ملخص
كانت لطيفة ل. تبلغ من العمر 12 عاماً عندما بدأت العمل كعاملة منازل في الدار البيضاء، أكبر المدن المغربية. قالت إنها كانت "خائفة للغاية" لكن طمأنها وسيط العمل بأن أصحاب عملها سيكونون "في غاية الطيبة" وسيدفعون لها أجراً جيداً.
وكان ذلك وعداً أجوف.
ما إن وصلت إلى الدار البيضاء – إثر رحلة بالحافلة من بيتها إلى المدينة استغرقت خمس ساعات – اكتشفت لطيفة أنها العاملة المنزلية الوحيدة لأسرة لديها أربعة أطفال. بدأت تعمل بلا راحة منذ السادسة صباحاً حتى منتصف الليل، وكانت مسؤولة عن الطهي وغسيل الثياب وتنظيف الأرضيات وغسيل الأطباق، ورعاية الأطفال، بما في ذلك طفلة تبلغ من العمر عامين. لم تأخذ أيام عطلة أسبوعية ولم يُسمح لها بالأكل إلا مرتين يومياً، في السابعة صباحاً وفي منتصف الليل بعد انتهاء العمل. قالت لطيفة إن صاحبة عملها كثيراً ما عرضتها لإهانات، وقامت بضربها في بعض الأحيان؛ أحياناً بحذاء عندما تكسر شيئاً، أو عندما يبكي أحد الأطفال.
في البداية لم تخبر والديها بالانتهاكات لأنها أحست بأن ها ملتزمة بمساعدتهم مالياً، على حد قولها لـ هيومن رايتس ووتش. لكن أحست في النهاية بأنها لم تعد تحتمل. قالت: "أنا لا يضايقني العمل، لكن الضرب وعدم كفاية الطعام، فهذا أصعب ما في الموضوع". في مطلع عام 2012 لجأت إلى تليفون عمومي وسألت والدها على الهاتف إن كان بإمكانها أن تعود للبيت. وافقها على طلبها، وتمكنت لطيفة بمساعدة من منظمة مجتمع مدني، من العودة إلى المدرسة.
*****
يعمل آلاف الأطفال في المغرب – أغلبهم من الفتيات وبعضهن يبلغن من العمر ثماني سنوات – في البيوت كعمالة منزلية. عادة ما تنحدر العاملات المعروفات بمسمى "الخادمات الصغيرات – petites bonnes " من مناطق ريفية فقيرة، فتأملن بحياة أفضل في المدينة وفي فرصة مساعدة عائلاتهن مالياً. إلا أنهن يواجهن أعمال عنف بدني وشفهي، ويعانين من العزلة والعمل سبعة أيام في الأسبوع، بداية من الفجر وحتى ساعة متأخرة من الليل. يحصلن على أجور زهيدة ولا ترتاد أي منهن تقريباً المدرسة.
في عام 2005 أصدرت هيومن رايتس ووتش تقريراً بعنوان "داخل المنزل، خارج القانون: إساءة معاملة خادمات المنازل الأطفال في المغرب". وقتها كان هناك عشرات الآلاف من الفتيات – نحو 13500 في منطقة الدار البيضاء وما يناهز 86000 في شتى أنحاء المغرب، حسب الحكومة وبناء على تقديرات منظمة بحثية مستقلة – يعملن كعاملات منازل، في خرق للقوانين المغربية والدولية التي تحظر عمل الأطفال تحت 15 عاماً. يوثق التقرير العمل المنزلي لفتيات تبلغ أعمار بعضهن خمسة أعوام، وتعمل بعضهن مقابل أجر قد يصل في حده الأدنى إلى أربعة سنتات أمريكية في الساعة، لمدة تناهز المائة ساعة وأكثر أسبوعياً، دون ساعات راحة أو أيام عطلة أسبوعية. كثيراً ما يقوم أصحاب عمل "الخادمات الصغيرات" بضرب الفتيات والإساءة لهن لفظياً، مع حرمانهن من التعليم، وقد يرفضون في بعض الأحيان منحهن الطعام الكافي أو الرعاية الطبية الواجبة.
