أكتوبر 26, 2012

I . خلفية

في فبراير/شباط 2011 اندلعت مظاهرات للمطالبة بالديمقراطية في ليبيا، وسرعان ما تمت مواجهتها بالقمع العنيف من قبل القوات الحكومية الليبية، مما أدى لسقوط مئات القتلى. [2] ورغم القمع، سيطر المتظاهرون – مدفوعون بانشقاقات في الجيش – على الكثير من مناطق شرقي ليبيا. سرعان ما تطورت الانتفاضة السلمية إلى نزاع داخلي مسلح بين قوات ظلت موالية للقذافي، وتحالف موسع من قوات المعارضة، بتنسيق فضفاض تحت لواء المجلس الوطني الانتقالي، وهو "الحكومة الانتقالية" المشكلة من قيادات المعارضة بمدينة بنغازي شرقي ليبيا في 27 فبراير/شباط 2011.

وفي 17 مارس/آذار مع اقتراب قوات عسكرية موالية للزعيم الليبي معمر القذافي من بنغازي، معقل المعارضة الأساسي في الشرق، أصدر مجلس الأمن القرار 1973 بفرض منطقة حظر طيران فوق ليبيا وصرح باستخدام "جميع الإجراءات الممكنة" – باستثناء إرسال قوات احتلال – من أجل حماية المدنيين. أدى هذا إلى بدء "عملية الحماية الموحدة" للناتو، وكان قوامها حظر أسلحة وإعداد منطقة حظر طيران فوق ليبيا وتدخل عسكري لحماية المدنيين من الهجمات أو التهديد بالهجمات. [3] وقد أخفقت القوات الموالية للقذافي في السيطرة على بنغازي وانتزاعها هي وشرق ليبيا من قوات المعارضة. وقامت فرنسا وقطر والإمارات العربية المتحدة وربما دول أخرى، بتقديم الأسلحة والتدريب لقوات المعارضة، وأقرت قطر فيما بعد بأنها أرسلت المئات من قواتها إلى ليبيا. [4]

وفي الفترة من فبراير/شباط إلى أغسطس/آب 2011 عندما سقطت طرابلس، ارتكبت قوات القذافي انتهاكات جسيمة لقانون حقوق الإنسان وقوانين الحرب. احتجزت القوات الموالية للقذافي آلاف الأشخاص دون اتهامات وعرضتهم في أحيان كثيرة للتعذيب والمعاملة السيئة أثناء احتجازهم. تكرر شن قوات القذافي لهجمات عشوائية باستخدام قذائف الهاون والمدفعية والصواريخ الغراد على مناطق مدنية، [5] كما وضعت القوات عشرات الآلاف من الألغام المضادة للأفراد والمركبات. [6] وثقت هيومن رايتس ووتش 20 حالة اغتصاب جماعي واعتداءات جنسية على رجال ونساء من قبل القوات الموالية للقذافي، رغم أن نطاق هذه الانتهاكات الفعلي ما زال مجهولاً. [7] كما أعدمت قوات القذافي سجناء في عهدتها، ووقعت بعض هذه العمليات قبيل سقوط طرابلس مباشرة، عندما تم إعدام 45 محتجزاً في مخزن مجاور لقاعدة كتيبة خميس، ويديرها نجل القذافي خميس القذافي. [8]

كما ارتكبت قوات المعارضة انتهاكات لحقوق الإنسان وخروقات لقوانين الحرب، منها بعض عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء، واعتقالات تعسفية وتعذيب للمحتجزين، [9] وهجمات انتقامية ضد بلدات تم اعتبارها موالية للقذافي، [10] وهجمات عامة وموسعة ضد عمال مهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء، متهمين بالعمل كمرتزقة لصالح القذافي. [11]

قوات المعارضة التي حاربت القذافي في حرب ليبيا الأهلية عام 2011 كانت غير منظمة بشكل جيد ولم تكن في أغلبها تخضع لسيطرة المركز الانتقالي المركزية، وهي هيئة المعارضة المؤقتة التي تم تأسيسها في 27 فبراير/شباط في بنغازي والتي خلفت حكومة القذافي بعد سقوطها. ظهرت مئات الميليشيات لمحاربة القذافي، وكانت منظمة على هيئة شبكات غير رسمية تنتمي للبلدات والشركات والمدارس ووحدات عسكرية سابقة (في حالة المنشقين) أو مؤسسات دينية ينتمي أعضاء الميليشيا إليها. في كل مدينة وبلدة تقريباً في ليبيا كان ولاء الميليشيات داخل البلدة أو المدينة هو للمنشأ، من ثم أصبحت مختلف الميليشيات منتمية لمنشأها وصارت تنسق بشكل فضفاض أنشطتها على اساس هذا الانتماء.

