VI . تحقيقات قاصرة ومعيبة
شاب تحقيقات النيابة في مذبحة جمعة الكرامة التدخلات السياسية والإخفاق في السعي وراء الخيوط التي قد تؤدي إلى المسؤولين الحكوميين الضالعين في المذبحة، كما شابها أخطاء في تسجيل الحقائق. أصبح ذلك التحقيق الأساس لمحاكمة لأعمال القتل بدأت في 29 سبتمبر/أيلول 2012، في محكمة أمانة غرب العاصمة الابتدائية بصنعاء.
قام الرئيس صالح بوقف النائب العام عبد الله العلفي عن العمل بعد فترة وجيزة من مطالبة العلفي بالقبض على مشتبهين أساسيين، بينهم مسؤولين حكوميين. أخفقت النيابة في استجواب – ناهيك عن اتهام – بعض كبار المسؤولين الذين أفادت شهادات شهود بضلوعهم في الهجوم، أو رؤساء أجهزة أمنية مثل العميد يحيى صالح، الذي ظل حتى ديسمبر/كانون الأول 2012 القائد الفعلي للأمن المركزي، الذي أخفقت وحدة فض الشغب التابعة له في الرد على النحو الملائم على الهجوم.
أدرجت المحكمة 34 شخصاً من بين المشتبه بهم الـ 78 المدعى عليهم في قرار النيابة بتاريخ 29 يونيو/حزيران 2011 كهاربين من العدالة، بمن فيهم من يُزعم أنهم العقول المدبرة للهجوم. يدعي محامون للضحايا إن أماكن العديد من المدعى عليهم المفقودين معروفة وأن السلطات لم تبذل جهداً جاداً للعثور عليهم.[154] كما زعم محامو الضحايا أن تقريباً كل المدعى عليهم الثمانية المحتجزين كانوا من المارة، أو متواطئين هامشيين أو في حالة واحدة، شخص تم القبض عليه بالخطأ.[155]
لم يحدد قرار الاتهام عدد المدعى عليهم من مسؤولي الأمن أو الحكومة، أو وحداتهم أو الأجهزة التابعين لها. يدعي محامو الضحايا إن الأغلبية العظمى ممن يعتبرون في عداد الهاربين من العدالة هم من مسؤولي الأمن أو الحكومة، أو من أعضاء حزب المؤتمر الحاكم سابقاً من عهد الرئيس صالح.[156]
حتى وزير العدل مرشد العرشاني قال في الذكرى الأولى للهجوم إن "الجناة الحقيقيون هربوا ولم يدخل السجن غير معاونيهم ومناصريهم".[157] وفي مقابلة مع هيومن رايتس ووتش نفى النائب العام الجديد علي أحمد ناصر الأعوش – الذي احتفظ بمنصبه بعد مجيئ الرئيس هادي – أن يكون مكتبه أو أطراف أخرى من حكومة صالح قد تدخلوا في القضية. وقال الأعوش: "لقد مضينا في التحقيقات بأفضل ما نستطيع".[158]
ألقى النائب العام مسؤولية أي ضعف في القضية على "رفض الشهود وأقارب الضحايا التعاون مع التحقيقات" وعلى اللواء الأحمر، قائد الفرقة الأولى مدرع، الذي قال إنه "ربما" لم يسلم جميع الأسلحة والأدلة الأخرى التي صادرها المتظاهرون بعد أن حطموا الجدار.[159] أما اللواء الأحمر فقد نفى أي تدخل من جانبه في أثناء مقابلة منفصلة مع هيومن رايتس ووتش.[160]
أقرّ الأعوش بأن من بين المشتبه بهم عناصر من الأمن ومسؤولين حكوميين لكن قال إنه لا يعرف عددهم تحديداً، قائلاً لـ هيومن رايتس ووتش: "بصفتي النائب العام لا أدخل في تفاصيل هذه القضية".[161]
قاطع أقارب الضحايا على مدار 18 شهراً الجلسات السابقة على المحاكمة احتجاجاً على وجود ثغرات في القضية. بدأ أهالي الضحايا في دعم مجريات القضية في سبتمبر/أيلول 2012 بعد أن حضّر محاموهم دعوى تطالب المحكمة بأن تأمر النائب العام بإعادة فتح التحقيق واتهام كبار المسؤولين ومنهم الرئيس السابق علي عبد الله صالح، كما نصف أدناه في هذا التقرير.