يحتوي هذا التقريرعلى متابعة لبحوثنا السابقة، ويهدف إلى تقييم التقدم الذي تم إحرازه في مجال القضاء على عمل الأطفال في المنازل في المغرب منذ عام 2005، والتحديات الباقية التي لم يتم تجاوزها بعد. تظهر بحوثنا في عام 2012 – وتشمل مقابلات مع 20 عاملة منازل سابقة من الأطفال في الدار البيضاء والمناطق الريفية المرسلة للعاملات وكذلك مع منظمات مجتمع مدني ومسؤولين حكوميين وأطراف أخرى معنية – أن عدد الأطفال المشتغلين كعاملات منازل تراجع منذ عام 2005، وأن عدداً أقل من الفتيات يعملن في سن مبكرة للغاية. لقد أدت حملات التوعية الجماهيرية التي نظمتها الحكومة ومنظمات المجتمع المدني وهيئات الأمم المتحدة – مصحوبة بتكثيف الاهتمام الإعلامي – إلى زيادة وعي الجمهور بمشكلة عمل الأطفال في المنازل والمخاطر التي تتعرض لها الفتيات. وقد قال مسؤول بمنظمة العمل الدولية: "عندما ذهبت للمغرب لأول مرة قبل عشر سنوات لم يكن هناك من يرغب في الحديث عن هذا الموضوع. لكن الآن لم تعد مشكلة عمل الأطفال في المنازل موضوعاً محرماً لا يصح الحديث عنه". ظهر من جهود الحكومة لزيادة الإلحاق بالمدارس نجاحاً لافتاً وساعدت تلك الجهود على تقليل عدد الأطفال المنخرطين في العمل.
لكن بينما انحسر عدد عاملات المنازل من الأطفال، فإن الأطفال – وأغلبهم من الفتيات – ما زالوا يدخلون سوق العمل المنزلي في سن أصغر بكثير من الحد الأدنى المُحدد بـ 15 عاماً. فحتى الساعة لم يتم تفعيل القوانين التي تحظر عمل الأطفال تحت 15 سنة على النحو الواجب، وكثيراً ما تكون ظروف عمل عاملات المنازل مصحوبة بالاستغلال والانتهاكات. ما زال قطاع العمل المنزلي بشكل عام – أطفال وبالغين على حد سواء – مستبعداً من مدونة الشغل المغربية، فلا تحصل عاملات المنازل على الحقوق المتوفرة للعمال الآخرين، بما في ذلك الحد الأدنى للأجر، وتحديد ساعات العمل. قد يغري وسطاء مخادعين بعض الفتيات من مناطق فقيرة وريفية ليشتغلن بالعمل المنزلي، ويشعرن بضغوط تدفعهن لمساعدة أسرهن، لا سيما إذا كان أحد الأبوين مريضاً أو مصابا بإعاقة أو ليس لدى الأسرة دخل منتظم، على حد قول بعض الفتيات.
نتيجة لذلك ما زال عمل الأطفال في البيوت يُعد مشكلة كبيرة في المغرب. يجب بذل جهود إضافية لتطبيق الحظر القانوني الساري في المغرب على توظيف الأطفال تحت 15 عاماً في العمل، ولحماية الفتيات الأكبر ممن أصبح سنهن مناسبا، ولمنع الانتهاكات وظروف استغلال الفتيات المغربيات الصغيرات في العمل في البيوت.
العمل تحت السن القانونية
يحظر القانون المغربي والقانون الدولي عمل الأطفال تحت سن 15 عاماً. تحظر اتفاقية حقوق الطفل – التي صدق عليها المغرب عام 1993 – الاستغلال الاقتصادي وتشغيل الأطفال في أعمال يُرجح أن تكون خطرة، أو تتعارض مع تعليمهم، أو ضارة بصحتهم أو نموهم. إن اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 182 الخاصة بأسوأ أشكال عمل الأطفال – وقد صدق عليها المغرب في عام 2001 – نصت على ألا يعمل الأطفال تحت 18 عاماً في أشغال يُرجح أن تكون ضارة بصحتهم أو سلامتهم أو أخلاقهم. يشمل العمل المحظور أي عمل يعرض الأطفال لأذى بدني أو نفسي أو جنسي، أو يجبرون خلاله على العمل ساعات طويلة أو في الليل، أو يحدد إقامتهم بالمكان المتواجد فيه صاحب العمل.
