الم لخص
عندما آذتني أوّل مرّة، حدّثت نفسي بالعودة إلى الفيليبين. ولكنني فكّرت بعدها بما سيحل بعائلتي لو عدت. فأنا لا يسعني أن أُعيلها. ولكنّ الأوان كان قد فات، فالسيدة تضربني كلّ يوم.
ماريا ك.، عاملة منازل فيليبينية، المنامة، يناير/كانون الثاني 2010.
لم أتقاضى أجراً كاملاً سوى مرّةً واحدة، أمّا في الأشهر الأخرى فقد حصلت على مبلغ 27 ديناراً بحرينياً [72 دولاراً]، بالرغم أنني وقّعت على استلام المبلغ كاملاً. وقال كبير العمّال: "سوف تتقاضى المبلغ المتبقي بعد يومين، لا توجد مشكلة، لذا عليك فقط بالتوقيع". وقد وقعّتُ حينما قال لي ذلك مُطمئِناً.
بعدما عملت لمدّة خمسة أشهر طالبت بمستحقاتي ولكنّهم لم يعطوني مالي. وقال لي [مهندس الموقع]، "أدِّ عملك؛ لن أدفع لك المال. وسوف نكتفي بإعطائك المال مقابل الطعام وحسب أي 15 دينار بحريني [40 دولاراً] في الشهر".
قلت له لا تُعطني المال للطعام، بل أعدني إلى دياري فلقد رهنتُ منزلي بقيمة 80.000 روبية (1705 دولاراً) وعليّ أن أُعيد المال. فقال، "لن أعطيك مالاً، اذهب إلى وزارة العمل والسفارة فلن تحصل على مالك".
صابر اللهي، عامل بناء وافد، المنامة، فبراير/شباط 2010.
على مرّ أكثر من ثلاثة عقود، توافد إلى الخليج العربي الملايين من العمّال معظمهم قادمين من جنوب وجنوب شرق آسيا لاسيّما من الهند وبنغلادش وسيريلانكا والفيليبين، أملاً في كسب أجورٍ أفضل وتحسين معيشة أسرهم في وطنهم الأمّ.
وينحدر معظم هؤلاء العمّال والعاملات من بيئات فقيرة ذات درجة تعليمية ضعيفة، فيعملون كعُمّال بناء وبنّاؤون حَجَريون وسائقين، وتعملنَ كخَادمات منازل ونادلات ومُربيّات. فكان توفيرهم لصناعة البناء والخدمات مع الحاجة الشديدة للعَمَالة الرخيصة، مُساعداً على دعم واستقرار النمو الاقتصادي في دولٍ مثل المملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتحدة والكويت وقطر والبحرين.
وعلى الرغم من مساهمة هؤلاء العمّال الأساسية في حياة مضيفيهم الخليجيين، إلاّ أنّ كثيراً منهم
يُعانون من انتهاكات حقوق الإنسان وحقوق العُمّال، التي تتضمّن الأجور غير المدفوعة والأجور الزهيدة، ومصادرة جوازات السفر، والقيود المفروضة على تنقلاتهم، المساكن دون المستوى، والحرمان من الطعام، والعمل المفرط والقسري، بالإضافة إلى الاعتداءات الجسديّة والنفسيّة والجنسيّة.
جزيرة دولة البحرين الصغيرة، بما يُقارب 1.3 مليون نسمة، اكتسبت سمعةً بين الدول المستقبلة للعَمالة في الخليج، على أنّها أكثر الدول التزاماً بتحسين ممارسات العُمال الوافدين. حيث تضمّنت جهودها نُظُم سلامة جديدة، وتدابير لمكافحة الإتجار بالبشر، وحملات توعية بحقوق الُعمّال، والإصلاحات الهادفة إلى السماح للوافدين بترك وظائفهم بحريّة. مع ذلك، تبقى الأسئلة حول تطبيق ومدى كفاية هذه الإصلاحات.