إلا أن هذه الدعوى كانت لها مشكلاتها، فقد اشتملت على مرفق عبارة عن مذكرة يُزعم أنها من وزارة الداخلية تشير لتورط بعض كبار المسؤولين في تسليح الموالين للحكومة وقت أن بدأت جماعات مسلحة تهاجم المعتصمين. إلا أن محكمة منفصلة، هي المحكمة الإعلامية المتخصصة، كانت قد قضت قبل خمسة أشهر بأن هذه المذكرة مزيفة.[162] لم تشر الدعوى إلى اللغط المحيط بصدقية الوثيقة.
هذه المذكرة المزعومة المؤرخة في فبراير/شباط 2011 والتي يُزعم أنها صادرة عن وزير الداخلية المصري إلى العميد طارق صالح الذي كان يرأس الحرس الرئاسي في ذلك التوقيت، تطالب قائد الحرس الرئاسي بالموافقة على قائمة من الأفراد الذين سيتولون مسؤولية توزيع الأسلحة على الموالين لصالح.[163]
التدخلات السياسية
قام الرئيس صالح بإنهاء عمل النائب العام العلفي في أبريل/نيسان 2011 بعد أن أصبح من الظاهر أن النائب العام يحقق بنشاط في قضية جمعة الكرامة.
رغم أن العلفي محسوب على الموالين لصالح، إلا أنه أكد على استقلاليته فيما يخص المظاهرات والتحقيق في القضية في الأسابيع السابقة على إقالته. في 24 فبراير/شباط على سبيل المثال طالب العلفي قوات الأمن بحماية المتظاهرين المشاركين في المسيرات السلمية.[164]
في 23 مارس/آذار بعد أن أفادت قناة اليمن التابعة للدولة اتهام العلفي للمعارضة السياسية بمسؤوليتها عن هجمات جمعة الكرامة، أنكر العلفي في اتصال هاتفي بساحة التغيير على العلن صحة هذا التقرير.[165]
في 26 مارس/آذار نشر موقع عين نيوز المعارض وثيقة مُحدثة تحمل توقيع الرئيس صالح والخاتم الرئاسي، وفيها يأمر الرئيس بعدم استجواب محافظ المحويت أحمد الأحول، وكذلك أحد أبنائه ومرافقيه، على صلة بالهجوم.[166] كما أسلفنا، فقد استخدم المسلحون منزل الأحول كنقطة تمركز أساسية للهجوم، كما أن نجلي المحافظ – وهما من كبار ضباط الأمن – يعتبران المدعى عليهما الأعلى رتبة على صلة بالقضية.
ورد في المذكرة الموجهة إلى وزير الداخلية في ذلك الحين، المصري:
يتم كف الخطاب عن أحمد علي محسن الأحول وولده ومرافقيه وتجميد أي أوامر قهرية صادرة من النائب العام ضدهم... ولا مانع من ضبط المتهمين الآخرين في القضية وإرسالهم إلى النيابة للتحقيق معهم.[167]
المذكرة المزعوم إرسالها من الرئيس صالح وتأمر بعدم استجواب محافظ المحويت أحمد الأحول ونجله ومرافقيه.