وعلى ذلك، تعمل الفتيات في العادة كعاملات منازل في المغرب بداية من سن أصغر بكثير من 15 عاماً. توضح دراسة ميدانية أجرتها جمعية إنصاف عام 2010 بشأن عاملات المنازل تحت 15 عاماً، بعد لقاء 299 أسرة مرسلة للعمالة، أن 38 في المائة من الفتيات تتراوح أعمارهن بين 8 و12 عاماً. وأن من بين 20 عاملة منازلعاملة منازل سابقة في سن الطفولة قابلتهن هيومن رايتس ووتش، هناك 15 فتاة بدأت العمل في أعمار 9 و10 و11 عاماً. عملن جميعاً – باستثناء أربع منهن – كعاملات منازل لمدد معينة في الفترة من 2005 إلى 2012، وهي فترة البحث. بدأت أصغرهن العمل وهي في الثامنة. وجمعية أنصاف هي منظمة مجتمع مدني مقرها الدار البيضاء وتنشط بمجال منع عمل الأطفال في المنازل وتساعد عاملات المنازل السابقات.
وسطاء عمل مخادعون
كثيراً ما يتواصل الوسطاء – كما في حالة لطيفة – مع أسر الفتيات بصفتهم وكلاء توظيف، ويعدون بشكل عام بظروف عمل جيدة وأصحاب عمل طيبين. عادة ما يدفع أصحاب العمل للوسطاء 200 إلى 500 درهم مغربي (22 – 57 دولاراً أمريكيا) مقابل أن يجدوا لهم عاملة منزلية. نتيجة لذلك، يصبح لدى الوسطاء حافزاً مالياً لاستقدام عاملات المنازل، ولإقناعهن أيضاً بتغيير أصحاب العمل من حين لآخر حتى يحصلوا على رسوم إضافية من أصحاب العمل الجدد.
لا تعلم الفتيات اللاتي يدخلن سوق العمل المنزلية الكثير عن ظروف االعمل أو عن مسؤوليات الوظيفة قبل أن تبدأن، وتشمل المسؤوليات عادة الطهي وتحضير الوجبات وغسيل الأطباق وغسيل الثياب وتنظيف الأرضيات والأبسطة، وشراء مستلزمات الأسرة، ورعاية أطفال صغار، وتوصيل الأطفال الأكبر سناً إلى المدرسة وإعادتهم للبيت، وتحضير وجباتهم، وخدمة الضيوف. قد لا يُطلب من الفتيات الأصغر سنا أن يبدأن الطهي منذ البداية، لكن عادة ما تزيد المسؤوليات مع تقدمهن في العمر. عادة ما تكتشف فتيات لا يتجاوز عمرهن الثمانية أعوام أن عليهن الاضطلاع بأغلب مسؤوليات العمل المنزلي لعائلات يصل عدد أفرادها إلى ثمانية أشخاص.
ظروف عمل تنطوي على الإساءات والاستغلال
تعمل عاملات المنازل من الأطفال ساعات طويلة بأجور زهيدة للغاية. في المتوسط، كانت الفتيات اللاتي قابلتهن هيومن رايتس ووتش يربحن نحو 545 درهماً في الشهر (نحو 61 دولاراً)، وهو أجر أقل بكثير من الحد الأدنى للأجور الشهرية 2333 درهماً (نحو 261 دولاراً) في قطاع الصناعة المغربي. وبينما قد يصل أجر بعض الفتيات إلى 750 درهماً شهرياً (84 دولاراً)، قالت إحداهن إنها تربح 100 درهم لا أكثر (11 دولاراً)، ولم تكن بعضهن يعرفن أصلاً بأجورهن، التي يتم التفاوض عليها في أغلب الحالات بين الآباء والوسيط أو صاحب العمل. في جميع الحالات تقريباً، لم تكن الفتيات يحصلن على أجرهن مباشرة، بل تُدفع أجورهن إلى الأب أو أحد أفراد أسرهن الآخرين.