يفحص هذا التقرير تجربة عمّال البحرين الوافدين، أكثر من 458.000، والذين يُشكِّلون حوالي 77% من القوى العاملة للبلاد. معظمهم يعملون في وظائف لا تتطلب مهارات أو تتطلب مهارات بسيطة، في صناعات كالبناء، والبيع بالتجزئة وبالجملة، والعمل المنزلي. يتتبّع هذا التقرير شتّى أنواع الاعتداءات والاستغلال التي يتعرّض لها العمّال الوافدين مَن قِبَل أصحاب العمل في البحرين ، بالإضافة إلى المعوِّقات والإخفاقات التي تحول دون سعيهم لانتصافٍ فعّال لمثل هذه المعاملة. وهو يستعرض الحقوق والمعايير القانونيّة الدوليّة التي تنطبق على العمّال وتناشد حكومة البحرين والدول المُصدِّرة لليد العاملة اعتماد تدابير حِماية إضافيّة بشأن العمال الوافدين في البحرين.
انتهاكات أصحاب العمل ووكالات الاستقدام للعمل بحق العمّال الوافدين
تبدأ معاناة العديد من العمّال الوافدين في البحرين منذ وجودهم في ديارهم، حيث يضطرهم الفقر والواجبات الماليّة إلى السعي للحصول على وظائف أفضل أجراً في الخارج. وفي أغلب الأحيان، تراهم يُسددون لوكالات الاستقدام رسوماً تضاهي أجر عشر إلى عشرين شهراً في البحرين، مع أنّ القانون البحريني يحظر فرض رسوم مماثلة على العمّال. ويشيع تسديد هذه الرسوم في صفوف عمّال البناء الذكور وغير الماهرين، مع أنّه لا يشيع في وسط عُمّال المنازل الذين يميلون إلى الحضور إلى البحرين عن طريق وكالات الاستقدام الرسميّة. أمّا الديَن المتوجب على العمّال لوكالات الاستقدام لقاء بطاقة السفر، فيعني أنّهم يضطرّون إلى البقاء في وظائفهم مدّة أشهر لا بل سنوات، على الرغم من عدم تقاضي الأجور أو الإقامة في مساكن وظروف موقع عملٍ غير آمنة.
عندما يصل الوافدون إلى البحرين، فإنهم يعتمدون على انتظام تلقي أجورهم لتلبية حاجتهم الماليّة الملحة وحاجات أسرهم أو لإعادة تسديد القروض على دفعات شهريّة. وأشار العمّال إلى أنّ مشكلة تأخير أجورهم يتصدر لائحة شكاويهم. وعلى الرغم من أن عدم سداد الأجور يُشكِّل جريمة جنائيّة ومدنيّة في البحرين، إلاّ أنّ بعض أصحاب العمل يحرمون العمّال الوافدين أجورهم لمدّة أشهر. وحيث يفتقر العمّال الوافدون إلى مصدرٍ للدخل تراهم يتورطّون في المزيد من الديون لتغطية الحاجات الأساسيّة. خلال العامين 2008 و2009، تلقى قسم التحكيم وشكاوى العمال في وزارة العمل حوالي 1800 شكوى بشأن التأخر في سداد الأجور. ومن بين العمّال الوافدين الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش، وعددهم 62، أفاد 32 بأنّ أصحاب العمل حجزوا على أجورهم لفترةٍ تتراوح بين ثلاثة وعشرة أشهر ولم تتقاضى إحدى عاملات المنازل أجرها من صاحب العمل لمدّة خمس سنوات. لم ترد الحكومة على طلب إحاطة بالأعداد في عامي 2010 و2011 أرسلته هيومن رايتس ووتش للحكومة البحرينية في 2012.
في المتوسط، يجني العامل الوافد في البحرين مبلغ 205 دينار أي ما يُعادل 544 دولاراً في الشهر بالمقارنة مع 698 ديناراً (1853 دولاراً) يجنيها المواطن البحريني ويُشكِّل العمّال الوافدون نسبة 98% من العمّال الذين يتقاضون أجوراً متدنيّة (وتُعرِّف الحكومة "الأجر المتدني" بالأجر الذي يقلّ عن 200 دينار أو 530 دولاراً في الشهر). ويتقاضى معظم العمّال الوافدين الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش بين 40 و100 دينار بحريني (ما يُعادل $106-$265) في الشهر، مقابل قلة يجنون حتّى 120 ديناراً (318 دولاراً) مع بدل الوقت الإضافي. وتفرض الحكومة الهنديّة أجراً شهريّاً بقيمة 100 دينار (265 دولاراً) كحدٍ أدنى لمواطنيها العاملين في البحرين في حين تفرض الحكومة الفيليبينيّة مبلغ 150 دينار (398 دولاراً) كحدٍ أدنى. ونادراً ما يُسدد أصحاب العمل هذه الأجور، كما قاومت الحكومة البحرينية مساعي اعتماد تشريع الحدّ الأدنى للأجور.
