IV . الضحايا
أغلب المتظاهرين الـ 45 الذين قُتلوا في إطلاق النار يوم جمعة الكرامة كانوا طلبة جامعيين. كان أصغرهم يبلغ من العمر 16 عاماً – أحد الأحداث الثلاثة القتلى – وأكبرهم يبلغ 50 عاماً. جميع القتلى وأغلب المصابين من الذكور. ومن بين القتلى جمال الشرعبي، وهو مصور يمني يبلغ من العمر 35 عاماً، وهو أول صحفي يُقتل في الانتفاضة اليمنية.[105]
جميع القتلى ونحو 40 شخصاً من المصابين – 10 منهم أطفال – أصيبوا بأعيرة نارية في الرأس والصدر ومناطق أخرى بالجزء العلوي من الجسد.[106]
أطلق المتظاهرون على منطقة إطلاق النار اسم ساحة الشهداء وحولوها إلى ما يشبه المزار، تحفه صور القتلى. لكن هذا هو تقريباً كل ما نال الضحايا من اعتراف وتقدير. إلى الآن ما زال المصابون إصابات خطيرة وأقارب القتلى لم يحصلوا على أية مساعدات من الحكومة تقريباً، طبقاً لمحامين للضحايا.[107]
التالي هو بورتريه صغير لاثنين من المتظاهرين الذين قتلوا واثنين من المصابين في الهجوم، بناء على مقابلات هيومن رايتس ووتش مع المصابين والشهود والأقارب.
صلاح عبد الله الشرماني
تقع الشقة التي كان يعيش فيها صلاح عبد الله الشرماني مع أسرته في الطابق الثالث من بناية بشارع ممتلئ بالقمامة، وللوصول للشقة عليك العصود عبر سلم خارجي سيء الإضاءة ليلاً، تفوح منه رائحة مياه الصرف.
على النقيض من المشهد الخارجي الرث، كانت حجرة معيشة الأسرة عبارة عن محراب مجهز بحرص لإحياء ذكرى الشرماني، وهي حجرة ممتلئة بصوره متبسماً، شابا يافعا خالي البال. حتى الساعة المعلقة على الحائط فيها من روحه.
كان الشرماني يبلغ من العمر 22 عاماً عندما سقط قتيلاً في هجوم جمعة الكرامة. كان يأمل في الالتحاق بالجامعة، على حد قول أقاربه. لكن لم تتحمل الأسرة كلفة إرسال رابح دخلها المحتمل إلى الجامعة، فعمل بدلاً من الدراسة في متجر خياطة والده. عندما بدأت الانتفاضة، على حد قول والدته، زينب أحمد محمد صالح، انضم الشرماني إلى الاحتجاجات الأسبوعية في ساحة التغيير:
ذهب ابني للتظاهر لأن الشباب ملّ ويريدون التغيير. لا يمكن للناس أن تعيش جيداً، لا يمكنهم إتمام تعليمهم، الأسعار ترتفع بشكل جنوني، والناس يتحولون إلى متسولين... في أوروبا يرعون القطط والكلاب لكن هنا تأكل الناس القمامة.[108]
زينب أحمد محمد صالح (إلى اليسار) في صنعاء معها صورة لابنها صلاح عبد الله الشرماني، الذي قُتل بأعيرة نارية في مذبحة جمعة الكرامة. إلى اليمين محمد شقيق صلاح الشرماني. © ليتا تايلر/هيومن رايتس ووتش
صباح هجوم جمعة الكرامة، قال الشرماني لأمه أنه سيعود إلى البيت على الغداء، ثم اتجه إلى ساحة التغيير. طهت له أمه وجبة كبيرة لكن برد الطعام ومرت الساعات:
اتصلت بشقيقه محمد لكن لم يرد. وقفت على السطح ورأيت المروحيات تحلق فوق منطقة ساحة التغيير. رحت أبكي وأدعو الله أن يحمي الشباب هناك. أخيراً حوالي الساعة الخامسة عصراً عاد محمد إلى البيت. كان يبكي، قال لي: "إنه صلاح. سقط شهيدا".[109]
كان محمد الشرماني بدوره في ساحة التغيير ذلك اليوم. بعد الساعة الثانية ظهراً – على حد قوله – تلقى مكالمة من أصدقاء كانوا مع شقيقه، وقالوا له إن صلاح رآه وسط حشد من الناس وكان يعبر الطريق لينضم إليه عندما اخترقت رصاصة صدره. ركض محمد إلى المستشفى الميداني بالمسجد في ساحة التغيير:
في البداية لم أتمكن من الدخول لأن الحشد كان كبيراً للغاية. أخيراً دخلت فناء المسجد ومضيت إلى جوار الجرحى. لم يكن صلاح هناك. فدخلت إلى منطقة الصلاة ورأيت عددا كبيرا من المصابين. لم يكن صلاح هناك. أخيراً نظرت إلى صفوف الموتى، في المنطقة التي يقف عندها الإمام. وكان صلاح هناك. كان مصاباً في الجانب الأيمن من صدره.
