IV. الهجمات على المستشفيات
وثقت هيومن رايتس ووتش هجمات متكررة على مستشفيين في المناطق التي زارتها، ففي مدينة حلب شنت المروحيات والمقاتلات النفاثة ثمانية هجمات على الأقل على مستشفى يحمل بجلاء شارة المستشفى، هو مستشفى دار الشفاء، في غضون أربعة أشهر، فدمرت قسماً لا يستهان به من مبانيه بحيث عجز المستشفى عن الاستمرار في العمل. وفي بلدة سلمى بمحافظة اللاذقية، قامت المروحيات مراراً بإسقاط القنابل قرب مستشفى ميداني، فدمرته في النهاية في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2012.
بموجب قوانين الحرب، ينبغي "احترام وحماية" المستشفيات وغيرها من المنشآت الطبية [78] في جميع الأوقات. وينص البروتوكول الثاني الإضافي إلى اتفاقيات جنيف، المتفق على أنه يعكس القانون الدولي العرفي، على أن الوحدات الطبية "لا تكون هدفاً لأي هجوم". [79] وتبقى الوحدات الطبية محمية من الهجوم إلا إذا "دأبت على ارتكاب أعمال ضارة بالخصم" تخرج عن نطاق مهمتها الإنسانية. وحتى في تلك الحالة فإنها لا تباح للهجوم إلا بعد توجيه إنذار يحدد مهلة معقولة، وبقاء ذلك الإنذار بلا استجابة. كما أن وجود المقاتلين الجرحى لا يمس الطبيعة المدنية للوحدات الطبية. [80] ويعتبر نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أن تعمد توجيه هجمات ضد "المستشفيات وأماكن تجمع المرضى والجرحى" أثناء نزاع مسلح غير دولي هو جريمة حرب. [81]
إن الهجوم المتكرر على المستشفيين، إضافة إلى الهجمات الموثقة على المستشفيات والطواقم الطبية في أجزاء أخرى من سوريا، توحي بأن القوات الحكومية تعمدت استهداف تلك الأماكن لأنها مستشفيات. [82] والمعلومات المتوافرة عن وجود مقاتلي المعارضة في المستشفى بمدينة حلب أو بالقرب منه تشير إلى ضرورة التحقيق في ما إذا كان المستشفى قد استُخدم لأغراض العمليات العسكرية من طرف المعارضة. في كافة الأحوال لم يتم توجيه إنذار قبل الهجوم، ونتج عنه ضرر غير متناسب لحق بالمدنيين يتجاوز أي مكسب عسكري متوقع، ومن ثم فقد انتهك قوانين الحرب.
مستشفى دار الشفاء بمدينة حلب [83]
فيما بين 12 أغسطس/آب و21 نوفمبر/تشرين الثاني، ضربت الطائرات مستشفى دار الشفاء أو المنطقة المحيطة به، وهو مستشفى الطوارئ الرئيسي في المنطقة الواقعة تحت سيطرة المعارضة بمدينة حلب، ثمانية مرات على الأقل. علاوة على هذا فإن القوات الحكومية شنت هجوماً واحداً على الأقل باستخدام المدفعية على المستشفى أو بالقرب منه.
في 14 أغسطس/آب زارت هيومن رايتس ووتش المستشفى بعد نحو الساعة من قيام نفاثة مقاتلة بضرب الطوابق العلوية من المستشفى بثلاثة صواريخ على الأقل، وفحصت الدمار والبقايا الناتجة عن الصواريخ المستخدمة في الهجوم. كما وثقت هيومن رايتس ووتش هجوماً مشابهاً على المستشفى في 12 أغسطس/آب.
أثناء زيارة يوم 14 أغسطس/آب للمستشفى قال الأطباء لـ هيومن رايتس ووتش إنهم قصروا استخدام الطوابق العليا من المستشفى على الجراحات الطارئة بسبب تعرضها لهجوم الطائرات في الماضي. قال أحد الأطباء لـ هيومن رايتس ووتش: "كنا قد انتهينا لتونا من الجراحة وانتقلنا للطابق الثاني عند سقوط الصواريخ. لو كانت قد سقطت قبل دقائق فقط لكنا جميعاً في عداد الموتى". [84] بعد هجوم 14 أغسطس/آب وما ألحقه من دمار إضافي بالطوابق العليا من المبنى، اضطر العاملون بالمستشفى لاستقبال الجرحى وإجراء الجراحات في الطابقين السفليين لا غير.