لم تنكر حكومة صالح إصدار المذكرة. قام ناطق باسم الحكومة اليمنية الحالية بإرسال رسالة بالبريد الإلكتروني لـ هيومن رايتس ووتش بأنه لا يمكن تأكيد أو نفي صحة المذكرة، وأضاف أنه لابد من تشكيل لجنة تقصي حقائق وطنية "لتفنيد الحقائق من الأكاذيب".[168]
في 3 أبريل/نيسان وصف العلفي حالة الطوارئ التي أعلنها صالح فور وقوع الهجوم بأنها "غير دستورية".[169]
في 13 أبريل/نيسان هدد العلفي بالاستقالة إذا لم تستجوب وزارة الداخلية وتقبض على كبار المشتبه بهم، ومنهم مسؤولون حكوميون، وهذا طبقاً لإعلام المعارضة ومحامين للضحايا.[170]
بعد أسبوعين، في 28 أبريل/نيسان قام الرئيس صالح بفصل العلفي وجاء مكانه بالنائب العام الجديد الأعوش.[171]
مزاعم بزيف الشهادات
حاول وكلاء نيابة في بعض الحالات تغيير شهادات أو هددوا باتهام الشهود كمشتبهين إذا لم يغيروا شهادتهم لتتفق مع نسخة النيابة من الأحداث، حسبما أفاد محامون للمدعى عليهم.[172]
قالت إلهام شرف أبو طالب – أم المدعى عليه أيمن يحيى بدر (19 عاماً) – إنها عندما ذهبت إلى مكتب النيابة لتسأل عن ابنها، طلب منها مسؤول هناك أن تبصم على ورقة لتساعد في الإفراج عن ابنها.
قالت لـ هيومن رايتس ووتش: "طلب مني وكيل النيابة أن أبصم على ورقة وقال إن هذا سيساعد في إخلاء سبيل ابني، ففعلت. ما زلت لا أعرف ما المكتوب في الورقة لأنني لا أجيد القراءة والكتابة".[173]
قالت إلهام إنها عرفت بعد ذلك بأن الورقة شهادة مزيفة ورد فيها أنها رأت مشتبه آخر – هو باسم عبد الغني محمد حمود الحارثي، من أبناء عائلة معروفة – يتجه نحو الجدار يوم الهجوم ومعه بندقية.
قالت إلهام: "لقد رأيته يحمل سلاحاً لكنه كان يقف عند ركن الحارة مع أبنائي وآخرين قرب سوق القات، هذا كل شيء".[174]
أما محمد البوركي المدعى عليه المفرج عنه بضمان – من أشكال الكفالة في اليمن، حيث يتحمل شخص ذو نفوذ يكون قريباً أو عضواً بقبيلة المتهم أو رجل أعمال مسؤولية المشتبه على ذمة قضية لم يُفصل فيها – فقد قال لوسائل الإعلام اليمنية إن النيابة سجنته لأنه رفض الشهادة ضد أفراد لا يعرفهم. تناقل الإعلام أقوال البوركي، كونه قال إن أحد وكلاء النيابة "قال لي أن أشهد ضد هؤلاء الناس إن كنت أريد أن يُخلى سبيلي. عندما رفضت، أدخلني السجن أربعة شهور".[175]
عدم استجواب كبار المسؤولين
كما سبق الذكر، فإن الشهادات التي جمعتها النيابة اشتملت على عشرات الشهود الذين ادعوا بأن قادة أمنيين وغيرهم من المسؤولين الحكوميين لعبوا دوراً في تخطيط وتنفيذ أعمال القتل يوم جمعة الكرامة. لكن النيابة لم تستدع أغلب كبار المسؤولين الحكوميين الذين ذكرهم الشهود للاستجواب.
على سبيل المثال لم تستدع النيابة العميد يحيى صالح، رئيس الأركان السابق للأمن المركزي، ووزير الداخلية في ذلك الحين، المصري، المفترض كونه المسؤول المشرف على العميد صالح، بشأن سحب قوات الأمن المركزي من المنطقة المحيطة بالجدار في الليلة السابقة على الهجوم، وعدم كفاية رد الفعل ما إن بدأ إطلاق النار.
كما لم تستجوب النيابة فروان، رئيس هيئة التفتيش القضائي وقت الهجوم وغيره من المسؤولين الذين قال شهود إنهم تورطوا في تخطيط تشكيل لجان مسلحة من الحارات القريبة من الجدار.[176]
كما لم تستجوب النيابة الأحول محافظ المحويت الذي كان بيته منطقة رئيسية لتمركز المسلحين الذين أطلقوا النار على المتظاهرين والذي اتهمت النيابة نجليه علي وغازي ضمن المتهمين بإطلاق النار على المتظاهرين. كان المحافظ الأحول ضمن قائمة المشتبهين الـ 127 الأولية لكن النيابة أسقطته من قائمة المتهمين بدعوى "نقص الأدلة".[177]
احتجّ سكان المحويت على استمرار تولي المحافظ لمنصبه ووافق مجلس محافظة المحويت في 1 مايو/أيار 2011 على قرار بتنحيته بسبب دوره المزعوم في أعمال القتل.[178] كان المحافظ حتى الساعة ما زال يشغل منصبه.
