارك من قبل قط في مظاهرات، كانت بالنسبة إلينا تابو محرم. أشعرتنا الثورة بالفخر لأننا كنا في الخطوط الأولى واضطر الرجال لتقبلنا. لكن الآن يعتقد البعض أنه قد حان الوقت لأن ترجع المرأة إلى بيتها".

دور النساء الأكثر بروزاً في المجتمع لم ينته مع خلع القذافي. في الأيام السابقة على انتخابات يوليو/تموز 2012، عرضت ملصقات الحملات الانتخابية صور المرشحات في المساحات العامة في طرابلس وبنغازي وأماكن أخرى. تم تخريب بعض الملصقات، لكنها كانت ملفتة للنظر في هذا المجتمع المحافظ. سجّلت أكثر من 600 سيدة كمرشحات ونظمت بعضهن حملات انتخابية في المدن والبلدات، بل وحتى خرجن في المساء لتوزيع البرامج الانتخابية وللحديث مع الناخبين. تمثل السيدات 45 في المائة من نسبة الناخبين المُسجلين، رغم أن نسبة الناخبات المسجلات اللائي ذهبن فعلاً للاقتراع – 39 في المائة – كانت أقل بكثير من مثيلتها في حال الرجال. وفي النهاية اختار الناخبون 33 سيدة في المؤتمر الوطني العام البالغ عدد أعضائه 200 عضو.

لقد تحدت المشاركة النشطة والمنظورة للسيدات في الانتخابات الرأي النمطي الذي يتبناه المجتمع تجاه الدور الهامشي للمرأة في السياسة الليبية، ويمكن أن يمثل بداية لدور أكبر للمرأة في أمور الحُكم والسياسة في ليبيا.

رغم هذه المكاسب، ما زالت المرأة الليبية تواجه تحديات كبيرة. كما في أماكن أخرى في مراحل ما بعد انتهاء النزاع، يواجهن جملة من العقبات التي تحول دون مشاركتهن الكاملة في العملية الانتقالية. بشكل عام يُتاح للمرأة الليبية قدر أقل من القدرة على الوصول إلى المعلومات، وتعاني من معدلات أمية أعلى من الرجل، وتواجه التمييز في الحصول على الوظائف وفي أماكن العمل، كما تعاني من التضييق على حرية التنقل، وتتعرض للمضايقات الجنسية والعنف الجنسي. كما أن المرأة الليبية تعيش في مجتمع يسيطر فيه الرجل على صناعة قرار المرأة، بشكل متجذر وعميق، مع إعلاء دور المرأة كأم وزوجة على أي دور آخر.

في يونيو/حزيران ويوليو/تموز 2012، رصدت هيومن رايتس ووتش العملية الانتخابية وقابلت أكثر من 50 مرشحة وناخبة، وناشطات بمجال حقوق المرأة ومسؤولين حكوميين وقيادات مجتمعية، وكذلك أعضاء من جهاز القضاء في طرابلس وبنغازي ومصراتة، بشأن الموضوعات المتعلقة بالمرأة. ومن بعدها استمرت هيومن رايتس ووتش في العمل مع الناشطات الليبيات وفي مراقبة وتحليل التطورات السياسية والقانونية التي تؤثر على المرأة الليبية. يستند هذا التقرير إلى هذا العمل.

في عشرات المقابلات، قالت لـ هيومن رايتس ووتش مرشحات برلمانيات وناشطات وأكاديميات وأخريات إنهن مستمرات في التصدي بحزم وتصميم للدفاع عن حقوق الإنسان والمطالبة بها. وسوف يحتجن فعلاً إلى هذه الوقفة الحازمة، نظراً للتصريحات التي أدلى بها بعض الساسة والقيادات الدينية، التي توحي بتقبل استمرار التمييز ضد المرأة في القانون والممارسة. قال مثلاً بعض القيادات إن على ليبيا تفعيل قوانين تتبنى تفسيرات أكثر محافظة للشريعة الإسلامية، بما في ذلك تعدد الزوجات. لقد مكّن سقوط حكومة القذافي من تشكيل طيف واسع من الجماعات والأحزاب – بينها ما يعارض الدمج الكامل للمعايير الدولية لحقوق المرأة في القانون الليبي.

يبدو أن بواعث قلق المدافعات عن حقوق المرأة قد تجسدت بقوة في مرحلة مبكرة؛ ففي أكتوبر/تشرين الأول 2012 اختار رئيس الوزراء المُعين حديثاً سيدتين – وزيرة السياحة ووزيرة الشؤون الاجتماعية – من بين 33 وزيراً في وزارته. في فبراير/شباط 2013 رفعت المحكمة العليا الليبية بعض القيود على تعدد الزوجات. وفي أبريل/نيسان 2013 تناقلت التقارير تجميد وزارة الشؤون الاجتماعية إصدار تصاريح الزواج للسيدات الليبيات المتزوجات من أجانب بعد أن طالب المفتي الليبي الحكومة بمنع زواج السيدات من أجانب.

[1] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع الحاجة نوارة، بنغازي، 6 يوليو/تموز 2012.

[2] في 15 فبراير/شباط 2011 قبل يومين من الموعد المحدد للمظاهرات الكبيرة المعارضة للحكومة، قبضت قوات الأمن على اثنين من نشطاء حقوق الإنسان، مما ألهم أكثر من 500 متظاهر أغلبهم من النساء بالخروج في مسيرة إلى مقر الشرطة. أطلقت قوات الأمن النار على الحشد بعد مصادمات بين المتظاهرين والشرطة. انتشرت المظاهرات في شتى أنحاء ليبيا، واستخدمت قوات الأمن القوة المميتة ضد الحشود. تصاعدت حملة القمع لتتحول إلى نزاع مسلح داخلي ولجأ الليبيون إلى السلاح ضد قوات الأمن في الشرق، وفي منطقة جبل نفوسة وفي مصراتة.

[3] انظر الغارديان، 16 سبتمبر/أيلول 2011:

Chris Stephen, Irina Kalashnikova, and David Smith, “Libyan women: it’s our revolution too”, The Guardian, September 16, 2011, http://www.guardian.co.uk/world/2011/sep/16/libyan-women-our-revolution-too

 (تمت الزيارة في 23 مارس/آذار 2013). وانظر ذا ناشيونال، 25 مارس/آذار 2011:

Sarah Birke, “The women fighting, organising, feeding and healing Libya’s revolution,” The National, March 25, 2011, http://www.thenational.ae/news/world/africa/the-women-fighting-organising-feeding-and-healing-libya-s-revolution#ixzz2N92g759 (تمت الزيارة في 23 مارس/آذار 2013)

وانظر معهد الولايات المتحدة للسلام (واشنطن):

United States Institute of Peace (Washington), “Stakeholders of Libya’s February 17 Revolution,” Special Report 300, January 2012, http://www.usip.org/files/resources/SR%20300.pdf (تمت الزيارة في 23 مارس/آذار 2013)

[4] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع إيمان وسلوى بوقعقيص، بنغازي، 3 يوليو/تموز 2012.