سرت إلى البيت [حوالي 5 كيلومترات]. لم يخطر على بالي إلا كيف سأخبر أبي وأمي؟ لم أجرؤ على الدخول لأتحدث إليهم. وقفت تحت البيت. أخيراً رأتني أمي، وأحست بأن ثمة خطب. نزلت إليّ فأخبرتها.[110]
قالت أم الشرماني إن الأسرة تريد القصاص وليس التعويض:
حاصروا الشباب بين الجدران حتى لا يقدروا على الهروب من القتلة، ثم قتلوهم. هؤلاء الرجال في زهرة شبابهم. ثم أعطى البرلمان أعضاء الحكومة السابقة الحصانة... نحن نريد محاكمة عادلة، التعويض لا يكفي.[111]
أنور الماعطي
عندما بدأت محاكمة المدعى عليهم الـ 78 في قضية جمعة الكرامة في 29 سبتمبر/أيلول 2012، كان عبد الواحد الماعطي يقف في قاعة المحكمة، رافعاً بيده لافتة لنجله أنور، وكانت اللافتة عبارة عن صورة ملصقة إلى ظهر صندوق كرتوني.
وأنور البالغ من العمر 16 عاماً هو أصغر القتلى في الهجوم. في الصورة، يبدو وجهه وجه صبي يافع. يرتدي عمامة بيضاء وتغطي وجهه ابتسامة حماسية. أطلق عليه المتظاهرون في ساحة التغيير "الشهيد الفاتح"، أي الشهيد الذي فتح الأبواب.
أصيب أنور بطلق ناري وهو يركض نحو بيت محافظ المحويت ضمن موجة المتظاهرين الأولى التي حطمت الجدار وحاولت الإمساك بالمسلحين. أصابته رصاصة وهو يفتح باب بيت المحافظ ويحاول الدخول.
وصف الأب ابنه بأنه أفضل طالب في فصله، وكان يحلم بأن يكون طبيباً:
كان يشعر بالإحباط والغضب، يشعر بأنه في ظل هذا النظام من المستحيل أن يدخل كلية الطب لأنها ليست متاحة إلا للأقوى والأكثر نفوذاً ومحاسيبهم.[112]
عبد الواحد الماعطي، يرفع صورة نجله أنور الماعطي، 16 عاماً، أصغر مُتظاهر قُتل يوم جمعة الكرامة، أمام محكمة منعقدة في صنعاء تنظر قضية المذبحة. كما أن صورة أنور ملصقة على غمد الخنجر اليمني التقليدي الذي يرتديه الوالد. ©ليتا تايلر/هيومن رايتس ووتش
عندما بدأت الانتفاضة استمر أنور في دراسته، لكنه كان يقضي فترة ما بعد الظهر وأيام العطلة الأسبوعية في ساحة التغيير. قال والده:
حاولت عدة مرات إقناع ابني بالبقاء في البيت وألا يذهب إلى ساحة التغيير لأنه مكان خطير. كانت إجابته: أبي إن أبقيتني في البيت وأبقى كل أب أولاده في البيت، فمن سيذهب ليغير ما نحن عليه؟
مثل الكثير من أقارب الضحايا الآخرين، قال الماعطي إنه يريد محاكمة المسؤولين عن قتله. لدى سؤاله عن القانون الذي أصدره البرلمان ويمنح الحصانة للرئيس السابق صالح ومساعديه، قال: "أعطاه من لا يملك لمن لا يستحق".[113]
سليم الحرازي
وصل سليم الحرازي – 13 عاماً – إلى المقابلة وشعره الأسود مصفف بعناية، مرتدياً قميصاً أنيقاً ونظارة شمس تغطي الندبات حيث كانت عينيه. كان يخطو بحرص، ويده على كتف شقيقه الأصغر سيف، الذي وجهه أثناء دخوله الحجرة.
