ملخص
منذ أواخر يوليو/تموز 2012 نفذت القوات الحكومية السورية غارات جوية من طائرات مقاتلة ومروحيات استهدفت مدناً وبلدات وأحياءً سكنية تخضع لسيطرة قوات المعارضة. أسفرت هذه الغارات عن مقتل أكثر من 4300 مدني طبقاً لمجموعة سورية ترصد الخسائر البشرية وتوثقها، وألحقت الإصابات بالآلاف، ودمرت ممتلكات مدنية ومرافق بنية أساسية في كل من حلب وإدلب وحماة ودير الزور ودمشق ودرعا وحمص والرقة ومحافظات أخرى.
توثق هيومن رايتس ووتش في هذا التقرير 59 غارة جوية غير قانونية ، تمكنّا من زيارة مواقعها . هذه الغارات هي غارات جوية متعمدة استهدفت مدنيين وغارات أخرى عشوائية – أي لم تميز أو لم تتمكن من التمييز بين المدنيين والمقاتلين. نوعا الغارات المذكوران يعدان خروقات جسيمة للقانون الدولي الإنساني (قوانين الحرب). خلصت هيومن رايتس ووتش إلى أنه من الواضح تنفيذ القوات الجوية السورية لغارات جوية عشوائية مع العلم بأثرها العشوائي الذي ينال من المدنيين.
إن الأفراد الذين يرتكبون انتهاكات جسيمة لقوانين الحرب عن قصد – أي عمداً أو من واقع الإهمال – يعتبرون مسؤولين عن جرائم حرب. يبدو أن الغارات الجوية التي شنتها الحكومة السورية والتي قتلت عمداً أو من واقع كونها عشوائية مدنيين، تعد جزءاً من هجمات ممنهجة ومتفشية ضد السكان المدنيين، وهي الهجمات التي سبق وخلصت هيومن رايتس ووتش إلى أنها ترقى لمستوى الجرائم ضد الإنسانية.
يستند هذا التقرير إلى تحقيقات ميدانية أجريت في كل من محافظات حلب وإدلب واللاذقية في أغسطس/آب وأكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول 2012. زار الباحثون 52 موقعاً لغارات جوية شنتها الحكومة – وبعض المواقع قُصفت أكثر من مرة – في محافظات حلب وإدلب واللاذقية، وشهدوا على بعض الغارات الجوية أثناء وقوعها بأنفسهم. وقابلوا أكثر من 140 شاهداً وضحية للغارات أثناء زيارات المواقع، ومن خلال الهاتف، وفي مخيمات اللاجئين والنازحين في سوريا ودول الجوار، وأربعة منشقين عن القوات الجوية السورية. قتلت الغارات على المواقع التي زارتها هيومن رايتس ووتش 152 مدنياً. ضمّت هيومن رايتس ووتش عدة غارات أخرى وثقناها من خلال مقابلات مع شهود عيان وراجعنا صور ومقاطع فيديو متعلقة بها، لكن لم نتمكن من زيارة مواقع هذه الغارات.
كانت مواقع الغارات التي تفقدتها هيومن رايتس ووتش في بلدات وقرى تسيطر عليها المعارضة. كانت أغلب البلدات والقرى تحت سيطرة المعارضة لأسابيع وشهور ولم تشهد أي قتال على الأرض وقت الغارات.
في حين نفذت القوات الحكومية غارات جوية متفرقة منذ مارس/آذار 2012، فإن الغارات الجوية المنتظمة ضد بلدات المعارضة بدأت في أواخر يوليو/تموز. ليس العدد المحدد لوفيات المدنيين جراء هذه الغارات بالمعلومة التي يسهل التحقق منها. طبقاً لمركز توثيق الانتهاكات، وهي جماعة مراقبة سورية تعمل بالتنسيق مع شبكة من نشطاء المعارضة السوريين تسمى لجان التنسيق المحلية، فإن 4472 شخصاً أغلبهم من المدنيين قد ماتوا نتيجة للغارات الجوية في الفترة من يوليو/تموز 2012 إلى 22 مارس/آذار 2013. يُرجح أن العدد الفعلي للخسائر في صفوف المدنيين أعلى بكثير، نظراً لصعوبة التوثيق.