لم تستجوب النيابة كذلك اللواء الأحمر قائد الفرقة الأولى مدرع، الذي اتهمته بالإخفاق في تسليم جميع المشتبهين المقبوض عليهم يوم الهجوم إلى النيابة.[179] كما لم تستجوب الرائد المخلافي من الفرقة الأولى مدرع الذي أدرجته النيابة في البداية مشتبهاً لكن لم تنسب إليه اتهاما. في شهادة للنيابة قال بعض الشهود إن المخلافي قاد مجموعة من المسلحين في ثياب مدنية وكانوا يطلقون النار من سطح متجر للعسل قريب من الجدار.[180]
ولم يكن الإخفاق في استجواب كبار المسؤولين بسبب ضيق الوقت. فقد سلمت النيابة قرار اتهامها بعد ثلاثة شهور فقط من بدء التحقيق، أي نصف مدة الستة أشهر المسموح بها قانوناً لإتمام تحقيقات النيابة.
المشتبهون الرئيسيون ما زالوا طلقاء
هناك 8 فقط من بين 78 مشتبهاً بمذبحة جمعة الكرامة كانوا محتجزين وقت كتابة هذه السطور. أغلب الثمانية عمال وحراس أمن وطلاب.[181] يدعي محامون للضحايا إن المدعى عليهم المحتجزين هم أكباش فداء إما أبرياء أو لعبوا دوراً هامشياً على أبعد تقدير، وما زالوا مسجونين لمجرد أن ليس لديهم نفوذ سياسي كافٍ.
أورد قرار الاتهام 31 مدعى عليهم، بينهم مسؤولين أمنيين ذكرت النيابة أنهم لعبوا دوراً رئيسياً في الهجوم، ووردوا في القرار كهاربين من العدالة لم يتم القبض عليهم أبداً. هؤلاء الـ 31 جميعاً تقريباً هم من بين المشتبهين الـ 52 المتهمين بأقصى تهمة، وهي إطلاق النار بنية القتل. المحاكمات الجنائية الغيابية تخرق بشكل عام حق المدعى عليه في تقديم دفاعه والرد على الأدلة وشهادات الشهود. يمكن أن تشمل الاستثناءات القضايا التي يفر فيها المدعى عليه بعد بدء مداولات القضية.[182]
هناك 39 مدعى عليهم آخرين تم إخلاء سبيلهم بضمانات.[183] كما أن 12 شخصاً من المدعى عليهم المخلى سبيلهم مفقودين حتى كتابة هذه السطور، رغم الأوامر المتكررة من قاضي المحاكمة بأن تضبطهم السلطات وتضمن حضورهم لمداولات المحكمة، ويصل عدد غير المحتجزين الذين مثلوا أمام المحكمة في الجلسة الأخيرة بتاريخ 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2012 27 شخصاً فقط.
حضر المدعى عليهم الثمانية المسجونين أغلب جلسات المحاكمة، حيث يودعون في القفص كما جرت العادة أثناء المحاكمات اليمنية الخاصة بالجرائم الجسيمة. مع بداية المحاكمة في 29 سبتمبر/أيلول 2012 قام المدعى عليهم المحتجزون بالضرب على قضبان القفص وهتفوا: "اخرجونا! الأبرياء مسجونين والمذنبين طلقاء!".[184]
من المدعى عليهم المسجونين رجل مشرد مصاب بحول شديد في عينيه، وظهر مشتتاً للغاية وأصر على أن اسمه معمر علي حسين الحوت وليس معمر ناجي علي الحوت، وهو الاسم الذي يظهر في قرار الاتهام. الحوت متهم بصفته ممن أطلقوا النار أثناء الهجوم.