بالإضافة إلى دفع الأجور لأسر الفتيات، فإن أصحاب العمل عادة ما يكونون مسؤولين عن توفير الطعام والسكن للعاملات. رغم أنه من الصعب تقدير القيمة النقدية لهذه المدفوعات "العينية"، فإن الأدلة التي تم جمعها أثناء إعداد التقرير تُظهر أن قيمتها لا تغطي الفجوة بين الراتب النقدي للعاملة والحد الأدنى للأجر السائد. بعض عاملات المنازل القاصرات قلن إن لديهن حجرات خاصة بهن، لكن قالت أخريات إنهن ينمن في حجرة معيشة أصحاب العمل، أو في المطبخ، أو في خزانة، وأحياناً على بطانية على الأرض. بعضهن يأكلن مع أسرة صاحب العمل ويحصلن على طعام كافي، بينما تشعر أخريات بالجوع أغلب الوقت – مثل سميرة التي قالت إنها لا تُمنح غير زيت الزيتون والخبز، أو لطيفة التي لا يُسمح لها غير الأكل صباحاً ومرة أخرى ليلاً بعد انتهاء عملها..
بالنسبة لبعض عاملات المنازل القاصرات، يبدأ يوم العمل في ساعة مبكرة من الصباح ولا ينتهي حتى ساعة متأخرة من الليل. رغم أن مدونة الشغل المغربية تفرض حداً أقصى للعمل بواقع 44 ساعة أسبوعياً لأغلب العمال؛ فإن المدونة لا تلتفت إلى عاملات المنازل، ومن ثم فلا توجد حدود قصوى على ساعات عمل عاملات المنازل. ذكرت بعض من أجرينا معهن مقابلات أن وقت ما بعد الظهر أو المساء يكون خاصاً بهن، لكن هناك أخريات يبدأ عملهن في السادسة صباحاً ويستمر حتى منتصف الليل تقريباً، مع استراحات متقطعة قليلة. وصفت إحداهن ضغط العمل المستمر قائلة: "السيدة [صاحبة العمل] لا تدعني أجلس. حتى إن كنت انتهيت من جميع مهامي... إن رأتني جالسة، تصيح فيّ". قالت 8 من أصل 20 عاملة منازل من الأطفال اللاتي قابلناهم، إن أصحاب العمل يعطوهن يوم عطلة أسبوعي. قالت الأخريات إنهن يعملن سبعة أيام في الأسبوع، وقد يستمر ذلك الوضع لمدة تناهز العامين.
قالت أكثر من نصف الفتيات اللاتي تمت مقابلتهن، إن أصحاب العمل يتعرضون لهن بالضرب، ووصف ما لا يقل عن 14 فتاة من العشرين تعرضهن لإساءات لفظية. قالت فتاة بدأت العمل وهي في التاسعة من العمر: "[صاحبة عملي] تستخدم كل كلمة سيئة تعرفها... عندما أعمل شيئاً بشكل يختلف عما تريده هي، تبدأ في الصياح في وتأخذني إلى حجرة وتبدأ في ضربي. يحدث هذا عدة مرات أسبوعياً". قالت الفتيات إن أصحاب العمل يقومون بضربهن على أيديهن وبالأحزمة وبالعصي الخشبية وبالأحذية وبمواسير بلاستيكية.
تجعل خصوصية البيوت عاملات المنازل من الأطفال مستضعفات بشكل خاص وعرضة للمضايقات الجنسية أو الاغتصاب على يد أفراد البيت من الذكور. قالت عزيزة س.، إنها كانت في سن 12 عاماً عندما حاول ابن صاحبة عملها البالغ من العمر 22 عاماً أن يغتصبها. وقالت أمل ك. بدورها إنها تعرضت للعنف الجنسي، على يد ابن صاحبة عملها وهي في سن 14 عاماً. "جاء الابن الأكبر إلى حجرتي وفعل بي أشياء. قال لي ألا أخبر أحداً... كنت خائفة أن يؤذيني إن فعلت".