عند العودة للمستشفى في 24 أغسطس/آب، وثقت هيومن رايتس ووتش هجوماً مشابهاً على المستشفى في 21 أغسطس/آب. تسببت الهجمات الثلاث التي وثقتها هيومن رايتس ووتش على المستشفى في قتل أربعة مدنيين وجرح خمسة، بمن فيهم ثلاث ممرضات. [85]
في نحو الثالثة من مساء 24 أغسطس/آب، بينما كان باحثان من هيومن رايتس ووتش في زيارة للمستشفى، قامت نفاثة مقاتلة بقصف بناية على مسافة 50 متراً في شارع مواز للمستشفى. كان اتجاه القذيفة، كما بينه الدمار اللاحق بالبناية، يوحي بأن المقاتلة كانت تستهدف المستشفى إلا أنها أخفقت في إصابة هدفها. انهارت البناية جراء الهجوم فجرحت عدة أطفال. [86] كان باحثا هيومن رايتس ووتش قد مرا بجوار البناية سيراً قبل الغارة بنحو 5 دقائق، ولم يشهدا وجوداً للجيش السوري الحر في المنطقة في توقيت الغارة، سوى شخصين مسلحين أمام المستشفى كان يبدو أنهما يحرسان المستشفى. كانت هيومن رايتس ووتش متواجدة حين أحضر المسعفون عدة أطفال جرحى، يبلغ عمر بعضهم الخامسة، إلى المستشفى بعد الهجوم. لم تر هيومن رايتس ووتش أي مقاتلين تابعين للجيش السوري الحر مصابين جراء الهجوم.
بخلاف الهجمات الأربع التي وثقتها هيومن رايتس ووتش، أفاد صحفيون دوليون يعملون في مدينة حلب، علاوة على نشطاء محليين، بأن القوات الحكومية ضربت المستشفى أو المنطقة المحيطة أربعة مرات أخرى. [87] في 21 نوفمبر/تشرين الثاني، في الهجمة الأولى، قامت مقاتلة بإلقاء قنبلة فدكت أحد المباني الملاصقة وجزءاً من المستشفى وجعلت بقيته لا تصلح للاستخدام. [88] بحسب شهادة الشهود، قتل ما يصل إلى 40 شخصاً، منهم طبيب وممرضة واثنان من حراس الأمن في المستشفى. [89]
يقع المستشفى بمنطقة الشعار، وهو حي تجاري وسكني في الجزء الشمالي الشرقي من مدينة حلب. في أغسطس/آب، حين زارت هيومن رايتس ووتش المستشفى، كانت القوات الحكومية والمعارضة تتقاتل في الجزء الجنوبي الغربي من المدينة، على مسافة نحو 5 كيلومترات من المستشفى.
يحتل المستشفى منشأة طبية معروفة ويحمل شارة الهلال الأحمر بجلاء على واجهته. قال أطباء المستشفى لـ هيومن رايتس ووتش إن القوات الحكومية كانت تستخدم مستشفى الشفاء حتى سيطرت قوات المعارضة على المنطقة في أواخر يوليو/تموز، وبالتالي فإن موقعه والغرض منه معروفان للحكومة. [90]
في تعليق على هجوم 21 نوفمبر/تشرين الثاني، أفادت وكالة الأنباء الحكومية السورية "سانا" بأن "القوات المسلحة السورية... نفذت عمليات تستهدف مخابئ الإرهابيين في مستشفى دار الشفاء بمنطقة الشعار... أدت [هذه وغيرها من] العمليات إلى مقتل عشرات الإرهابيين وتدمير أسلحتهم ومعداتهم". [91] لم تر هيومن رايتس ووتش أثراً لنشاط المعارضة العسكري في مبنى المستشفى أو حوله أثناء زياراتها العديدة في أغسطس/آب. غير أن شخصاً واحداً له اطلاع على الوضع القائم بالمستشفى وتم إجراء مقابلة معه في يناير/كانون الثاني 2013 قال لـ هيومن رايتس ووتش إنه رأى ما يبدو أنه قادة للمعارضة يجتمعون في المستشفى في عدة مناسبات بعد أغسطس/آب. [92] قال شخص آخر إنه كانت هناك مجموعة صغيرة من مقاتلي المعارضة تقيم بالمبنى الذي دمر في هجوم 21 نوفمبر/تشرين الثاني، وأن حوالي 20 منهم قتلوا في الهجوم. [93]
تسبب وجود مقاتلي المعارضة في المستشفى أو المنطقة المحيطة به ـ بخلاف الذين يقومون بحفظ الأمن في المستشفى ـ بتعريض المستشفى وطواقمه الطبية والمرضى للخطر، ومن ثم فهو يمثل انتهاكاً لقوانين الحرب. إلا أن هذا لا يعفي الحكومة من واجب الامتناع عن الهجوم على مستشفى دون توجيه إنذار، أو اتخاذ كافة الاحتياطات الممكنة لتقليل الضرر اللاحق بالمدنيين جراء الهجوم. حتى لو كان المستشفى يستخدم لأغراض عسكرية في توقيت الهجوم، وهو ما لا يقوم عليه دليل، فإن الهجمات كانت غير متناسبة.