جمعت هيومن رايتس ووتش معلومات تشير إلى تعمد القوات الحكومية استهداف المخابز والمدنيين المنتظرين في طوابير الخبز بغارات جوية وكذلك بالقصف المدفعي. فيما يخص هذا التقرير وثقت هيومن رايتس ووتش تفصيلاً ثماني غارات جوية على أربعة مخابز. وفي كل من هذه الغارات، لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من التعرف على أية أهداف عسكرية – كمقاتلين أو أسلحة – في محيط الموقع المستهدف بالغارة. طبقاً للهيئة العامة للثورة السورية – وهي مجموعة معارضة محلية – فإن القوات السورية هاجمت 78 مخبزاً في شتى أنحاء سوريا، سواء بالغارات الجوية أو بالقصف المدفعي.
يظهر بقوة من هجمات متكررة على مستشفيين في المناطق التي زارتها هيومن رايتس ووتش أن الحكومة تعمدت استهداف هذه المنشآت. في مدينة حلب، شنت طائرات مقاتلة ثماني غارات على الأقل على مستشفى عليه بوضوح علامات تشير لكونه منشأة طبية أو بالقرب منه، وهو مستشفى دار الشفاء، في ظرف أربعة شهور، وفيما بعد دمرت أجزاءً كبيرة من المبنى بحيث لم يعد المستشفى قادراً على تسيير العمل. حتى إذا كان مقاتلي المعارضة في المستشفى بمدينة حلب أو بالقرب منه، كما تشير بعض المعلومات، فلا يمكن استهداف المستشفى دون تقديم تحذير أولاً. فضلاً عن ذلك، فإن من شأن هذه الهجمات بطبيعتها أن تتسبب في خسارة غير متناسبة في أرواح المدنيين، مقارنة بالميزة العسكرية المتحققة، وهو خرق لقوانين الحرب. في سلمى بمحافظة اللاذقية، تكرر إسقاط المروحيات لقنابل جوية بدائية الصنع في محيط مستشفى ميداني، وقامت في نهاية المطاف بتدميره في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2012، فيما يبدو أنه هجوم متعمد على مستشفى.
بالإضافة إلى الغارات على المخابز والمستشفيات، خلصت هيومن رايتس ووتش في 44 حالة أخرى إلى أن الغارات الجوية كانت غير قانونية بحسب مبادئ قوانين الحرب. استخدمت القوات الجوية السورية سبلاً (مثال: قنابل غير موجهة) وأساليب (مثال: طائرات مقاتلة، مروحيات تحلق على ارتفاعات عالية) للحرب لا يمكنها في ظل الظروف السائدة أن تفرق بين المدنيين والمقاتلين، ومن ثم فقد كانت عشوائية. في الغارات التي حققت بها هيومن رايتس ووتش، ورغم تعداد الخسائر العالي في صفوف المدنيين، كان الضرر اللاحق بمقار المعارضة وبناياتها الأخرى في حدّه الأدنى، وعلى حد علم هيومن رايتس ووتش، فلم تقع خسائر بشرية في صفوف مقاتلي المعارضة. بعض هذه الهجمات – لا سيما حيث لم تتوفر أدلة على وجود هدف عسكري مشروع – ربما استهدفت المدنيين عمداً، لكن مطلوب معلومات إضافية قبل التوصل إلى هذا الاستنتاج.
قال لـ هيومن رايتس ووتش أربعة ضباط قوات جوية سوريين انشقوا عن وحداتهم إن القوات الجوية السورية ليس لديها التقنية اللازمة للتعرف على أهداف عسكرية بعينها واستهدافها تحديداً في المناطق الحضرية. يعتقدون أن قادتهم أمروا رغم ذلك بشن غارات جوية على مدن وبلدات، وجزء من السبب في الأوامر يعود إلى بث الخوف في السكان المدنيين بمعاقل المعارضة، وأيضاً لحرمان المعارضة من دعم المدنيين.
