VIII . المعايير القانونية وإخفاق السلطات الانتقالية الليبية في التحقيق
القتال الذي شهدته ليبيا عام 2011 بين القوات المسلحة الموالية لمعمر القذافي والمعارضة المسلحة، يرقى إلى كونه نزاع غير دولي ( داخلي) مسلح، تنظمه المادة 3 المشتركة في اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 لاتفاقيات جنيف (البروتوكول الثاني) وكذلك قوانين الحرب العرفية. القتال بين القوات المسلحة تحت تصرف قرار مجلس الأمن 1973 (قوات الناتو) والجيش الليبي الموالي للقذافي، يرقى لكونه نزاع دولي مسلح، وتحكمه اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وقوانين الحرب العرفية. [64]
قوانين الحرب – سواء في حال النزاع المسلح الدولي أو الداخلي – تسعى لتقليص الآلام والمعاناة التي لا ضرورة لها في زمن الحرب، لا سيما من خلال حماية المدنيين وغيرهم من غير المقاتلين من مخاطر النزاع المسلح. القانون الدولي الإنساني ينص على عدد من تدابير الحماية الأساسية لغير المقاتلين (تشمل المدنيين وكذلك المقاتلين الأسرى ومن أعلنوا عن نية التسليم والمقاتلين السابقين غير القادرين على القتال بسبب الإصابات أو المرض). يحظر القانون الدولي الإنساني العنف ضد هؤلاء الأشخاص، لا سيما أعمال القتل والمعاملة القاسية والتعذيب، وكذلك التعديات على كرامتهم الشخصية والمعاملة الحاطة بالكرامة أو المهينة.
الحظر ضد القتل خارج نطاق القضاء للمقاتلين الأسرى أو المقاتلين الذين خرجوا من أعمال الحرب نظراً لإصابات أو لأسباب أخرى، يُعتبر حقاً أساسياً ضمن مبادئ القانون الدولي العرفي. [65] المادة 3 المشتركة في اتفاقيات جنيف تحظر "العنف الذي يهدد الأرواح والأفراد، لا سيما القتل بكافة أنواعه" للمدنيين وكذلك من يخرجون من أعمال القتال. القتل أيضاً جريمة من جرائم الحرب ضمن نظام روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، فيما يخص النزاعات الدولية وغير الدولية المسلحة. [66]
المادة 3 المشتركة تحظر أيضاً "المعاملة القاسية والتعذيب" و"التعديات على الحريات الشخصية، لا سيما بالإهانة والمعاملة الحاطة بالكرامة" للمدنيين وكذلك الأشخاص الذين يخرجون من أعمال القتال. [67] فضلاً عن ذلك، فإن "التعذيب والمعاملة السيئة" و"التسبب عمداً في معاناة جسيمة أو إصابة خطيرة تلحق بالجسد أو الصحة" تعتبر جرائم حرب حسب نظام روما. [68]
على السلطات المدنية والعسكرية المعنية في الدولة أن تحقق في جرائم الحرب وغيرها من الانتهاكات للقانون الدولي الإنساني المزعوم ارتكاب قواتها أو مواطنيها لها، أو التي وقعت على أرضها، ولابد من ملاحقة المشتبه بهم في حال استدعى الأمر ذلك. [69] على السلطات المدنية والعسكرية أيضاً التزام بمنع ارتكاب القوات الخاضعة لسيطرتها للجرائم. يُحظر منح العفو للجناة في جرائم الحرب. [70]
ليبيا ليست دولة طرف في المحكمة الجنائية الدولية. لكن في 26 فبراير/شباط 2011 تبنى مجلس الأمن القرار 1970، الذي أحال الوضع في ليبيا إلى المحكمة الجنائية الدولية، وأعطى المحكمة اختصاص قضائي قائم بالنسبة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في ليبيا منذ 15 فبراير/شباط 2011. يمكن للمحكمة الجنائية الدولية أن تنظر هذه الجرائم، ومنها الإعدام الموثق في هذا التقرير، أخذاً في الاعتبار – بين عوامل أخرى – ما إذا كانت السلطات الليبية مستعدة وقادرة على مقاضاة الجناة في هذه الجرائم. القرار 1970 يتطلب من السلطات الليبية التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية.