المستشفى الميداني في سلمى، اللاذقية
في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2012، قامت مروحية بقصف مستشفى ميداني في بلدة سلمى بمحافظة اللاذقية مستعينة بقنبلة جوية بدائية الصنع، فأحدثت دماراً كبيراً بالمبنى وأرغمت المستشفى على إغلاق أبوابه والانتقال إلى مقر جديد.
أثناء زيارة للموقع، وثقت هيومن رايتس ووتش هجومين آخرين على المنطقة المحيطة بالمستشفى، تدل على احتمال استهداف المستشفى المتعمد. انفجرت إحدى القنابل خلف المستشفى مباشرة فأصابت مبنى تحت الإنشاء. وانفجرت قنبلة أخرى أمام المستشفى مباشرة فقتلت مدنياً وجرحت سبعة. [94]
قال أحد العمال بالمستشفى لـ هيومن رايتس ووتش:
كانوا يهاجمون هذه المنطقة مرات عديدة بسبب المستشفى، لكنهم لم يتمكنوا من إصابته . وأخيراً، في 5 أكتوبر / تشرين الأول، قامت مروحية بإسقاط عدة قنابل فأصابت إحداها المستشفى . سقطت معظم القنابل على أراضي سلمى المحيطة بالميدان المركزي، أو في المنطقة المحيطة بالمستشفى . [95]
قال بعض السكان المحليين والعاملين بالمستشفى لـ هيومن رايتس ووتش إنهم تيقنوا من علم الحكومة بأمر المستشفى من مرشدين في المنطقة. إلا أن هيومن رايتس ووتش لم تتمكن من التحقق مما إذا كانت الحكومة تعلم باستخدام المبنى كمستشفى. ينبغي مواصلة التحقيق في هذا الأمر.
قال سكان محليون لـ هيومن رايتس ووتش إن أفراد الجيش السوري الحر، رغم مرورهم عبر البلدة أحياناً، إلا أن مواقعهم تقع خارج البلدة. كانت الحكومة قد استهدفت نقطة شرطة تبعد نحو 200 متر عن المستشفى بشكل منفصل، بحسب السكان المحليين، الذين قالوا إنه كان من السهل تحديد متى تحاول المروحيات استهداف المستشفى ومتى تحاول استهداف نقطة الشرطة، بناءً على موضع سقوط القنابل. [96]
[78]تستخدم اتفاقيات جنيف مصطلح "الوحدات الطبية"، الذي يشير إلى المنشآت العسكرية أو المدنية المستخدمة للأغراض الطبية، مثل المستشفيات وغيرها من مراكز الرعاية الطبية. انظر اتفاقية جنيف الأولى، المادة 18، والبروتوكول 1، المادة 8 (هـ).
[79]تبقى المستشفيات وغيرها من المنشآت الطبية أعياناً محمية حتى في حالة "حراسة تلك الوحدة بواسطة مفرزة أو دورية أو خفراء" أو "حيازة أفراد تلك الوحدة لأسلحة شخصية خفيفة للدفاع عن أنفسهم أو عن الجرحى والمرضى الموكولين بهم". البروتوكول 1، المادة 13 (2) (أ وب).
[80]البروتوكول 2، المادة 11؛ وانظر أيضاً اللجنة الدولية للصليب الأحمر، القانوني الدولي العرفي، قاعدة 28.
[81]نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وثيقة الأمم المتحدة A/CONF.183/9 بتاريخ 17 يوليو/تموز 1998، المصوب بموجب المحاضر بتواريخ 10 نوفمبر/تشرين الثاني 1998 و12 يوليو/تموز 1999 و30 نوفمبر/تشرين الثاني 2000 و17 يناير/كانون الثاني 2001 و16 يناير/كانون الثاني 2002، الباب 2، الاختصاص والمقبولية والقانون الواجب التطبيق، http://untreaty.un.org/cod/icc/statute/arabic/rome_statute%28a%29.pdf (تمت الزيارة في 13 ديسمبر/كانون الأول 2011)، المادة 8 (2) (هـ) (2) و(4).
