أكتوبر 26, 2012

ملخص

عندما اندلعت المظاهرات ضد حُكم القائد الليبي معمر القذافي في ليبيا في فبراير/شباط 2011، ردت قوات الأمن الحكومية بفتح النار على المتظاهرين. ومع تحول حركة الاحتجاج السلمية إلى انتفاضة مسلحة كاملة ضد حُكم القذافي القائم منذ 42 عاماً، تعهد القذافي بمطاردة "الصراصير" و"الجرذان" الذي رفعوا السلاح في وجهه "شبر شبر، بيت بيت، دار دار، زنقة زنقة، فرد فرد". [1] بدأ نزاع دموي، فراحت القوات الموالية للقذافي تقصف المناطق المأهولة بالمدنيين بشكل عشوائي لا يميز بين المدنيين والمقاتلين، واعتقلت آلاف المتظاهرين وغيرهم من المشتبهين بدعم المعارضة، وتم احتجاز الكثيرين في مراكز اعتقال سرية، وتم تنفيذ عمليات إعدام بإجراءات موجزة خارج نطاق القضاء.

لكن بعد التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي (الناتو) وبعد ثمانية شهور من القتال، وجد معمر القذافي والمقربون منه أنفسهم محاصرين ومعزولين في مدينة سرت الساحلية، موطن القذافي الأصلي، يتنقلون بين البيوت المهجورة هرباً من القصف العنيف والعشوائي من الميليشيات المعارضة للقذافي القادمة من مصراتة وبنغازي ومناطق أخرى، وقد حاصروا المنطقة. صباح 20 أكتوبر/تشرين الأول 2011 أمر معتصم القذافي – نجل معمر القذافي الذي تزعم الدفاع عن سرت – أمر المقربين من القذافي، ممن بقوا موالين له، وبعض المدنيين المتبقين في المدينة، بهجر المنطقة الثانية بسرت، في قافلة من زهاء 50 سيارة مدججة بالأسلحة.

لكن فشلت محاولة الفرار... مع سعي قافلة الموالين للقذافي جيدة التسليح للفرار من المنطقة الثانية المحاصرة في سرت، أصاب صاروخ عنقودي أطلقه حلف الناتو القافلة فدمر إحدى العربات على حد قول الشهود. بعد التحرك بضعة مئات من الأمتار إلى الغرب، وجدت القافلة أنها قبالة ميليشيا من مصراتة، وأطلقت عليها طائرة من الناتو عدة قنابل مما أدى إلى احتراق وتفحم العشرات من مقاتلي القذافي. بينما اشتبك بعض الناجين من هجوم الناتو في مناوشات مع ميليشيا مصراتة، فر القذافي وبعض الناجين الآخرين من القافلة نحو مجمع فيلات محاط بأسوار على مقربة من موقعهم، وسرعان ما حاولوا الفرار بعد ذلك عبر الحقول وإلى ماسورتي صرف صحي تحت طريق رئيسية كبرى قريبة من المكان. وهناك قبضت عليهم ميليشيات مصراتة.

يعرض هذا التقرير أدلة على أن ميليشيات مصراتة، بعد أن قبضت على عناصر قافلة القذافي ونزعت منهم أسلحتهم وأخضعتهم لسيطرتها الكاملة، عرضتهم لأعمال ضرب وحشي قبل أن تقوم على ما يبدو بإعدام العشرات منهم. بعد شهور، ما زالت السلطات الليبية لم تحقق أو تحاسب المسؤولين عن ارتكاب هذه الجرائم.

عندما عثر مقاتلو الميليشيات على معمر القذافي والمقربين منه مختبئين إلى جوار مواسير الصرف، ألقى أحد حراس معمر القذافي تجاههم قنبلة يدوية، فارتطمت بجدار خرساني وانفجرت وسط دائرة الزعيم، مما أودى بحياة أبو بكر يونس وزير دفاع القذافي، ونثرت الشظايا التي ألحقت الإصابات بمعمر القذافي وآخرين، وذلك طبقاً لبعض الناجين من الواقعة قابلتهم هيومن رايتس ووتش. سرعان ما تدافع مقاتلو مصراتة نحو معمر القذافي، فأصابوه بالسونكي في أسفل ظهره، ثم بدأوا في كيل الركلات واللكمات والضربات له. حين أُدخل معمر القذافي سيارة إسعاف لنقله إلى مصراتة، كان يبدو أن حياته قد انتهت، وما زال من غير الواضح إن كانت الوفاة بسبب العنف الذي تعرض له أم بسبب إصاباته من الشظايا، أو لإطلاق الرصاص عليه بعد ذلك كما زعم البعض.