بالإضافة إلى مقاضاة من ارتكبوا هذه الجرائم أو أمروا بها أو تواطئوا فيها، فإن بإمكان الجنائية الدولية أيضاً أن تقاضي كبار المسؤولين المدنيين والقادة العسكريين ومن تصرفوا بصفة القادة العسكريين وتم ارتكاب جرائم جسيمة من قبل قوات خاضعة لقيادتهم أو سيطرتهم. يمكن أن يحدث هذا إذا كان القادة العسكريون يعرفون أو يجب أن يعرفوا بأن قواتهم أو مرؤوسيهم يرتكبون أو على وشك ارتكاب هذه الجرائم، ثم أخفقوا في اتخاذ جميع الإجراءات الممكنة والمعقولة لمنع وقوع الجرائم، أو أخفقوا بعد وقوع الجرائم في رفع الأمر للسلطات المختصة من أجل الملاحقة الجنائية والمحاكمة.
إثر تحقيقات هيومن رايتس ووتش في الأحداث المحيطة بقافلة القذافي، أخطرت هيومن رايتس ووتش السلطات الليبية المختصة، من مكتب النائب العام ووزارة العدل، والتقت بمسؤولين من الوزارة والنيابة في 25 أكتوبر/تشرين الأول لإطلاعهم بشكل تفصيلي على نتائج أبحاثنا، ومنها الأدلة على عمليات الإعدام للمحتجزين والأدلة التي تشير إلى تواطؤ ميليشيات بعينها في القتل.
في 22 و23 أكتوبر/تشرين الأول أو نحو ذلك، قام كبير الأطباء الشرعيين الليبيين، د. عثمان الزنتاني، بتنفيذ عمليات تشريح على جثث معمر القذافي ومعتصم القذافي وأبو بكر يونس. لم يتم الكشف علناً عن نتائج التشريح، ولا تم عرض النتائج على لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في ليبيا، رغم طلبات متكررة بذلك من اللجنة. في البداية قال د. الزنتاني للصحافة إن تشريحه انتهى لأن معمر القذافي توفي بسبب عيار ناري في رأسه، لكن لم يوضح التفاصيل بعد تعليقاته الأولية للصحافة. [71] وفي اجتماع مع هيومن رايتس ووتش بتاريخ 27 مارس/آذار 2012 قال د. الزنتاني إنه واجه تهديدات لأمنه الشخصي من بعد قيامه بالتشريح. [72] زعم د. الزنتاني إنه ما زال في انتظار تصريح من نيابة مصراتة لإرسال عينات أنسجة للخارج لإجراء تحاليل للسموم، وأنه لن ينتهي من تقريره حتى تأتي نتائج اختبارات السموم، وأعلن أنه يريد عرض تقرير التشريح كاملاً قدر الإمكان نظراً للاهتمام الدولي بالقضية. [73]
مع غياب تقرير الطب الشرعي الكامل، فليس من الممكن التأكد من سبب وفاة معمر ومعتصم القذافي بشكل يقيني، بما أن الاثنين لحقت بهما إصابات جسيمة في المعركة الأخيرة، وأدلة الطب الشرعي على إعدامهما فيما بعد ليست نهائية. فحص باحثو هيومن رايتس ووتش جثث معمر ومعتصم القذافي بشكل سريع في مصراتة، في 21 أكتوبر/تشرين الأول، لكن لم يُسمح لهم بقلب الجثث لفحص الظهر. إلا أنه لم تُر جروح لخروج رصاصات على الأجزاء المكشوفة من رأس معمر القذافي، وهو أمر يصعب معه تصديق أنه أصيب بعيار ناري في الرأس من مسافة قريبة، كما أن مكان دخول الرصاصة المفترض في رأسه هو نفسه مكان الإصابة بالشظية، على ما يبدو من أثر القنبلة اليدوية التي ألقاها أحد حراسه. كما سبق التوضيح، فإن معتصم القذافي كان مصاباً بجرح كبير في حلقه لم يكن موجوداً لدى تصويره محتجزاً لدى مقاتلي مصراتة، مما يوحي بقوة بأن الجرح القاتل قد لحق به أثناء احتجازه طرف المقاتلين.