يحد العمل المنزلي كثيراً من قدرة أية طفلة على استكمال تعليمها. فطفلتان فقط من أصل 20 طفلة يعملن عاملات منازل أجرينا مقابلات معهن، قالتا إنهما أتممن الفصل الدراسي الثالث قبل بدء العمل. لم يُسمح لأي منهن بارتياد المدرسة أثناء عملها. قالت سعاد ب. على سبيل المثال إن صاحبة عملها رفضت طلبها بارتياد المدرسة دون أن تبدي لها أسباباً. تبين دراسة أجرتها جمعية إنصاف في عام 2010 أن 21 في المائة من عاملات المنازل القاصرات ما زلن يرتدن المدرسة ويعملن أثناء عطلات المدرسة، لكن 49 في المائة تسربن من التعليم من أجل العمل، و30 في المائة لم يرتدن المدرسة من الأساس.
تعاني عاملات المنازل الأطفال من العزلة التامة. غالبا من يكون العمل في مدينة جديدة، بعيداً عن الأسرة والأصدقاء. تتحدث بعض الفتيات الأمازيغية، وهي لغة البربر التي يتحدثها الكثيرون في وسط المغرب، ولا يمكنهن التفاهم بسهولة باللغة العربية، التي يتحدثها أغلب المغاربة. قالت الكثيرات ممن أجريت معهن المقابلات إنهن لا يُسمح لهن بالخروج من بيوت أصحاب العمل ويكون اتصالهن بعائلاتهن محدودا أثناء عملهن. قد يُسمح لبعضهن الاتصال بأسرهن لكن اصحاب العمل يراقبون محادثاتهن الهاتفية حتى لا يتكلمن بحرية.
قلة من عاملات المنازل القاصرات التي جرت مقابلتهن كانت تعرفن لمن تلجأن إن تعرضن للعنف أو المعاملة السيئة أو الاستغلال. لم تقل أي منهن إنها لجأت للشرطة مباشرة أو أنها تعرف بهيئة حكومية معينة يمكن أن توفر لها العون. بالإضافة لأنه لا يمكنهن العودة إلى بيوتهن وحدهن دون نقود ودون معرفتهن بمكان تواجدهن. وصفت الكثيرات منهن الضغوط الناتجة عن استمرارهن في العمل حتى في ظل الأوضاع المسيئة، وذلك لكي يوفرن الدخل لعائلاتهن.
في النهاية طلبت بعضهن من أسرهن الإذن بالعودة للبيت. سعت فتاتين فقط من بين من قابلتهن هيومن رايتس ووتش بأنفسهن للحصول على مساعدة بعيداً عن الأسرة. إحداهما هي عزيزة س.، التي قالت إنها ركضت إلى محطة حافلات محلية بعد أن حاول ابن صاحبة عملها اغتصابها، وطلبت من سائق الحافلة أن يساعدها فأخذها إلى مركز شرطة محلي. في حالة أخرى، أخبرت فتاة ضربتها صاحبة عملها بحزام مصففة شعر/حلاق بما تعرضت له، فأحالها على منظمة مجتمع مدني لمساعدتها.
التقدم المحرز
طبقاً للإحصاءات الحكومية، أحرز المغرب تقدماً ملحوظاً خلال السنوات في مجال تقليص معدلات عمل الأطفال بشكل عام، وزيادة عدد الأطفال الملتحقين بالمدارس. تراجع عدد الأطفال المنخرطين في جميع أشكال العمل من 517 ألفاً عام 1999 إلى 123 ألفاً في عام 2011، وذلك طبقاً لدراسات ميدانية حكومية. كما يبدو أن أعداد الفتيات الصغيرات المشتغلات كعاملات منازل في انحسار، رغم أنه لا توجد بيانات حديثة تحدد العدد بدقة. في الوقت نفسه فقد ارتفع عدد الأطفال الذين اتموا المدرسة الابتدائية– من 62 إلى 85 في المائة، بين عامي 2002 و2010.
ولقد أدت الجهود الحكومية لزيادة التحاق الأطفال بالمدارس وتوفير الدعم المالي للأسر الفقيرة التي قد تدفع أطفالها للعمل، أدت إلى تقليل عمل الأطفال. يعد برنامج المخصصات النقدية مثلا من المبادرات المهمة، فهو يقدم 60 إلى 140 درهماً (7 – 16 دولاراً) للأسر كمخصص شهري عن كل طفل تشجيعا على ارتياد الأطفال للمدارس. طبقاً لوزارة التعليم، استفاد من البرنامج 690 ألف تلميذ في مناطق ريفية فقيرة خلال 2011 و2012، وانتهى تقييم مستقل إلى أن ذلك أدى لخفض معدلات التسرب من المدارس بين متلقيّ الدعم بنسبة 68% على مدار ثلاثة أعوام. كما وفرت الحكومة حقائب كتب وغيرها من المستلزمات لأكثر من 4 ملايين تلميذ في عمر المدارس الابتدائية، وتوسعت في تقديم الوجبات للتلاميذ بواقع 32 في المائة من 2008 إلى 2012.