وكان لمدينة مصراتة وميليشياتها تجربة فريدة من نوعها، وبرزت إلى سطح الأحداث أثناء نزاع 2011. عرضت قوات القذافي مصراتة لحصار دام شهرين في ربيع ذلك العام، وشهدت المدينة قصف شبه يومي أودى بحياة مئات المدنيين ومنع وصول المساعدات الإنسانية والطبية إلى المدينة. وثقت هيومن رايتس ووتش استخدام الحكومة للذخائر العنقودية التي أطلقتها بواسطة قذائف هاون، وصواريخ غراد قوية وعشوائية أصابت أحياء مصراتة السكنية. [12]

بعض ميليشيات مصراتة نالت سمعة كونها قاسية المعاملة، منذ انتهاء حصار مصراتة. وتستمر ميليشيات مصراتة حتى كتابة هذه السطور في منع 30 ألف شخص من العودة إلى بيوتهم في تاورغاء، وهي بلدة تقع إلى جنوب مصراتة، بسبب اتهام السكان بارتكاب أعمال وحشية ضد سكان مصراتة، بالتعاون مع قوات القذافي. تعرض سكان تاورغاء المشردين للاعتقال التعسفي والتعذيب رهن الاحتجاز، وفي بعض الحالات أدى ذلك إلى الوفاة. [13] كتبت هيومن رايتس ووتش إلى مجلس مصراتة المحلي ومجلس مصراتة العسكري في 8 أبريل/نيسان 2012 عن معدلات الانتهاكات العالية على يد ميليشيات من مصراتة، وشددت على إمكانية محاسبة القيادة المدنية والعسكرية للمدينة على الإخفاق في منع أو معاقبة هذه الجرائم. [14]

سلوك بعض ميليشيات مصراتة المسيئ أدى إلى رد فعل قوي من ميليشيات بنغازي الخاضعة لقدر أكبر من السيطرة المباشرة للمجلس الانتقالي (الذي تشكل في بنغازي)، ورأوا أن انتهاكات بعض ميليشيات مصراتة تقود مشروعية ثورتهم ومشروعية المجلس الانتقالي. إثر هجمات ميليشيات مصراتة على سكان تاورغاء المشردين، تدخلت ميليشيات بنغازي وجلبت آلاف المشردين من تاورغاء إلى مخيم قريب من بنغازي، حيث يمكن حمايتهم بسهولة. [15]

كما ظهرت بوضوح التوترات بين مقاتلي مصراتة وبنغازي (أو "الشرق" بشكل أكثر عمومية) أثناء المعركة الأخيرة في سرت، والتي يدور حولها هذا التقرير. أثناء القتال في سرت كان لميليشيات مصراتة وبنغازي أماكن تجمع مختلفة (الجبهة الغربية لمصراتة والشرقية لبنغازي) ولم تسمح كل ميليشيا لمقاتلي الأخرى بالوصول بسهولة إلى خطوطها الأولى. وفي صباح المواجهات مع قافلة القذافي الهاربة، شهد باحثو هيومن رايتس ووتش في سرت على رفض مقاتلي بنغازي السماح لمجموعة من ميليشيا مصراتة بالوصول إلى خطوطهم الأولى، وأمروهم بالعودة أدراجهم والمغادرة.

المعركة الأخيرة الموثقة في هذا التقرير وقعت في منطقة خاضعة لميليشيات مصراتة. فر معمر القذافي إلى وسط المقاتلين من تلك المدينة التي أسقطت منها قواته الكثير من الضحايا أثناء الحرب. الأحداث التي تلت ذلك، المصورة على مقاطع فيديو من قبل مقاتلي مصراتة أنفسهم، يتضح منها أن المقاتلين من مصراتة أخذوا ثأرهم بشكل دموي.

[2] انظر: "ليبيا: على مختلف الحكومات المطالبة بوضع حد لأعمال القتل غير القانونية"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 20 فبراير/شباط 2011: http://www.hrw.org/ar/news/2011/02/20-0

[3] انظر: NATO, Operation UNIFIED PROTECTOR Final Mission Statistics, November 2, 2011, http://www.nato.int/nato_static/assets/pdf/pdf_2011_11/20111108_111107-factsheet_up_factsfigures_en.pdf. (الناتو، عملية الحماية الموحدة، إحصاءات المهمة النهائية، 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2011). إلا أن الرئيس باراك أوباما، رئيس الولايات المتحدة، وديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا والرئيس نيكولا ساركوزي، نشروا مقالات مشتركاً في 14 أبريل/نيسان 2011 ذكروا فيه أن على معمر القذافي التخلي عن السلطة:

هناك طريق للسلام يعد بأمل جديد للشعب الليبي مستقبل بدون القذافي، يحافظ على سلامة ليبيا وسيادتها ويعيد لها اقتصادها ورخائها وأمن شعبها. لابد أن يبدأ هذا المستقبل بإنهاء حقيقي وفعلي للعنف، بالأفعال وليس الكلمات. على النظام أن ينسحب من المدن التي يحاصرها، ومنها أجدابيا ومصراتة والزنتان وأن يعود إلى ثكناته. إلا أنه طالما القذافي في سدة الحُكم، فعلى الناتو الاستمرار في عملياته حتى يبقى المدنيين محميين وحتى يستمر الضغط على النظام. ثم يأتي التحول الفعلي من الدكتاتورية إلى عملية دستورية شاملة بقيادة زعماء الجيل الجديد. حتى تنجح هذه العملية الانتقالية، فلابد أن يرحل القذافي بشكل نهائي.