لم يتم إجراء عمليات تشريح أو تحقيقات من طرف السلطات الليبية في مقتل 66 شخصاً على الأقل في فندق مهاري بسرت، ولا في مقتل 103 أشخاص على الأقل تُركت جثثهم في موقع المعركة الأخيرة مع قافلة القذافي. تم ترك الجثث في العراء حتى 25 أكتوبر/تشرين الأول، بعد المعركة بخمسة أيام، عندما قام متطوعون من سرت بالخروج لأخذ الجثث، وكانت قد بدأت بالفعل في التحلل، وقاموا بتصوير وجوههم، ودفنهم في أكياس بلاستيكية مُرقّمة بمقبرة جماعية في سرت.
فتح المجلس الوطني الانتقالي تحقيقاً في مقتل معمر القذافي في 24 أكتوبر/تشرين الأول. أعلن مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الانتقالي أنه "رداً على الدعوات الدولية، بدأنا في تشكيل لجنة مكلفة بالتحقيق في ملابسات وفاة معمر القذافي مع دائرة المقربين منه أثناء الصدام لدى القبض عليه". [74] إعلان عبد الجليل ركز بشكل حصري على مصرع معمر القذافي. لم يتم الإعلان عن تحقيقات مماثلة في عمليات القتل بفندق مهاري. كلفت السلطات الانتقالية رئيس نيابة مصراتة بالتحقيق في وفاة معمر القذافي.
في 27 مارس/آذار 2012 قال رئيس نيابة مصراتة، عبد اللطيف الحملي، لـ هيومن رايتس ووتش إن تحقيقاته في وفاة معمر القذافي "شارفت على الانتهاء" وأن ميليشيات مصراتة المشاركة في الواقعة تعاونت معه. [75] قال رئيس نيابة مصراتة إن التحقيق في وفاة معتصم القذافي أصعب بكثير، رغم أن فريق من ثلاثة من أعضاء النيابة طلب معلومات من آسريه بشأن ما حدث. [76]
وفي الاجتماع نفسه، قال رئيس نيابة مصراتة لـ هيومن رايتس ووتش إن التحقيقات في أعمال القتل بفندق مهاري قد توقفت بسبب عدم تقديم أي أهالي لشكاوى إليه، ولعدم جمع أية أدلة هامة توحي بوقوع جريمة. [77] لم يكن رئيس نيابة مصراتة يعرف بأي صور فوتوغرافية لمسرح الجريمة، إذ لم تكن الشرطة موجودة في سرت في ذلك التوقيت، ولم يتم التحضير لملف تحقيق رسمي في أعمال القتل بفندق مهاري. [78] نفى رئيس النيابة أية مسؤولية عن التقصير في التحقيق في أعمال قتل مهاري، قائلاً إنها مسؤولية الشرطة، أن تفتح التحقيق قبل أن يتحرك مكتبه. قال رئيس النيابة إنه لم يعرف بوجود مقطع الفيديو الذي يظهر فيه بعض قتلى مهاري أحياء قبل وفاتهم، ولا بقيام الصحفيين بالتقاط صور ومقاطع فيديو للجثث في الفندق، أو أن مستشفى ابن سينا كان يعمل في ذلك الوقت وقام بتصوير الجثث. أضاف أنه من "الخطير" فتح تحقيق في سرت في ذلك التوقيت.
إخفاق النيابة العامة في مصراتة في التحقيق والملاحقة القضائية على ما حدث في فندق مهاري تعني أنه ربما يمر أكبر حاث قتل جماعي ترتكبه القوات المعارضة للقذافي على مدار النزاع بأكمله دون تحقيق، ومن المرجح ألا يتم التحقيق في هذا الحادث مطلقاً ما لم تتولى السلطات الليبية التحقيق أو توجه نيابة مصراتة إلى التحقيق فيما حدث وملاحقة الجناة. وبسبب العلاقات العدائية بين سكان مصراتة وسكان سرت، ونظراً للصعوبات التي قد يؤدي إليها هذا التحقيق، فإن على النائب العام الليبي إحالة القضية إلى محكمة أخرى من منطقة غير معروفة بالتورط في الجرائم المزعومة.