في نفس الصباح، يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول، قام عناصر من ميليشيات مصراتة في مكان آخر بالقبض على معتصم، نجل معمر القذافي، وكان مسؤولاً عن قوات الدفاع عن مصراتة، وهو من قاد القافلة قبل سقوطها، وكان قد حاول الفرار من منطقة الفرار. ظهرت مقاطع فيديو بعد قليل لعملية القبض عليه، يظهر فيها واعياً وقادراً على السير، وإن كانت هناك إصابات بسيطة من شظايا في الجزء العلوي من صدره. يظهر من مقطع فيديو تم تصويره في وقت لاحق يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول، معتصم القذافي في حجرة مع مقاتلي مصراتة، من ميليشيات أسود الوادي، وهو يشرب المياه ويدخن سجائر. بحلول عصر اليوم نفسه كان قد مات، وقد ظهرت عليه إصابات جديدة بليغة يبدو منها أنه قُتل رهن الاحتجاز.

عندما انتهت المعركة الأخيرة، كان أكثر من مائة عنصر من القافلة قد قُتلوا في مسرح الأحداث. وبينما مات أغلبهم في القتال وعلى أثر ضربات الناتو التي استهدفت القافلة، فإن بعضهم على الأقل يبدو أنهم قد أُطلق عليهم الرصاص بعد أن مسحت الميليشيات المعارضة للقذافي المنطقة في أعقاب القتال، فعثرت عليهم أحياء وأسرتهم.

قبضت الميليشيات المعارضة للقذافي ما يُقدر بنحو 150 شخصاً أحياء بعد المعركة. قامت الميليشيات بنقل نحو 70 من الناجين إلى مصراتة وتم احتجازهم هناك، لكن بقي نحو 53 شخصاً وربما يصل العدد إلى 66، تم العثور عليهم قتلى في اليوم التالي في فندق المهاري القريب من المنطقة. هناك مقاطع فيديو صورها مقاتل من مصراتة تُظهر 29 من القتلى وهم يتعرضون للضرب والصفع والسباب والبصق عليهم من قبل آسريهم، في مكان اعتقالهم. تعرفت هيومن رايتس ووتش على ستة من بين التسعة وعشرين شخصاً الذين ظهروا في مقطع الفيديو، ضمن الجثث التي تم تصويرها بعد ذلك داخل زمام فندق المهاري، وقد أكد عاملون بالمستشفى في سرت التعرف على سبعة رجال آخرين رآهم في الفيديو ثم عثر عليهم في الفندق. كما تعرف أقارب وأصدقاء على خمس جثث إضافية من الفندق.

يبدو أن عمليات القتل هذه هي أكبر عملية إعدام موثقة لمحتجزين ارتكبتها القوات المعارضة للقذافي أثناء النزاع الذي دام ثمانية شهور في ليبيا. إعدام السجناء المحتجزين يعد جريمة حرب.

لم تتخذ السلطات الانتقالية الليبية أية خطوات جادة نحو التحقيق في هذه الجريمة الجسيمة، رغم وجود أدلة على أن عناصر من ميليشيات مصراتة إما ارتكبوا الجريمة أو لديهم معرفة مباشرة بها. وإلى حد ما فإن إخفاق السلطات الانتقالية الليبية في التحقيق يُظهر نقص سيطرتهم على ميليشيات جيدة التسليح، والحاجة الماسة لإخضاع ميليشيات ليبيا العديدة على وجه السرعة لسيطرة السلطات الجديدة. تدعو هيومن رايتس ووتش السلطات الليبية إلى اتخاذ خطوات فورية للتحقيق في عمليات القتل في سرت وملاحقة المسؤولين عنها أمام القضاء، وتدعو المجتمع الدولي إلى الإصرار على المحاسبة عن هذه الجرائم، وتوفير الدعم الفني أثناء التحقيقات.

[1] يتوفر مقطع الفيديو على: http://www.youtube.com/watch?v=69wBG6ULNzQ&feature=related  (تمت الزيارة في 3 يوليو/تموز 2012). انظر أيضاً: Kareem Fahim and David Kirkpatrick, “Gaddafi’s Grip on the Capital Tightens as Revolt Grows,” New York Times, February 22, 2011, http://www.nytimes.com/2011/02/23/world/africa/23libya.html?pagewanted=all (تمت الزيارة في 3 يوليو/تموز 2012).