وهيأت الحكومة في خمس مدن وحدات لحماية الأطفال لمساعدة من يقعون ضحايا للعنف أو سوء المعاملة، وقد يشمل ذلك عاملات منازل قاصرات قمن بالفرار من أصحاب عمل مسيئين. وأنشأت وزارة التشغيل والتكوين المهني وحدة مركزية لعمل الأطفال وأعدت نقاط خاصة بعمل الأطفال في 43 مفتشية عمل، وقامت بالتعاون مع منظمة العمل الدولية واليونسيف، بتدريب مفتشي عمل ومسؤولين حكوميين آخرين على تطبيق قوانين عمل الأطفال. في عام 2010 صدر قرار حكومي بزيادة أنواع الشغل التي تعتبر خطيرة مع حظرها بالنسبة للأطفال تحت 18 عاماً. يحظر القرار بعض المهام المتعلقة بعمل الأطفال في الخدمة المنزلية، لكنه لا يحظر تحديداً قيام الأطفال بالعمل المنزلي.
طورت الحكومة أيضاً منذ عام 2006 مشروع قانون للعمل المنزلي يضفي للمرة الأولى الطابع الرسمي على هذا القطاع ويؤسس لحقوق أساسية (مثل يوم العطلة الأسبوعية والإجازة السنوية) لعاملات المنازل. يعزز مشروع القانون الحظر القانوني القائم على عمل الأطفال تحت 15 عاماً بالعمل المنزلي، ويطالب بإذن من الأب أو ولي الأمر لتشغيل الأطفال بين 15 و18 عاماً. يطالب القانون المقترح بعقود كتابية لجميع عاملات المنازل، يتم ملأها لدى مكتب تفتيش الشغل. في مايو/أيار قال عبد الواحد سهيل وزير التشغيل والتكوين المهني لـ هيومن رايتس ووتش إن تبني القانون الجديد يُعد أولوية من أولويات الحكومة في عام 2012. لكن حتى كتابة هذه السطور لم يكن قد تم عرض القانون على البرلمان بعد.
كما نظمت منظمات المجتمع المدني المغربية حملات توعية عامة للحيلولة دون عمل الأطفال بالمنازل، بما في ذلك أنشطة التواصل مع العائلات في المناطق المرسلة لعمالة الأطفال، وأعدت برامج لمساعدة الفتيات العاملات تحت السن القانونية وضحايا الانتهاكات والاستغلال. كما أشادت منظمات المجتمع المدني بالإعلام الوطني؛ إذ ساعدها في تقليص عدد عاملات المنازل القاصرات بعد أن أولى الإعلام اهتماماً أكبر بالقضية في السنوات الأخيرة.
مطلوب تحركات أكثر
رغم هذه الخطوات الإيجابية، إلا أن الآليات القائمة لمساعدة الأطفال المستضعفين والمعرضين للضرر والتصدي لعمل الأطفال، ليست آليات كافية لمعالجة السمات التي تتفرد بها قضية عمل الأطفال في المنازل. لا يمكن مثلا لمفتشي الشغل دخول البيوت للتعرف على وجود عاملات منازل قاصرات بها، وطبقاً لمعلومات قدمتها الحكومة، فلم يقم المفتشون بفرض الغرامات على مشغلي عاملات المنازل القاصرات. ولا تعمل وحدات حماية الطفل – المعنية بمساعدة الأطفال ضحايا العنف والمعاملة السيئة – إلا في خمس مدن. قالت عاملات المنازل القاصرات اللاتي قابلنهن إنهن لا يعرفن بالخدمات التي قد توفرها هذه الوحدات، حتى إن الوحدة الأكثر نشاطاً بينها – في الدار البيضاء – لم تساعد إلا عدداً قليلاً من عاملات المنازل القاصرات. وما زالت الملاحقات الجنائية ضد أصحاب العمل المسؤولين عن الاعتداءات البدنية في حق عاملات المنازل القاصرات، حالات نادرة، رغم أنه قد حُكم في عام 2012 على سيدة بالسجن 10 سنوات إثر وفاة عاملة منزلية تبلغ من العمر 10 أعوام تعرضت لضرب مبرح.