بموجب اتفاقيات جنيف، على السلطات الليبية واجب التحقيق والملاحقة القضائية في جرائم الحرب المحتملة. إخفاقها في هذا قد يعني أن المحكمة الجنائية الدولية يمكنها فتح التحقيق في هذه الجرائم، أخذاً في الاعتبار عدة عوامل، منها إن كانت السلطات الليبية غير مستعدة أو قادرة على ملاحقة الجناة المسؤولين عن هذه الجرائم.
[64] النزاع الدولي المسلح هو أي استخدام لقوات مسلحة من طرف دولة ضد دولة أخرى. النزاع غير الدولي المسلح يحدث في حال وجود أعمال عنف داخل الدولة يرقى لمستوى النزاع المستديم، وتتورط فيه أطراف في النزاع لديها مستويات كافية من التنظيم، تكفي لتنفيذ عمليات عسكرية وينطبق فيه القانون الدولي الإنساني. من المقبول بشكل موسع أن نوعي النزاع المسلح المذكورين قد حدثا في سرت في الفترة التي يغطيها هذا التقرير.
[65] اللجنة الدولية للصليب الأحمر: International Committee of the Red Cross ([ICRC], Jean-Marie Henckaerts and Louise Doswald-Beck), Customary International Humanitarian Law Volume I: The Rules (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2009), Rule 89.
[66] نظام المحكمة الجنائية الدولية، مادة 8 (2)(أ)(i) و(ج)(1).
[67] المادة 3 المشتركة.
[68] نظام روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، مواد 8 (2)(أ)(ii)، (iii) و(ج)(i).
[69] انظر: ICRC, Customary International Humanitarian Law Volume I: Rules, Rule 158 ("على الدول التحقيق في جرائم الحرب المزعوم ارتكابها من قبل مواطنيها أو قواتها المسلحة أو التي وقعت على أراضيها، وإذا تطلب الأمر، أن تلاحق المشتبه بهم قضائياً. كما ينبغي التحقيق في جرائم الحرب الأخرى التي لها اختصاص عليها، وإذا تطلب الأمر، ملاحقة المشتبه بهم أمام القضاء").
[70] من وجهة نظر قانون المعاهدات والقانون الدولي العرفي، هناك واجب بمقاضاة الجرائم الدولية الجسيمة أو تسليمها للاختصاص القضائي القادر على الفصل فيها. المعاهدات الدولية، مثل اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية، تُلزم الأطراف بضمان مقاضاة الجناة للجرائم الجسيمة، ومنهم من أعطوا الأوامر بهذه الجرائم. انظر اتفاقية جنيف الخاصة بحماية الأفراد المدنيين في زمن الحرب، تم إقرارها في 12 أغسطس/آب 1949، دخلت حيز النفاذ في 21 أكتوبر/تشرين الأول 1950. مادة 146. السابق، قاعدة 159 ("مع نهاية أعمال القتال، لابد أن تسعى السلطات صاحبة السلطة لمنح أكبر قدر ممكن من العفو للأشخاص الذين شاركوا في النزاع المسلح غير الدولي، أو لمن حرموا من حريتهم لأسباب على صلة بالنزاع المسلح، إلا الأشخاص المشتبهون أو المتهمون أو المدانون بارتكاب جرائم حرب").
[71] انظر: Ingrid Formanek, “Gaddafi Autopsy Reveals He Was Shot in The Head,” CNN.com, October 23, 2011, http://articles.cnn.com/2011-10-23/africa/world_africa_libya-gadhafi-autopsy_1_misrata-moammar-gadhafi-national-transitional-council?_s=PM:AFRICA
[72] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع د. عثمان الزنتاني، مصراتة، 27 مارس/آذار 2012.
[74] انظر: “Libya’s NTC Orders Probe Into Gaddafi Killing: Chairman Orders Investigation Into Killing of Former Libyan Leader and Says NTC Will Form Government ‘Within Two Weeks’,” Al Jazeera, October 24, 2012, http://www.aljazeera.com/news/africa/2011/10/2011102413358850809.html
[75] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع رئيس نيابة مصراتة، عبد اللطيف الحملي، مصراتة، 27 مارس/آذار 2012.
[76] السابق.
[77] السابق.
[78] السابق.