باراك أوباما، ديفيد كاميرون، نيكولا ساركوزي "طريق ليبيا إلى السلام"، النيويورك تايمز، 14 أبريل/نيسان 2011: Barack Obama, David Cameron, and Nicolas Sarkozy, “Libya’s Pathway to Peace,” New York Times, April 14, 2011 (also reprinted in the International Herald Tribune, Le Figaro, and The Times of London).

[4] انظر: Ian Black, “Qatar admits sending hundreds of troops to support Libya rebels,” Guardian, October 26, 2011.

[5] انظر: "ليبيا: الذخائر العنقودية تضرب مصراتة"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 15 أبريل/نيسان 2011: http://www.hrw.org/ar/news/2011/04/15-4 و"ليبيا: هجمات عشوائية تسفر عن مقتل مدنيين"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 17 أبريل/نيسان 2011: http://www.hrw.org/ar/news/2011/04/18-1 و: "ليبيا: يجب كف الهجمات العشوائية عن البلدات الجبلية الغربية"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 9 مايو/أيار 2011: http://www.hrw.org/ar/news/2011/05/09

[6] انظر: "ليبيا: ثبوت استخدام الحكومة للألغام الأرضية"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 31 مارس/آذار 2011: http://www.hrw.org/ar/news/2011/03/30-7 وانظر: "ليبيا: الحكومة تضع ألغاماً جديدة في منطقة الجبال الغربية"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 8 يوليو/تموز 2011: http://www.hrw.org/ar/news/2011/07/08 وانظر: "ليبيا: الحكومة تستخدم الألغام الأرضية في منطقة جبال نفوسة"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 21 يونيو/حزيران 2011: http://www.hrw.org/ar/news/2011/06/21-1 وانظر: "مذكرة فنية صادرة عن هيومن رايتس ووتش: الألغام في ليبيا"، 19 يوليو/تموز 2011.

[7] انظر: "ليبيا: على الحكومة الانتقالية أن تدعم الضحايا"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 19 سبتمبر/أيلول 2011: http://www.hrw.org/ar/news/2011/09/20

[8] انظر: "ليبيا: أدلة تشير إلى أن كتيبة خميس قتلت 45 معتقلاً"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 29 أغسطس/آب 2011: http://www.hrw.org/ar/news/2011/08/29/45 وانظر: "ليبيا: الاشتباه في تورط قوات القذافي في إعدام المحتجزين"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 28 أغسطس/آب 2011: http://www.hrw.org/ar/news/2011/08/28، وانظر: "ليبيا: اكتشاف 34 جثة في مقبرة جماعية"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 14 سبتمبر/أيلول 2011: http://www.hrw.org/ar/news/2011/09/14/34، وانظر: "ليبيا: إعدام عشرة متظاهرين"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 18 أغسطس/آب 2011: http://www.hrw.org/ar/news/2011/08/18

[10] انظر: "ليبيا: الميليشيات ترهب سكان المدن الموالية للقذافي"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 30 أكتوبر/تشرين الأول 2011: http://www.hrw.org/ar/news/2011/10/30 وانظر: "ليبيا: يجب تعزيز الإجراءات الأمنية في مخيمات النازحين في تاورغاء"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 5 مارس/آذار 2012: http://www.hrw.org/ar/news/2012/03/05 وانظر: "ليبيا: منع النازحين من العودة إلى ديارهم"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 21 فبراير/شباط 2012: http://www.hrw.org/ar/news/2012/02/21 وانظر: "ليبيا: يتعين على قوات المعارضة حماية المدنيين والمستشفيات"، 13 يونيو/حزيران 2011: http://www.hrw.org/ar/news/2011/07/13

[11] انظر: "ليبيا: يجب وقف الاعتقالات التعسفية بحق الأفارقة داكني البشرة" بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 4 سبتمبر/أيلول 2011: http://www.hrw.org/ar/news/2011/09/04

[13] انظر: "ليبيا: الميليشيات ترهب سكان المدن "الموالية" للقذافي"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 30 أكتوبر/تشرين الأول 2011: http://www.hrw.org/ar/news/2011/10/30 وانظر: "ليبيا: يجب تعزيز الإجراءات الأمنية في مخيمات النازحين من تاورغاء"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 5 مارس/آذار 2012: http://www.hrw.org/ar/news/2012/03/05

[14] رسالة من هيومن رايتس ووتش إلى مجالس مصراتة، "ليبيا: رسالة إلى مجالس مصراتة"، 8 أبريل/نيسان 2012: http://www.hrw.org/ar/news/2012/04/08-0

[15] انظر: "ليبيا: يجب تعزيز الإجراءات الأمنية في مخيمات النازحين من تاورغاء"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 5 مارس/آذار 2012: http://www.hrw.org/ar/news/2012/03/05