أبريل 11, 2013

III. الهجمات المتعمدة على المخابز

أتيح لـ هيومن رايتس ووتش من خلال زياراتها الميدانية توثيق ثماني غارات جوية على أربعة مخابز في مدينة حلب، والباب، ومارع، قتل فيها 35 مدنياً على الأقل كانوا ينتظرون في الطوابير لشراء الخبز. كما وثقت هيومن رايتس ووتش هجمات تستخدم نيران المدفعية الأرضية ضد سبعة مخابز أخرى. [63] وبحسب مجموعة معارضة محلية، هاجمت القوات السورية 78 مخبزاً في أنحاء سوريا، إما بالغارات الجوية أو بنيران المدفعية. [64] إن عدد هذه الهجمات ونمطها يوحيان باستهداف القوات الحكومية المتعمد للمدنيين في المخابز وطوابير الخبز.

لم تصدر الحكومة أي تصريح يتعلق بالهجمات التي وثقتها هيومن رايتس ووتش على المخابز.

بحسب الشهود وزيارات هيومن رايتس ووتش الميدانية، لم تكن للجيش السوري الحر قواعد في نطاق هذه الهجمات. ويبدو أن أفراد الجيش السوري الحر في المنطقة كانوا ينفذون عمليات تأمين، دون أن يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية.

تعد المخابز أهدافاً مدنية مصونة من الهجوم. وبما أن المخابز التي تديرها المعارضة في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة هي مصدر الخبز الوحيد بالنسبة للسكان المدنيين فهي أيضاً مصونة بوصفها "أعيان لا غني عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة". [65] وقوانين الحرب تحظر الهجمات التي من شأنها "تدمير أو نقل أو تعطيل" مثل هذه الأعيان " إذا تحدد القصد من ذلك في منعها عن السكان المدنيين أو الخصم لقيمتها الحيوية مهما كان الباعث سواء كان بقصد تجويع المدنيين أم لحملهم على النزوح أم لأي باعث آخر". [66]

كان أفراد الجيش السوري الحر يعملون على تنظيم طوابير الخبز والحفاظ على النظام فيها، وحتى لو كان هؤلاء الأفراد مسلحين فإنهم في تلك الظروف يعتبرون من منفذي مهام حفظ الأمن، ومن ثم فهم في منعة من الهجوم. وحتى لو كان هؤلاء الأفراد من مقاتلي الجيش السوري الحر النظاميين وبالتالي يعتبرون أهدافاً عسكرية مشروعة، فإن مهاجمتهم بالغارات الجوية في منطقة مزدحمة يرقى إلى مصاف الهجوم غير المتناسب وغير المشروع.

مخبز أقيول، مدينة حلب

في نحو السادسة من مساء يوم 21 أغسطس/آب، قامت مروحية بإسقاط قنبلتين قرب مخبز أقيول بحي باب الحديد في مدينة حلب، فقتلت 23 شخصاً على الأقل وجرحت أكثر من 30. زارت هيومن رايتس ووتش الموقع بعد ثلاثة أيام من الهجوم، وراجعت مقاطع الفيديو التي تم تصويرها قبل الهجمة وبعدها مباشرة، وأجرت مقابلات مع شهود، منهم اثنان من مصوري مقاطع الفيديو.

وبحسب هذه الشهادات، كانت هناك مروحية تحوم حول المنطقة قبل الهجمة. بعد قليل من فتح المخبز في الخامسة والنصف مساءً وبدء اصطفاف الناس في طوابير لشراء الخبز، أسقطت المروحية قنبلتين، فأصابت إحداهما حافة بناية على الجهة المقابلة للمخبز، وسقطت الثانية على مسافة نحو 50 متراً من المخبز.

قال "مصطفى"، وهو فتى في السابعة عشرة قام بتصوير آثار الهجمة وأطلع هيومن رايتس ووتش على مقطع الفيديو: "كان أسوأ شيء رأيته في حياتي". [67] يُظهر مقطع الفيديو صفاً من الأشخاص الموتى أو المصابين بإصابات جسيمة بطول جدار المخبز. ويمكن رؤية المزيد من الجثث، بعضها مبتور الرؤوس والأطراف، على الأرض حول المخبز.