جمعت هيومن رايتس ووتش معلومات من خلال الزيارات الميدانية وفحص مقاطع الفيديو والمقابلات مع الشهود على عشرات الغارات منها القصف بالذخائر العنقودية وأسلحة تحظرها أغلب الدول بسبب طبيعتها العشوائية. بين يوليو/تموز وديسمبر/كانون الأول، وثقت هيومن رايتس ووتش استخدام القوات المسلحة السورية ذخائر عنقودية محمولة جواً على مناطق مأهولة بالسكان في محافظات حلب وإدلب ودير الزور وحمص واللاذقية ودمشق. توصلت المراجعة الأوّلية للمعلومات المتوفرة إلى 119 موقعاً على الأقل في شتى أنحاء سوريا استخدم فيها ما لا يقل عن 156 قنبلة عنقودية، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2012، عندما حدثت زيادة ضخمة في معدلات استخدام الذخائر العنقودية من قبل القوات الجوية السورية.
إن الالتزام بتقليص الضرر اللاحق بالسكان المدنيين يسري على جميع أطراف النزاع. لم يتخذ الجيش السوري الحر وجماعات المعارضة السورية المسلحة الأخرى جميع الاحتياطات المستطاعة من أجل تفادي نشر القوات والمنشآت مثل مقار القوات، في أو بالقرب من المناطق كثيفة السكان. على سبيل المثال قال شهود لـ هيومن رايتس ووتش إنه كان يتواجد مقاتلون للمعارضة في مستشفى دار الشفاء أو بالقرب منه بمدينة حلب، وهو الأمر الذي ربما أدى إلى تكرر شن الهجمات على ذلك المستشفى. لكن لا يُعفى الطرف القائم بالهجوم من التزام أخذ الخطر اللاحق بالمدنيين جراء الهجوم في الحسبان إذا كان الطرف المُدافع يضع أهدافاً عسكرية في مناطق مأهولة بالسكان أو بالقرب من هذه المناطق.
في 41 هجوماً وثقها هذا التقرير، تعرفت هيومن رايتس ووتش على أهداف محتملة، مثل قواعد للجيش السوري الحر، أو نقاط تفتيش أو مقار للقوات، على مسافة 50 إلى 400 متر من موقع الغارة، لكن في أغلب الحالات لم تصب الغارات أهدافها المفترضة، فألحقت ضرراً محدوداً – إن وجد من الأساس – بهذه الأهداف. طبقاً لخبراء عسكريين، فإن القوات الجوية السورية لا يتوفر لديها سوى الذخائر غير الموجهة الملقاة جواً. قتلت هذه الغارات الكثير من المدنيين واسفرت عن دمار موسع لحق بالأعيان المدنية ومرافق البنية الأساسية.
على سبيل المثال، شنت القوات الجوية السورية عدة غارات على بلدة الباب، وتقع شرقي مدينة حلب – وقد زارتها هيومن رايتس ووتش – وذلك إلى جوار قاعدة للجيش السوري الحر في الجزء الجنوبي من البلدة، يوم 3 سبتمبر/أيلول 2012. أصابت الطائرة المقاتلة الأولى بناية سكنية على مسافة 100 متر جنوبي القاعدة، مما أودى بحياة أربعة من عائلة سعيد. أصابت غارة ثانية المنطقة الواقعة شماليّ القاعدة مباشرة. لم تُصب قاعدة الجيش السوري الحر مطلقاً.
هناك غارة جوية أخرى على عزاز، وهي بلدة قريبة من الحدود السورية التركية، وقعت في 15 أغسطس/آب وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 34 مدنياً، وأصابت أكثر من 100 آخرين. فحصت هيومن رايتس ووتش الموقع بعد نحو ساعتين من الغارة وتعرفت على منشأتين للجيش السوري الحر ربما كانتا الأهداف المقصودة للغارة: مقر كتيبة محلية للجيش السوري الحر، على مسافة 200 إلى 300 متر من المربع السكني الذي ضربته الغارة، وسجن للجيش السوري الحر، على مسافة 50 إلى 100 متر. لم تتضرر أي من المنشأتين جراء الغارة.