المدعى عليه معمر علي الحوت يوم 29 سبتمبر/أيلول 2012 أثناء جلسة محكمة بصنعاء بشأن هجوم جمعة الكرامة. يقول الحوت إن اسمه الكامل هو معمر علي حسين الحوت وليس معمر ناجي علي الحوت، وهو الاسم الذي يظهر في قرار الاتهام.© ليتا تايلر/هيومن رايتس ووتش
أثناء مقابلة بالسجن مع هيومن رايتس ووتش أقر الحوت – الذي كان محتجزاً في يوليو/تموز 2011 – بأنه كان يعيش في خيمة بميدان التحرير، المنطقة التي كانت تتمركز فيها المظاهرات الموالية لصالح. قال إنه في البداية تعرض للسجن بتهمة تعاطي الخمور وطعن رجل حاول سرقة نقوده وهاتفه النقال.[185]
عندما أحيل الحوت إلى المحكمة بعد أسابيع على ما حسب أنها ستكون عقوبة 80 جلدة جراء هذه الواقعة، أعاده القاضي على غير المتوقع إلى السجن بصفته أحد الذين أطلقوا النار، على حد قول الحوت. أكد محاميان يمثلان الحوت دون مقابل هذه النسخة من الأحداث لـ هيومن رايتس ووتش.[186]
قال الحوت إنه ليست معه أوراق هوية ليثبت هويته وهي مشكلة شائعة في اليمن:
لم أذهب إلى ساحة التغيير أبداً. بل إنني بكيت في المحكمة وانهرت. كنت أشعر بصدمة بالغة. أعرف أنه من الصعب تصديق أن رجل مثلي بريء بسبب شكلي ومظهري، لكن أقسم أنني مجرد إنسان بسيط ومشكلتي الوحيدة هي الشرب. لم أمسك في حياتي ببندقية.[187]
في سبتمبر/أيلول أمر قاض بالإفراج عن الحوت إذا اثبت هويته، لكن الحوت قال إنه مُبعد عن أسرته "لا أعرف أي أحد يمكنه أن يأتي ليتعرف عليّ".[188]
هناك مشتبه آخر مسجون هو جامع قمامة يبلغ من العمر 65 عاماً يُدعى خالد سعيد أحمد باطرفي، الذي تقول النيابة إنه أشعل النار في الجدار وقت أن تم إطلاق النار على المتظاهرين. في مقابلتين مع هيومن رايتس ووتش في سبتمبر/أيلول 2012، الأولى في السجن والثانية أمام قفصه في المحكمة، كان باطرفي غير متماسك ومتناقض ويبدو مرتبكاً للغاية.[189]
المدعى عليه خالد سعيد أحمد باطرفي، جامع قمامة، أثناء جلسة محكمة في صنعاء بتاريخ 29 سبتمبر/أيلول 2012، تخص هجوم جمعة الكرامة. © ليتا تايلر/هيومن رايتس ووتش
وقت كتابة هذه السطور كان باطرفي محتجزاً في السجن العسكري رغم أنه لا علاقة له بالقوات المسلحة.
أثناء جلسة 29 سبتمبر/أيلول ذكّر القاضي عبد الولي الشعباني باطرفي بأنه حصل على إخلاء سبيل بضمان في يوليو/تموز. صاح باطرفي: "لكن لا يمكنني أن أجد ضامناً!" قال لـ هيومن رايتس ووتش إنه لا يمكنه الاتصال بأقاربه ليساعدوه لأن السلطات صادرت هاتفه النقال ونظارته وبطاقة هويته أثناء القبض عليه ولم تعدها إليه بعدها.
أحد المشتبهين – السائق صالح الجبري – شهد بأن عاقل الحارة عقيل البوني ووليد حسين حسن النمري من سكان الحارة، المتهم بإطلاق النار بقصد القتل، دفعا له 1000 ريال يمني (46 دولاراً) ليوصلهم إلى حيث يجدون مواد لإحراق إطارات لدى الجدار.[190] اتهم جبري بالتواطؤ بينما لم يُتهم البوني بالمرة.
هناك محتجز مشتبه آخر هو محمد أحسن علي زيت، محاسب يبلغ من العمر 27 عاماً، قال لـ هيومن رايتس ووتش إن المتظاهرين قبضوا عليه وهو واقف في مدخل صيدلية حيث يعمل في مركز تجاري، وهو أحد المباني التي أطلق المسلحون النار منها على المتظاهرين.