سليم الحرازي (إلى اليسار) وشقيقه الأصغر سيف في صنعاء، أكتوبر/تشرين الأول 2012. فقد سليم عينيه بسبب جرح من رصاصة أثناء جمعة الكرامة، يوم 18 مارس/آذار 2011 © ليتا تايلر/هيومن رايتس ووتش
سليم الذي كان يبلغ من العمر 11 عاماً وقت أن أصيب، قال إنه لم يتمكن من مقاومة إغراء الانضمام إلى المظاهرات في ساحة التغيير يوم جمعة الكرامة. قام بالتسلل من بيته في الليلة السابقة.
قال لـ هيومن رايتس ووتش: "قال الرئيس السابق إنه سيحمي المتظاهرين، فحسبت أنني سأكون في أمان".[114]
كتبت أيونيا كريغ، وهي صحفية حرة، عن رؤيتها سليم مع صبيين آخرين في خيمة بساحة التغيير مع بداية انهمار الرصاص:
كان الصبية – بعيداً عن قسوة ما يحدث على مسافة أقدام قليلة منهم، يحجبهم عن الخارج غلالة قماشية بيضاء خفيفة – يتمازحون ويضحكون. كان اثنان منهم يرتديان خوذات بلاستيكية [هندسية] وزعت على مخيم المعتصمين للحماية من الحجارة، التي أصبحت من أسلحة معارك الشوارع الشائعة على مدار الأيام الأخيرة... كان من الواضح تماماً أن الخيمة التي انهارت جزئياً لا توفر إلا أقل الحماية من رصاصات الرشاشات الكلاشنيكوف المتطايرة في الهواء. ومع عدم قدرتي على التعبير عن تضامني واهتمامي [باللغة العربية] للصبية الضاحكين، أشرت لهم أن يغادروا الخيمة، وكنت أهم بمغادرتها بدوري. رفضوا ذلك.[115]
قام سليم بالركض خارجاً بعد قليل، لكن ليس بحثاً عن مخبأ. قال لـ هيومن رايتس ووتش: "رأينا النار وراء الجدار، فذهبت لأتفرج. رأينا بلاطجة، كانوا يرمون الحجارة علينا ونرمي الحجارة عليهم. رأينا رصاصات تأتي من وراء الجدار".[116]
أصابت رصاصة سليم تحت أنفه، ثم عبرت من عينه اليمنى إلى عينه اليسرى. عندما استيقظ من النوم في اليوم التالي في مستشفى العلم والتكنولوجيا، وهي مركز طبي خاص في صنعاء كان يعالج المتظاهرين المصابين، كان الأطباء قد أزالوا عينيه.
قال سليم لـ هيومن رايتس ووتش إنه يريد أن يصبح عالم دين. في البداية، يريد على حد قوله أن يتعلم القراءة بلغة برايل وأن يتلقى جراحة تجميلية. دأبت المؤسسة الخيرية لرعاية أسر الشهداء والجرحى (وفا) – وهي مجموعة توفر المساعدات للمتظاهرين المصابين وعائلات القتلى – على مساعدة سليم في الحصول على العلاج الأساسي، لكن لا العيادة ولا أسرة سليم يقدرون على ثمن الجراحة التجميلية.