قال "قيس"، وهو خياط عمره 44 عاماً وكان يعمل كمتطوع في المخبز وجرح في الهجوم، قال لـ هيومن رايتس ووتش إنه كان في عصر يوم 21 أغسطس/آب قد انتهى من توصيل الطحين للمخبز ويوشك على الانصراف، حين وقعت الهجمة:

كان الدخان الأسود بكل مكان، والزجاج المكسور . أصابت القنبلة ناصية الشارع، وتطايرت الشظايا مباشرة نحو الطابور، فقتل الجميع أو أصيبوا بإصابات جسيمة . رأيت رجلاً على الأرض دون ساق، وآخر بدون ذراع، ثم صبياً في السادسة عشرة كنت أعرفه، باسم رأفت مكيك حلاق، بدون رأس ... أحد أبناء عمومتي، أحمد، فقد ذراعه وساقه ثم مات لاحقاً . وأختي التي أصيبت بدورها لم تزل في المستشفى . [68]

قال كافة الشهود الذين أجرت هيومن رايتس ووتش معهم المقابلات إنه لم يكن هناك وجود لمقاتلي المعارضة في المنطقة المحيطة، فيما عدا مقاتلين مسؤولين عن حفظ النظام في طابور الخبز. [69]

قال مقاتلو الجيش السوري الحر في الحي إنهم كانوا مشغولين بمعركة مع القوات الحكومية على مسافة كيلومتر أو اثنين من المخبز في 21 أغسطس/آب، لكن لم يكن هناك قتال يدور قرب المخبز. [70]

مخبز كنجو، مدينة حلب

في 20 أغسطس/آب أغارت مقاتلة نفاثة على عمارتين سكنيتين في حي الميسر فقتلت 12 شخصاً وجرحت بين 20 و25، بحسب شهادة السكان المحليين. كانت العمارتان تقعان على بعد 50 متراً من المخبز، على الجهتين المتقابلتين من شارع يوازي الشارع الذي يقع به المخبز. كان المخبز قد هوجم مرتين على الأقل من قبل بنيران المدفعية، كما قال السكان المحليون. [71] وقد اقتنعت هيومن رايتس ووتش بعد فحص التلفيات التي أصابت البنايتين بأن غارة 20 أغسطس/آب كانت تستهدف المخبز أيضاً لكنها أخفقت في إصابته. دمرت القنبلة الطابق العلوي من البناية الأبعد عن المخبز والطابق السفلي من البناية الأقرب إليه، فأوضحت اتجاه ومسار القنبلة، التي كان من شأنها أن تصيب المخبز لو انطلقت بعد موعدها بهنيهة.

قال السكان إن القتلى يشملون أربعة من عائلة حداني، أعمارهم 10 و16 و16 و75 سنة، أصابت القنبلة منزلهم. وقتل ستة من الضحايا الآخرين في الشارع بينما كانوا يفرون من المخبز بعد سماع صوت المقاتلة. وكان بين الجرحى سبعة أطفال وخمس نساء من عائلة حداني.

يعتقد سكان الشارع الذين أجرت معهم هيومن رايتس ووتش مقابلات أن المقاتلة حاولت استهداف المخبز. [72] قال أحد السكان لـ هيومن رايتس ووتش: "حين سمع الناس صوت المقاتلة أدركوا احتمال استهداف المخبز فهرعوا للاحتماء في شارعنا. إلا أن القنبلة لم تصب هدفها، وأصابت شارعنا بدلاً من المخبز". [73]

حين زارت هيومن رايتس ووتش المنطقة بعد يومين من الهجوم، كان أربعة من مقاتلي الجيش السوري الحر يجلسون أمام المخبز، ولكن لم يكن هناك ما يشير إلى أي نشاط عسكري آخر في المنطقة. وبحسب جنود الجيش السوري الحر، تقع أقرب قواعد الجيش السوري الحر على مسافة 400 متر.

مارع، حلب

هاجمت المقاتلات النفاثة المخبز الكائن شرقي بلدة مارع في شمال محافظة حلب ثلاثة مرات على الأقل. في نحو التاسعة والنصف من صباح 22 أغسطس/آب أطلقت مقاتلة قنبلة على مسافة نحو 30 متراً من المخبز، لكن القنبلة أخفقت في الانفجار. بحسب ثلاثة شهود، كان هناك نحو 300 شخص في الطابور في وقت الهجوم. زارت هيومن رايتس ووتش الموقع في 23 أغسطس/آب وشاهدت حفرة في موضع سقوط الصاروخ، على مسافة حوالي 35 متراً من المخبز. [74]

لم تنتج عن الهجمة إصابات، حيث فر أغلب الناس حينما شاهدوا الطائرة المقاتلة. في وقت أسبق في أغسطس/آب كان باحثو هيومن رايتس ووتش قد مروا بالسيارة على المخبز في عدة مناسبات ولم يروا أي وجود للجيش السوري الحر في المنطقة، وكانت منشأتان معروفتان تتبعان الجيش السوري الحر تقعان في أجزاء أخرى من البلدة.