قال زيت وهو يتحدث من داخل قفص المتهمين بالمحكمة، إنه كان في الصيدلية وذهب إلى الباب ثم بدأ في التصوير بالكاميرا عندما سمع أصوات الهجوم:
أمسكني المعتصمين وطعنوني في ظهري وساقيّ وحاولوا قطع رقبتي بالجنبية [خنجر يمني تقليدي يرتديه الرجال عادة في الحزام]. اتهمت بإطلاق النار على المتظاهرين بكلاشنيكوف. لكن لم أكن أحمل سوى كاميرا وحاسب آلي لاب توب.[191]
أخطاء أخرى في التحقيق
تساور هيومن رايتس ووتش بواعث قلق أخرى إزاء تعامل السلطات مع القضية:
- تم استجواب العديد من المدعى عليهم في البداية كشهود ثم تلقوا إخطارات باتهامهم في يوم اتهامهم على حد قول محاميّهم. يطالب النظام القانوني اليمني النيابة بمنح المشتبهين فرصة لدحض الاتهامات قبل اتهامهم رسمياً.[192]
- بناء على الشهادة المكتوبة التي قدمتها النيابة العامة للمحكمة ضمن ملف اتهامها، يبدو أن وكلاء النيابة استجوبوا العديد من المشتبهين والشهود دون التأكد من هوياتهم.
- اتهمت النيابة العديد من المشتبهين بناء على شهادات بأنهم يحملون أسلحة لا أكثر، رغم أن العديد من الرجال في اليمن يملكون ويستخدمون أسلحة، بما في ذلك الكلاشنيكوف.
- أظهر محامون للمدعى عليهم لـ هيومن رايتس ووتش أخطاء عديدة في الحقائق الواردة بملفات الاتهام، بعضها أخطاء كبيرة. العديد من أسماء الشهود والمتهمين غير كاملة أو غير صحيحة، بما في ذلك اسم أحد أهم المدعى عليهم، وهو نجل محافظ المحويت غازي أحمد علي محسن الأحول. إذ ورد في قوائم اتهام النيابة اسم مشابه لاسمه قال محامون للمدعى عليهم إنه اسم ابن غازي الأحول البالغ من العمر عشرة أعوام.[193]
- تشتمل قائمة المصابين الـ 127 على أربعة اشخاص على الأقل شهدوا بأنهم لم يكونوا مصابين في ذلك اليوم بل في هجمات أخرى على المتظاهرين.[194] هناك خمسة مصابين آخرين يبدو أنهم ذكروا مرتين مع تبديل خفيف في أسمائهم الكاملة.[195]
- حرك محامون للمدعى عليهم دعوى يدعون فيها بوجود تزوير في الصفحة الأخيرة من الشهادات، وما زالت الدعوى لم يُفصل فيها بمحكمة استئناف صنعاء حتى الساعة.[196]
[154] مقابلات هيومن رايتس ووتش مع محامين الضحايا بينهم العروسي، صنعاء، 23 يونيو/حزيران 2012.
[155] السابق.
[156] السابق.
[157] انظر: صحيفة 26 سبتمبر، 29 مارس/آذار 2012: "“Law for Transitional Justice, Call for National Reconciliation, توجد نسخة لدى هيومن رايتس ووتش.
[158] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع النائب العام الأعوش، 29 مارس/آذار 2012.
[159] السابق.
[160] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع اللواء الأحمر، صنعاء، 30 مارس/آذار 2012.
[161] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع النائب العام الأعوش، 29 مارس/آذار 2012.
[162] المحكمة الإعلامية المتخصصة قضت في 14 مايو/أيار 2012 بإصدار حُكم بأن الوثيقة مزيفة، طبقاً لتصريح من محاميّ الدفاع في قضية جمعة الكرامة. للمحكمة سجل من اتخاذ قرارات سياسية الدوافع لكن هيومن رايتس ووتش لم تراقب مجريات تلك القضية الخاصة بالمذكرة ولا يمكنها التعليق على الحُكم الصادر بشأنها.