قال "أحمد" – من سكان عزاز، وينحدر من عائلة دنون – لـ هيومن رايتس ووتش إن القصف قتل 12 فرداً على الأقل من عائلته وهم في منازلهم. عندما قابلته هيومن رايتس ووتش بعد ساعات من الهجوم كان يعتقد أن أربعة أقارب آخرين ما زالوا تحت الأنقاض. قال:
كنت على مسافة مائة متر تقريباً من البيت عندما رأيت الطائرة وسمعت صوت القصف والدمار . أشقائي الثلاثة كانوا يعيشون هنا . دفنت 12 من أقاربي اليوم، بينهم أبي وأمي وأختي وزوجة أخي أيضاً . قُطع أخي وليد إرباً . لم نتعرف عليه في البداية . كما دفننا أبناء أخي . الأصغر كان يبلغ من العمر 40 يوماً .
في غارات جوية كثيرة وثقها التقرير، أشارت مخلفات الذخائر ومجال الدمار أن القوات الجوية السورية استخدمت ذخائر ضخمة عالية القدرة التفجيرية، وأحياناً دمرت عدة منازل في ضربة واحدة. حتى إذا كانت هذه الذخائر موجهة بصفة مشروعة إلى هدف عسكري في منطقة مأهولة بالسكان، فمن شأن هذه الأسلحة أن تؤدي إلى خسائر ضخمة في صفوف المدنيين وتدمير الممتلكات المدنية المحيطة بالهدف العسكري. في حين لا تعتبر هذه الأسلحة عشوائية بطبيعتها، فإن الحالات الموثقة في هذا التقرير تُظهر أن القوات المسلحة السورية استخدمت هذه الذخائر بشكل عشوائي في مناطق مأهولة بالسكان. ترى هيومن رايتس ووتش أنه من حيث المبدأ يجب ألا يأمر القادة العسكريون باستخدام أسلحة متفجرة ذات مجال تدمير واسع في مناطق مأهولة بالسكان لما لهذا الأمر من آثار تدميرية متوقعة على المدنيين.
في حين أدت الغارة في 15 أغسطس/آب المذكورة أعلاه إلى تدمير نحو 20 بيتاً، فلم تتمكن هيومن رايتس ووتش من معرفة نوع الذخائر المستخدمة على وجه الدقة. إلا أن معدل التدمير الواسع يشير إلى أن آثار الهجوم كانت لتصبح في كل الأحوال موسعة للغاية حتى إذا كانت الغارة لتصيب هدفها المقصود، مما يجعل الغارة عشوائية في كل الأحوال. في حالات أخرى، تمكنت هيومن رايتس ووتش من التعرف على الذخائر المستخدمة. على سبيل المثال، هناك قنبلة من القنابل المستخدمة في عدد من الحالات التي وثقتها هيومن رايتس ووتش تحتوي على شظايا شديدة الانفجار لقنبلة طراز "أوه إف آيه بي 250-270" ذات نصف قطر التدمير البالغ 155 متراً، مما يعني أن من المرجح أن تؤدي إلى خسائر في صفوف المدنيين بالمناطق المأهولة بالسكان حتى وإن أصابت هدفاً عسكرياً.
وثقت هيومن رايتس ووتش أيضاً استخدام الأسلحة المحرقة في خمسة مواقع: الباب في حلب، داريا في دمشق، معرة النعمان في إدلب، ببيلا في دمشق، القصير في حمص. أسفرت ثلاث على الأقل من هذه الغارات الخمس عن خسائر في صفوف المدنيين. يمكن أن تؤدي الأسلحة المحرقة إلى إصابات قاسية للغاية في صفوف كل من المقاتلين والمدنيين. كما يُرجح أن تكون ذات أثر عشوائي نظراً لأنها تشعل الحرائق وتؤدي إلى خسائر على مدى مساحات واسعة دون تمييز. تطالب هيومن رايتس ووتش بقيود دولية أقوى على استخدام الأسلحة المحرقة. من شأن الحظر الكامل على الأسلحة المحرقة أن يؤدي إلى مردود إنساني أكبر، لكن على الأقل يجب الامتناع عن استخدام الأسلحة المحرقة في المناطق المأهولة بالسكان.