جابر سعد علي جابر المندليق
جابر سعد علي جابر المندليق – الباحث المتخصص في الدين البالغ من العمر 28 عاماً من عمران، وهي منطقة تقع شمالي صنعاء مباشرة – انضم إلى معتصمي ساحة التغيير لأنه لم يتمكن من العثور على وظيفة في تدريس القرآن.
حضرت إلى ساحة التغيير لأطالب بحريتنا وكرامتنا وحقوقنا. الناس في منطقتي أميون. لا يمكنهم قراءة سورة الفاتحة حتى. لكن النخبة بددوا ثروات اليمن، لهذا كنت عاطلا عن العمل.[117]
قال جابر لـ هيومن رايتس ووتش إن في الليلة السابقة على الهجوم انتشرت الشائعات عن هجوم وشيك. قال: "جاء إليّ أخي وقال: غادر هذا المكان، إني أخشى عليك أن تُقتل"، فقلت له: "لن أغادر أبداً. جئت في مهمة سلمية هي التغيير".
أصيب جابر برصاصة وهو يمرق من جوار بقايا الجدار:
كانوا يطلقون النار علينا مباشرة، من فوق أسطح بعض البيوت. حسبت أن هذه هي النهاية. بدأت أردد لا إله إلا الله... بعد ذلك عرفت أنني أصبت. دخلت الرصاصة من جانبي الأيمن وخرجت من الأيسر. قام أناس لا أعرفهم بإبعادي وقد وضعوني في بطانية. رآني صديق وبكى.
جابر سعد علي جابر المندليق، صنعاء.©ليتا تايلر/هيومن رايتس ووتش
تسببت الرصاصة في إصابة جابر بالشلل النصفي في الجزء السفلي من الجسد. تحطمت قطعتين من عموده الفقري وأزال الأطباء 50 سم من أمعائه الدقيقة، ويقوم بالتبول في كيس مرتبط بمثانته بواسطة أنبوب.
يود جابر أن يعيش في عمران، حيث توجد أسرته، لكن يجب أن يتواجد في صنعاء لتلقي العلاج الطبي. قال إنه يعاني من ألم دائم وهو يائس من أي تحسن:
بدأت ساقاي تضمران كثيراً. يقول لي بعض الأطباء أنه ما زال هناك أمل في أن أتمكن من السير. لكن بعض الأطباء يقولون لي إنني لن أسير أبداً.[118]
[105] انظر: لجنة حماية الصحفيين Committee to Protect Journalists, Journalists Killed: Yemen, Jamal al-Sharaabi 18 مارس/آذار 2011 على: http://cpj.org/killed/2011/jamal-al-sharaabi.php (تمت الزيارة في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2012). الشرعبي الذي أصيب برصاصة في الوجه كان صحفياً معروفاً بصحيفة المصدر المعارضة.
[106] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مطهر المختار من مؤسسة (وفا) لرعاية أسر الشهداء والجرحى ، صنعاء، 22 ديسمبر/كانون الأول 2012.
[107] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع محامين منهم شوقي الميموني، صنعاء، 25 سبتمبر/أيلول و9 ديسمبر/كانون الأول 2012.
[108] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع زينب أحمد محمد صالح، صنعاء، 1 أبريل/نيسان 2012.
[109] السابق.
[110] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع محمد الشرماني، صنعاء، 1 أبريل/نيسان 2012.
[111] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع زينب أحمد محمد صالح، 1 أبريل/نيسان 2012.
[112] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع عبد الواحد الماعطي، صنعاء، 29 سبتمبر/أيلول 2012.
[113] السابق.
[114] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع سليم الحرازي، صنعاء، 1 أكتوبر/تشرين الأول 2012.
[115] انظر: Iona Craig, “No More Tears,” 25 أغسطس/آب 2012 على: http://ionacraig.tumblr.com/
[116] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع سليم الحرازي، 1 أكتوبر/تشرين الأول 2012.
[117] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع جابر سعد علي جابر المندليق، صنعاء، 1 أكتوبر/تشرين الأول 2012.
[118] السابق.