[163] طلب تصدي المحكمة بتحريك الدعوى الجزائية ضد من لم يشملهم قرار الاتهام إعمالاً لنص المادة (32) أ.ج. ("طلب تحريك الدعوى الجزائية")، مقدم بتاريخ 13 أكتوبر/تشرين الأول 2012 لتحريك اتهامات إضافية، ص 27. نشرت صحيفة المعارضة "مآرب برس" المذكرة في أبريل/نيسان 2011 ثم أصدرت اعتذاراً الشهر التالي قائلة إن وزارة الداخلية وفرت للصحيفة وثيقة رسمية تحمل نفس رقم التعريف الخاص بمذكرة المصري المزعومة، لكن بتاريخ 11 مارس/آذار 2011. انظر: "الداخلية تنفي صحة المذكرة التي تحدثت عن توزيع أسلحة.. وتؤكد أنها وثيقة مزورة"، مأرب برس.نت، 5 مايو/أيار 2011: http://marebpress.net/news_details.php?sid=33640&lng=arabic (تمت الزيارة في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2012).
[164] انظر: وكالة سبأ نيوز، 24 فبراير/شباط 2011: “Attorney General directs to investigate citizens' claims,” على: http://www.sabanews.net/en/print236492.htm (تمت الزيارة في 15 يوليو/تموز 2012).
[165] انظر موقع التغيير، 23 مارس/آذار 2011: “Attorney General denies media broadcast about him,” على: http://www.al-tagheer.com/news.php?id=28032 (تمت الزيارة في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2012).
[166] تتوفر نسخة من المذكرة لدى هيومن رايتس ووتش. انظر أيضاً: http://damtpress.net/portal/index.php/local-news/34-local-news/2359-2012-04-07-22-02-51 (تمت الزيارة في 8 سبتمبر/أيلول 2012).
[167] السابق.
[168] رسالة بالبريد الإلكتروني إلى هيومن رايتس ووتش من ناطق باسم الحكومة اليمنية، 22 سبتمبر/أيلول 2012.
[169] انظر: المصدر، 3 أبريل/نيسان 2011 "النائب العام: إعلان حالة الطوارئ في اليمن لا معنى له وغير قانوني"، على: http://www.almasdaronline.com/index.php/print.php?news_id=18132 (تمت الزيارة في 25 يناير/كانون الثاني 2013).
[170] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المحامي محمد العروسي، صنعاء، 25 يونيو/حزيران 2012. انظر أيضاً: أخبار اليوم، 13 أبريل/نيسان 2011 "النائب العام يهدد بالاستقالة من منصبه إذا لم يتم ضبط جناة "جمعة الكرامة" وتقديمهم للعدالة"، على: http://www.akhbaralyom.net/news_details.php?lng=arabic&sid=38521 وانظر: يمن بوست، 19 مارس/آذار 2012 “Yemen Attorney General Fired Before Completion of Probes about Al Karama Friday,” على: http://www.yemenpost.net/Detail123456789.aspx?ID=3&SubID=4934 (تمت الزيارة في 7 ديسمبر/كانون الأول 2012).
[171] قرار رئاسي رقم 17 بتاريخ 28 أبريل/نيسان 2011. ورد قرار الفصل في التغطية الخاصة بقناة الجزيرة: http://www.youtube.com/watch?v=3iIpwZiRiqE
[172] مقابلة هاتفية لـ هيومن رايتس ووتش من نيويورك إلى صنعاء مع البكولي والمسروي، 24 أغسطس/آب 2012.
[173] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع إلهام شرف أبو طالب، صنعاء، 2 سبتمبر/أيلول 2012.
[174] السابق.
[175] انظر: يمن تايمز، 10 سبتمبر/أيلول 2012 “Prosecuting an infamous murder,” على: http://yementimes.com/en/1606/report/1376/Prosecuting-an-infamous-murder.htm (تمت الزيارة في 10 سبتمبر/أيلول 2012).
[176] لاحظ محامو الضحايا استبعاد بعض الشهود في دعوى تحريك الاتهامات الإضافية بتاريخ 13 أكتوبر/تشرين الأول 2012، وطالبوا القاضي بأن يأمر النائب العام بإعادة فتح التحقيق.