[82]في ديسمبر/كانون الأول 2012، قامت القوات الحكومية أيضاً بقصف المستشفى الوطني في عزاز ولم تقع إصابات. مقابلة هاتفية لـ هيومن رايتس ووتش، 13 يناير/كانون الثاني 2013؛ وانظر أيضاً "سوريا: غارة جوية على سوق تقتل وتجرح العشرات"، أخبار أطباء بلا حدود، http://www.doctorswithoutborders.org/press/release، 14 يناير/كانون الثاني 2013 (تمت الزيارة في 30 يناير/كانون الثاني 2013). لتقارير عن هجمات أخرى على المستشفيات والطواقم الطبية، انظر أيضا: هيومن رايتس ووتش، "لم نر مثل هذا الرعب من قبل"، يونيو/حزيران 2011، صفحات 30-34، http://www.hrw.org/sites/default/files/reports/syria0611arWeb.pdf. هيومن رايتس ووتش، "وكأننا في حرب"، نوفمبر/تشرين الثاني 2011، http://www.hrw.org/sites/default/files/reports/syria1111arwebwcover.pdf، "سوريا: قوات الأمن تخرج المصابين من المستشفى"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 8 سبتمبر/أيلول 2011، http://www.hrw.org/ar/news/2011/09/08-0. انظر أيضاً: "سورية: مهنيون طبيون معتقلون يتعرضون للتعذيب والقتل في حملة حلب القمعية"، بيان صحفي لمنظمة العفو الدولية، 26 يونيو/حزيران 2012، http://www.amnesty.org/ar/news/syria-detained-medics-killed-brutal-bid-silence-dissent-2012-06-26 (تمت الزيارة في 30 يناير/كانون الثاني 2013)؛ "مناخ الخوف يخيم على المشافي في سوريا بسبب استهداف المرضى والعاملين الصحيين"، بيان صحفي لمنظمة العفو الدولية، 25 أكتوبر/تشرين الأول 2011، http://www.amnesty.org/ar/news-and-updates/report/climate-fear-syrias-hospitals-patients-and-medics-targeted-2011-10-25 (تمت الزيارة في 30 يناير/كانون الثاني 2013).
[83]للمزيد من المعلومات عن هجمات 12 و14 أغسطس/آب على مستشفى دار الشفاء، انظر "الطائرات السورية تضرب مستشفى في حلب"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 15 أغسطس/آب 2012، http://www.hrw.org/ar/news/2012/08/15-0
[84]مقابلة لـ هيومن رايتس ووتش، مدينة حلب، 14 أغسطس/آب 2012.
[85]مقابلة لـ هيومن رايتس ووتش مع العاملين بالمستشفى، مدينة حلب، 24 أغسطس/آب 2012.
[86]مقطع مصور لآثار الغارة: "مجزرة جراء القصف من الميغ على المدنيين"، مقطع فيديو، يوتيوب، 22 أغسطس/آب 2012، http://www.youtube.com/watch?v=_yS5SEyOP_Y&feature=plcp (تمت الزيارة في 1 فبراير/شباط 2013).
[87]نيك بيتون والش، "اختيارات تمزق القلوب في مستشفى سوري بمنطقة القتال"، سي إن إن، 8 سبتمبر/أيلول 2012، http://edition.cnn.com/2012/09/07/world/meast/syria-aleppo-hospital/index.html (تمت الزيارة في 30 يناير/كانون الثاني 2013).
[88]"حلب حي الشعار انهيار مبنى بالكامل من جراء القصف بالبراميل"، مقطع فيديو، يوتيوب، 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2012، http://www.youtube.com/watch?v=A3XG2YbxLy4&feature=youtu.be (تمت الزيارة في 30 يناير/كانون الثاني 2013).
[89]مقابلة هاتفية لـ هيومن رايتس ووتش، 29 يناير/كانون الثاني 2013.
[90]مقابلة لـ هيومن رايتس ووتش مع العاملين بالمستشفى، حلب، 14 أغسطس/آب 2012.
[91]النشرة الإخبارية اليومية للتلفزة السورية (فيديو)، 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2012، https://syria360.wordpress.com/2012/11/21/sana-headlines-november-21-22-2012/ (تمت الزيارة في 30 يناير/كانون الثاني 2013).
[92]مقابلة هاتفية لـ هيومن رايتس ووتش، 29 يناير/كانون الثاني 2013.
[93]رسالة إلكترونية مكتوبة لـ هيومن رايتس ووتش، 29 يناير/كانون الثاني 2013.
[94]زيارة ميدانية لـ هيومن رايتس ووتش، سلمى، 16 ديسمبر/كانون الأول 2012.
[95]مقابلة لـ هيومن رايتس ووتش، سلمى، 16 ديسمبر/كانون الأول 2012.
[96]السابق