نادراً ما تصدر الحكومة السورية بيانات أو تصريحات على غارات جوية بعينها تشنها قواتها الجوية. في الحالات القليلة التي فعلت فيها ذلك، كانت البيانات عامة وفضفاضة، تشير إلى غارات على "إرهابيين" وتدمير "معاقل إرهابيين" دون توفير أية أدلة أو تفاصيل إضافية. وكلما تمكنت هيومن رايتس ووتش من ربط بيانات حكومية بحالات تم توثيقها، لم تعثر المنظمة على أدلة تدعم مزاعم الحكومة، مثل مقتل جنود بالجيش السوري الحر في الغارات أو تدمير أهداف عسكرية، باستثناء بيان للحكومة بشأن غارة بتاريخ 21 نوفمبر/تشرين الثاني على مستشفى بمدينة حلب.
وقف قتل المدنيين
تأمل هيومن رايتس ووتش أن يساعد هذا التقرير على حشد جهود المجتمع الدولي من أجل إنهاء عمليات القتل غير المشروعة التي تمارسها القوات المسلحة السورية بحق المدنيين، ومن أجل مساعدة المدنيين المعرضين للخطر. كما أن المعلومات التي جمعناها كفيلة بمساعدة من يسعون إلى تقديم الجناة الذين ارتكبوا هذه الجرائم إلى العدالة.
إن على جميع الحكومات المعنية أن تكثف جهودها من أجل دفع سوريا – ومن لهم تأثير على سوريا – إلى اتخاذ خطوات فورية لوقف أعمال قتل المدنيين في سوريا. وعلى وجه التحديد، عليهم أن يضغطوا على سوريا لكي توقف الغارات الجوية المتعمدة والعشوائية وغير المتناسبة، وغيرها من الهجمات على المدنيين، بما في ذلك أي استخدام للذخائر العنقودية، والصواريخ الباليستية، والأسلحة المحرقة، والأسلحة المتفجرة ذات نطاق الانفجار الواسع في المناطق المأهولة بالسكان.
كما يجب على جميع الحكومات والشركات أن تكف فوراً عن بيع الأسلحة والذخائر وغيرها من المواد إلى سوريا أو إمدادها بها؛ نظراً لوجود أدلة دامغة على أن الحكومة السورية ترتكب جرائم ضد الإنسانية، وهذا حتى تكف سوريا عن ارتكاب هذه الجرائم. ربما تجعل مبيعات الأسلحة والمساعدات العسكرية المقدمة للحكومة السورية، من الأفراد المشاركين في هذه المبيعات والمساعدات متواطئين في هذه الجرائم. يجب على الحكومات والأطراف الأخرى تجميد أي تعاملات حالية ووقف توقيع العقود الجديدة مع الشركات التي توفرّ للسلطات السورية مثل هذه الأسلحة والمواد.
كما يجب ألا تسمح الحكومات باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي في نقل شحنات إلى الحكومة السورية فيها أسلحة أو ذخائر أو مواد أخرى ذات صلة. يجب على المجتمع الدولي أن يطالب العراق على وجه الخصوص ببذل المزيد من الجهود للتيقن من عدم مرور أسلحة من روسيا وإيران إلى سوريا عبر الأراضي العراقية، بما في ذلك من خلال السماح للمراقبين المستقلين من الغير بتفتيش القوافل البرية والطائرات التي تمر بالأراضي والمجال الجوي العراقيين في الطريق إلى سوريا. وينبغي على جامعة الدول العربية، وعلى منظمة التعاون الإسلامي، وعلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، التواصل بشكل مكثف مع العراق لكي يقبل هذه المراقبة.