[177] قرار النيابة بأنه لا وجه لإقامة الدعوى الجزائية – مؤقتاً – لعدم كفاية الدليل ("قرار عدم إقامة الدعوى")، قضية رقم 88 لسنة 2011 نيابة استئناف شمال العاصمة، 29 يونيو/حزيران 2011.
[178] انظر: همدان العليي "أحمد الأحول محافظ بلا شرعية"، مأرب برس، 16 أبريل/نيسان 2012: http://marebpress.net/articles.php?print=15124 (تمت الزيارة في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2012).
[179] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المحامي محمد مهدي البكولي، صنعاء، 1 أبريل/نيسان 2012.
[180] انظر على سبيل المثال شهادة عبد الوهاب راشد، 6 يونيو/حزيران 2011، ملف تحقيقات النيابة، ص 825.
[181] حتى يناير/كانون الثاني 2013 كان ثمانية مدعى عليهم محتجزين في صنعاء. أقصى عدد محتجزين من بين المدعى عليهم كان 14 شخصاً، ستة منهم تم إخلاء سبيلهم بضمانات بانتظار صدور أحكام.
[182] العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، مادة 14 (3)، وانظر أيضاً العفو الدولية، دليل المحاكمات العادلة، 1998، ص 110.
[183] يشجع القانون الدولي على إخلاء سبيل المدعى عليهم على ذمة القضية باستثناء عندما يوجد ما يرجح أن يهرب المدعى عليهم، أو يدمرون الأدلة أو يؤثرون على شهادات الشهود. انظر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المادة 9 (3): " ولا يجوز أن يكون احتجاز الأشخاص الذين ينتظرون المحاكمة هو القاعدة العامة". انظر أيضاً، لجنة حقوق الإنسان التعليق العام رقم 8، ولجنة حقوق الإنسان، قضية "هيل ضد إسبانيا" رقم 526 لعام 1993 البند 12.3
[184] حضرت هيومن رايتس ووتش الجلسات حتى 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2012، وهي الجلسة الأخيرة قبل نشر هذا التقرير.
[185] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع معمر علي الحوت، صنعاء، 2 سبتمبر/أيلول 2012.
[186] مقابلات هاتفية لـ هيومن رايتس ووتش مع البكولي والمسوري، 24 أغسطس/آب 2012.
[187] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع الحوت، 2 سبتمبر/أيلول 2012.
[188] السابق.
[189] مقابلات هيومن رايتس ووتش مع خالد سعيد أحمد باطرفي، صنعاء، 2 و29 سبتمبر/أيلول 2012.
[190] شهادة صالح عبد الله صالح الجبري، 30 مارس/آذار 2011، ملف تحقيقات النيابة، ص 443.
[191] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع محمد أحسن علي زيت، صنعاء، 29 سبتمبر/أيلول 2012.
[192] مقابلات هاتفية لـ هيومن رايتس ووتش مع المحامين البكولي والمسوري، 24 أغسطس/آب 2012.
[193] قرار الاتهام، ص 1.
[194] شهادة، ملف تحقيقات النيابة، عبد الغني حميد أحمد ، ص 93. فواز محمد حسن الفتح، 22 مارس/آذار 2011 ص 199، حنين علي محمد صالح أبو رؤوس، 22 مارس/آذار 2011، ص 201، علاء أبو بكر حسن البروي، 19 مارس/آذار 2011، ص 163. ذكرت النيابة الأربعة ضمن المصابين الـ 127، انظر قرار صرف الدعوى الجزائية، صفحات 3 إلى 5.
[195] ذكرت النيابة محمد علوي الأصفر بصفته المصاب رقم 12 ثم رقم 24، ومحمد يحيى كحلاء مصاب رقم 18 ثم 110، وياسر خليل عبد الله مكرد مصاب رقم 31 ثم رقم 103، ووائل القليسي، مصاب رقم 34 ثم 100، وفواز قايد الوصابي مصاب رقم 39 ثم 105، مع تبديل خفيف في أسمائهم. قرار صرف الدعوى الجزائية، صفحات 3 و4.
[196] محكمة استئناف أمانة شمال العاصمة، دعوى تزوير في القضية رقم 454 لسنة 2011. توجد منها نسخة لدى هيومن رايتس ووتش.