لابد من إنشاء آليات أكثر فعالية للوصول للفتيات المشتغلات تحت السن القانونية وإبعادهن عن العمل، وكذلك للمشتغلات فوق السن القانونية ممن سقطن ضحايا لأعمال عنف أو استغلال. مطلوب استمرار التوعية الجماهيرية لتعريف العائلات وأصحاب العمل المحتملين بالقانون ومخاطر عمل الأطفال في المنازل. طبقاً لدراسة لجمعية إنصاف صدرت عام 2010، على سبيل المثال، فإن 76 في المائة من الأسر في المناطق المرسلة لعمالة الأطفال لا تعرف بالقوانين التي تحظر تشغيل الأطفال تحت سن 15 عاماً.
مطلوب تشريعات وطنية لتنظيم العمل المنزلي؛ من أجل ضمان أن جميع عاملات المنازل من كافة الأعمار – بما في ذلك الفتيات فوق سن التوظيف القانونية – يتمتعن بالحقوق العمالية الأساسية وبظروف العمل الملائمة. لابد من تعديل قانون العمل المنزلي المقترح بحيث يصبح متسقاً مع اتفاقية منظمة العمل الدولية لعام 2011 الخاصة بظروف العمل الملائمة لعاملات المنازل (اتفاقية رقم 189) وإقراره بسرعة.
تدعو هيومن رايتس ووتش الحكومة المغربية إلى تبني إجراءات إضافية من أجل القضاء الفعال على عمل الأطفال بالمنازل، أخذاً في الاعتبار عزلة العاملات وعرضتهن الأكبر للضرر وهن يعملن في البيوت كعاملات المنازل. لابد أن تشتمل هذه الإجراءات على آليات محددة للتعرف على الفتيات المعرضات للعمل المنزلي غير القانوني والمسيئ والاستغلالي، مع التحقيق في هذه الحالات، وتوفير الدعم الملائم، بما في ذلك المأوى ولم الشمل بالأسرة والإعادة إلى المدرسة وفرض عقوبات إن لزم الأمر أو ملاحقات جنائية ضد أصحاب العمل.
من دون هذه التحركات، سوف تستمر الفتيات في التعرض لإغراءات العمل ثم التعرض للاستغلال والإساءات البدنية في البيوت، مع تناسي حقهن في التعليم والتواصل مع الأسرة وفرصة النمو والتنشئة في أفضل حال ممكن.
التوصيات الأساسية
إلى الحكومة المغربية:
- العمل بحزم على فرض سن 15 عاماً سناً أدنى لجميع العاملين.
- الاستمرار والتوسع في حملات التوعية الخاصة بعمل الأطفال في المنازل والقوانين ذات الصلة.
- إنشاء نظام فعال للتعرف على عاملات المنازل القاصرات وإبعادهن عن العمل، أولئك اللاتي يعملن بصفة غير قانونية أو يتعرضن لانتهاكات، مع إمدادهن بالدعم الطبي والنفسي، وتيسير ارتيادهن المدارس.
- تعديل قانون العمل المنزلي المقترح بما يضمن الالتزام باتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 189 الخاصة بظروف العمل الملائمة لعاملات المنازل (2011) وعرض القانون على البرلمان لإقراره.
- ضمان تمتع جميع الأطفال تحت سن 15 عاماً بحقهم في التعليم الأساسي الإلزامي والمجاني، وتوسيع مجال المبادرات المصممة لزيادة الالتحاق بالمدارس في أوساط الفتيات المعرضات للعمل كعاملات المنازل.
- ملاحقة الأفراد المسؤولين عن أعمال عنف ومخالفات جنائية أخرى ضد عاملات منازل قاصرات وذلك بموجب القانون الجنائي المغربي.
التوصيات التفصيلية في نهاية التقرير.