لقد تكررت دعوات هيومن رايتس ووتش لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة كي يتخذ إجراءات للضغط على الحكومة السورية، حتى تكف عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي تشهدها سوريا حالياً، ومن أجل تحقيق درجة من المحاسبة على هذه الجرائم. تشمل هذه الإجراءات جزاءات محددة الهدف على أفراد القيادة السورية المتواطئين في الجرائم، وحظر أسلحة على الحكومة السورية، وإحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية.
غير أن روسيا والصين عارضتا هذه الإجراءات. اعترضت كلاهما بموجب حق الفيتو على ثلاثة قرارات مقترحة بمجلس الأمن، في أكتوبر/تشرين الأول 2011 وفبراير/شباط 2012 ويوليو/تموز 2012 (القرار الأخير هذا كان بموجب الفصل السابع) كانت تهدف إلى الضغط على الحكومة السورية وإلى إنهاء الانتهاكات والبدء في عملية انتقالية، وبررت روسيا والصين هذا الاعتراض بأن هذه القرارات من شأنها تقويض جهود الوساطة السياسية وأن ليس لها أثر إيجابي على الحكومة. كما بررت روسيا والصين الاعتراض بأن القرارات لم تقرّ على النحو الكافي بانتهاكات المعارضة. أخفقت هذه الحجج في تبيّن جسامة الأفعال غير المشروعة التي ترتكبها الحكومة السورية، والتي أسفرت حتى الآن عن مقتل نحو 70 ألف نسمة داخل سوريا. ولقد أدى رفض روسيا والصين لدعم حتى القرارات المخففة، إلى شلل مجلس الأمن، ومنعه من التحرك بشكل يفي بمسؤوليته إزاء حماية الشعب السوري من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
نظراً لتصلب روسيا والصين، يبدو أن لا أمل كبير هنالك بأن يقوم مجلس الأمن في أي وقت قريب بوقف تنازله عن الاضطلاع بمسؤولياته، وهو التنازل الذي ينطوي على التفريط فيما يمليه الضمير. غير أن هذا الأمر لا يعني انتهاء مسؤولية الحكومات الأخرى بأن تضاعف جهودها من أجل كسر هذا الجمود وأن تتخذ على الأقل الخطوات المحددة أدناه. وعلى وجه التحديد، فإن على جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي وشركاء روسيا والصين من دول البريكس – الهند، البرازيل، جنوب أفريقيا – أن يضغطوا على روسيا والصين من أجل التحرك، لا سيما في القضايا التي يعد جمودهما فيها غير مبرر لأقصى درجة، مثل الحاجة لبدء جهود الأمم المتحدة لتسليم المساعدات عبر الحدود لتخفيف الأزمة الإنسانية في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في سوريا. يجب على الحكومات أن تتوسع إلى حد بعيد في تمويل ومساندة هذه المساعدات الإنسانية العابرة للحدود المقدمة من آخرين إن لم يُصرّح للأمم المتحدة بالاضطلاع بهذا الأمر.
كما يتعين على الحكومات أن تضغط على المعارضة المسلحة السورية لكي تحمي المدنيين. وعلى وجه التحديد، يجب أن تتخذ المعارضة المسلحة جميع الاحتياطات المستطاعة من أجل حماية المدنيين من خطر الهجمات، وتفادي نشر القوات العسكرية قدر الإمكان في مناطق كثيفة السكان أو بالقرب منها، وضمان التزام قوات المعارضة بالقانون الدولي الإنساني.
لم تتخذ هيومن رايتس ووتش موقفاً إزاء ما إذا كان على المجتمع الدولي أن يتدخل بالقوة العسكرية لحماية المدنيين في سوريا أم لا. أثناء تفكير الدول المعنية بالتكاليف والمزايا المحتملة لمثل هذه الإجراءات، عليها على الأقل أن تتبنى التوصيات التي يقدمها هذا التقرير.






