الملخص
في الخامس من يونيو/حزيران 2011 اندلع النزاع في ولاية جنوب كردفان السودانية بين القوات المسلحة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان وهي حركة التمرد الجنوبية، التي كانت قواتها في السودان بموجب اتفاق السلام لعام 2005 الذي وضع حداً للحرب الأهلية. أدت التوترات حول الترتيبات الأمنية في الولاية وربح أحمد هارون – المطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم جسيمة في دارفور – للانتخابات بفارق بسيط، أدت إلى اندلاع النزاع. ثم انتقل النزاع إلى ولاية النيل الأزرق المجاورة في سبتمبر/أيلول 2011. بعد أيام حظرت السلطات السودانية الحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال، التي خلفت الحركة الشعبية لتحرير السودان بعد استقلال جنوب السودان في يوليو/تموز 2011، وقامت باعتقال العديد من أعضائها.
منذ بدء النزاع نفذت القوات السودانية العديد من غارات القصف الجوي والمدفعي لمناطق مأهولة بالسكان، مما أسفر عن مقتل وإصابة مدنيين وأدى لأضرار جسيمة لحقت بممتلكات وأعيان مدنية، منها منازل ومدارس وعيادات طبية ومحاصيل زراعية ومواشي. كما نفذت القوات الحكومية، وقوامها القوات المسلحة السودانية وقوات الدفاع الشعبي، هجمات برية على قرى قامت خلالها بإحراق ونهب ممتلكات مدنية عمداً، وباحتجاز الأفراد تعسفاً. كما قام الجنود بالاعتداء على سيدات وفتيات واغتصابهن.
يبدو من الأدلة التي تم توثيقها أن الحكومة السودانية تبنت استراتيجية معاملة جميع السكان في معاقل المعارضة بصفتهم أعداء وأهداف مشروعة، دون التمييز بين المدنيين والمقاتلين. يبدو أن هذا المنهج يكمن في القلب من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني التي يوثقها هذا التقرير. كما تلقت هيومن رايتس ووتش تقارير بانتهاكات لقوات الجيش الشعبي لتحرير السودان – شمال، منها القصف العشوائي والاحتجاز غير القانوني، لكن لم تتمكن من الوصول للمناطق المعنية أو الأفراد المذكورين لتأكيد هذه التقارير.
يستند هذا التقرير إلى خمس بعثات تقصي حقائق منفصلة أجريت إلى جنوب كردفان والنيل الأزرق في السودان، وإلى ولايتي الوحدة وأعالي النيل في جنوب السودان، إبان عامي 2011 و2012. قابلت هيومن رايتس ووتش أكثر من 200 شخص بين نازح ولاجئ وعاملين بثماني منظمات دولية وسودانية، ووثقت آثار النزاع المسلح المتعلقة بحقوق الإنسان، على السكان المدنيين، بما في ذلك القصف العشوائي الحكومي على المناطق المأهولة بالسكان ورفض السلطات السماح بدخول المساعدات والخدمات الإنسانية التي توجد حاجة ماسة إليها، في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.
وثّق الباحثون انتهاكات جسيمة للقوات السودانية، تشمل القتل العمدي لمدنيين، والتشريد القسري، وتدمير ممتلكات المدنيين، وكذلك اعتقالات تعسفية وأعمال احتجاز، وفي بعض الحالات اختفاءات قسرية لمدنيين. من الأمثلة، تم القبض على عيسى دفع الله صباحي، الحارس الشخصي لمسؤول حكومي ينتمي إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان وتعرض للضرب والتقييد وقيل عليه "كافر" من قبل القوات الحكومية السودانية، وتعرض للاحتجاز بمنشأة داخل مجمع عسكري مع مدنيين آخرين. قال لـ هيومن رايتس ووتش: "أخذوا الناس إلى النهر وأطلقوا عليهم النار. أخذوني إلى النهر مع ثلاثة آخرين في اليوم الثاني. قتلوا اثنين منّا". تمكن من الهرب من السجن.
هناك ما يُقدر عددهم بتسعمائة ألف شخص تعرضوا للتشريد وتأثروا بشدة جراء النزاع، وهناك أكثر من 210 ألفاً يعيشون الآن في مخيمات لاجئين في جنوب السودان وأثيوبيا. وهناك مساحات كبيرة من أراضي ولاية النيل الأزرق على الأخص هجرها سكانها تماماً. تشمل أساليب القوات السودانية التي تذكرنا بتلك المستخدمة في دارفور وأثناء الحرب الأهلية الطويلة، منع وصول المساعدات الإنسانية على الأرض، ولقد أدى هذا بالفعل إلى تدهور الأوضاع الصعبة القائمة.
كان رد الفعل الدولي على هذه الأزمة ضئيلاً، إذ غطت عليه جهود التصدي للعلاقات المتدهورة واستئناف النزاع بين السودان وجنوب السودان في أبريل/نيسان 2012. تكررت دعوات الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لأطراف النزاع في جنوب كردفان والنيل الأزرق للاتفاق على صيغ لتوصيل المساعدات، وهو ما تم الاتفاق عليه أخيراً في أغسطس/آب 2012. لكن بسبب المماطلات من الجانب السوداني، فلم يتم تنفيذ الاتفاقات. ما زال مئات الآلاف يعانون الحرمان، بما في ذلك حالة من المجاعة وتدهور الأحوال الصحية إلى حد بعيد.
ينبغي على كل من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والدول ذات المصالح والعلاقات مع السودان، ومنها الصين والولايات المتحدة وقطر ودول الاتحاد الأوروبي – ينبغي عليها أن تتصدى لتدهور أزمة حقوق الإنسان بأن تصر على أن ينهي السودان جميع الأساليب التي تؤدي لخرق قوانين الحرب، وأن تسمح السلطات لمنظمات الإغاثة الإنسانية بالوصول بلا إعاقة لجميع السكان المتأثرين، بما يتسق مع القانون الدولي.
ينبغي على هؤلاء الفاعلين الدوليين الأساسيين فرض مواعيد واضحة على الحكومة السودانية تحديداً، لا سيما فيما يخص توصيل المساعدات للمدنيين. عليها أن تفرض عقوبات على المتسببين في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وأن يسعوا لبدء تحقيق بتكليف من الأمم المتحدة في ادعاءات الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي التي وقعت منذ يونيو/حزيران 2011، أخذاً في الاعتبار السعي لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم الخطيرة.
كما يبدو أن غياب العدالة على الجرائم الجسيمة المرتكبة أثناء النزاع بين الشمال والجنوب وفي دارفور، قد جرأ من انخرطوا في النزاع بولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق على ارتكاب المزيد من الانتهاكات. يجب على الفاعلين الدوليين الأساسيين مطالبة السودان بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية بشأن تحقيقاتها في جرائم دارفور، بما في ذلك من خلال ضمان مثول الرئيس عمر البشير وأحمد هارون وغيرهما من المشتبهين أمام المحكمة الجنائية الدولية التي نسبت إليهم اتهامات بارتكاب جرائم جسيمة في دارفور.