في 11 سبتمبر/أيلول 2012 عاودت المقاتلات الهجوم بالقرب من المخبز، دون وقوع إصابات. [75]

الباب، حلب

قامت مقاتلة بقصف مخبز على أطراف بلدة الباب بشمال شرق محافظة حلب ثلاثة مرات على الأقل، في الرابعة والحادية عشرة من مساء يوم 21 أغسطس/آب، وفي نحو الحادية عشرة من مساء يوم 22 أغسطس/آب. لم تسفر هجمات 21 أغسطس/آب عن إصابات. قال الشهود لـ هيومن رايتس ووتش إنه أثناء الهجمة الأولى لم يكن هناك أحد بالقرب من المخبز. أثناء الهجمة الثانية فر الأشخاص المنتظرون في الطابور ـ نحو 20 رجلاً و10 سيدات ـ بمجرد رؤية المقاتلة تقترب، ولم يصب أحد بجروح. في 22 أغسطس/آب ألقت المقاتلة بقنبلتين قرب المخبز، وقال الشهود لـ هيومن رايتس ووتش إن معظم المنتظرين في الطابور فروا حين شاهدوا المقاتلة، لكن ثلاثة رجال وصبياً أصيبوا بجروح. [76]

زارت هيومن رايتس ووتش موقع الهجمات وفحصت الحفر الناجمة. كانت إحدى الحفر تبعد نحو 10 أمتار عن المخبز، والثانية على مسافة حوالي 50 متراً. لم يكن القتال قد دار في الباب منذ يوليو/تموز، حينما اضطرت القوات الحكومية للانسحاب. قال الشهود الذين أجرت معهم هيومن رايتس ووتش المقابلات إنهم لم يلحظوا أية قوات أو أسلحة للجيش السوري الحر عند المخبز. [77]

[63]للمزيد من المعلومات عن الهجمات على المخابز وطوابير الخبز، انظر "الحكومة السورية تهاجم طوابير الخبز"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 30 أغسطس/آب 2012، http://www.hrw.org/ar/news/2012/08/30.

[64]"تقرير إحصائي شامل عن استهداف النظام السوري للمخابز والأفران في المحافظات السورية"، الهيئة العامة للثورة السورية، 28 ديسمبر/كانون الأول 2012.

http://www.srgcommission.org/index.php?option=com_content&view=article&id=29559:2012-12-28-17-14-16&catid=72:2011-12-21-22-03-48&Itemid=115 (تمت الزيارة في 28 يناير/كانون الثاني 2013).

[65]البروتوكول 1، مادة 54.

[66]اللجنة الدولية للصليب الأحمر، القانون الدولي الإنساني،قاعدة 54 باقتباس من البروتوكول الأول، المادة 54 والبروتوكول الثاني المادة 14.

[67]مقابلة هيومن رايتس ووتش، مدينة حلب، 24 أغسطس/آب 2012.

[68]مقابلة هيومن رايتس ووتش، مدينة حلب، 24 أغسطس/آب 2012.

[69]السابق..

[70]السابق.

[71]انظر "الحكومة السورية تهاجم طوابير الخبز"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش.

[72]انظر "الحكومة السورية تهاجم طوابير الخبز"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش.

[73]مقابلة هيومن رايتس ووتش، مدينة حلب، 22 أغسطس/آب 2012.

[74]زيارة هيومن رايتس ووتش الميدانية، مارع، 23 أغسطس/آب 2012.

[75]مقابلات هيومن رايتس ووتش وزياراتها الميدانية، مارع، 11 ديسمبر/كانون الأول 2012.

[76]مقابلات هيومن رايتس ووتش، الباب، 24 أغسطس/آب 2012.

[77]مقابلات هيومن رايتس ووتش وزياراتها الميدانية، الباب، 24 أغسطس/آب 2012.