أما عمال المنازل فهم يجنون أقلّ بكثير من الوافدين العاملين في قطاعات أخرى، وتتراوح أجورهم بين 35 دينار بحريني ($92) في الشهر وفي المتوسط 70 دينار ($186) بحسب الحكومة. يعمل الكثيرون لمدّة 19 ساعة في اليوم، فلا يحظون باستراحة أو بيوم إجازة. وأفاد العديد من عُمّال المنازل بأنّهم مُنعوا من مغادرة منزل صاحب العمل، بل قال البعض إنه لم يُمنَح من الطعام سوى القليل. أمّا العاملين في قطاعات أخرى مثل البناء وصناعة الخدمات، فيعملون عادةً لمدّة 8 ساعات في اليوم ويحظون بيوم إجازة هو يوم الجمعة، مع أنّ حوالي عشرة عمّال بناء أفادوا عن العمل بصورة متواصلة لمدّة 11 إلى 13 ساعة في اليوم دون تقاضي بدل ساعات إضافية.
وعادةً ما يُسكِن أصحاب العمل عمّال البناء وغيرهم من العمّال الذكور في مخيّمات عمل تضمّ مساكن على شكل مهجع، وتقع في مكان العمل، فتكون مكتظةً وتفتقر إلى الصرف الصحي والمياه وغيرها من الخدمات الأساسيّة. زارت هيومن رايتس ووتش من ثلاثة إلى أربعة مخيّمات جُهِّزت فيها المطابخ بأفران تعمل على الكيروسين، التي تسبب خطر اندلاع حريق وتُخالف أحكام القانون البحريني. في حين عملت وزارة العمل البحرينيّة على تحسين أحوال المخيّمات وجعلها آمنةً، إلاّ أنّ عدد المفتشين قليل، وبالتالي فالمخيّمات دون المستوى المطلوب لازالت تعمل.
يتعرّض بعض العمّال الوافدين لاعتداءات جسديّة على شكل ضرب بالإضافة إلى الاعتداءات نفسيّة ولفظية. ولا تتوفّر أرقام موثوق بها بشأن حالات الاعتداءات الجسديّة ولكن أفاد 11 من أصل 62 عامل قابلتهم هيومن رايتس ووتش، عن تعرِّضهم للاعتداءات. ويعمل أكثر من نصفهم في العمل المنزلي، وقد تعرَّضوا إلى اعتداءات جنسيّة وتحرّش على يد أصحاب العمل ووكالات الاستخدام مثل العروض غير المرغوب بها والتلمس والتدليل والاغتصاب. قابلت هيومن رايتس ووتش أربعة عمّال منزليين أفادوا عن تعرّضهم لتحرّش جنسي واعتداء أو اغتصاب على يد الكفيل أو صاحب العمل وأبنائه.
غالباً ما يرغب العمّال الوافدون المستغَلون أو المُعتَدى عليهم في تغيير وظائفهم أو في العودة إلى ديارهم. ولكن يستمر أصحاب العمل بصورة عامة بمصادرة جوازات سفرهم إبّان وصولهم رغم حظر هذه الممارسة. وتفشل السلطات البحرينيّة بصورة عامةً في تطبيق الحظر المفروض على مصادرة جوازات السفر أو في إجبار أصحاب العمل على إعادة المستندات. ويفيد كلّ من وزارة العمل ومسؤولو شؤون الهجرة والشرطة بأنّهم يطلبون من أصحاب العمل بصورة رسميّة أو غير رسميّة إعادة جوازات السفر، ولكنّهم يفتقرون إلى صلاحيّة إخضاع هؤلاء عند امتناعهم عن الإذعان. وباستطاعة العمّال الاستئناف أمام المحاكم إلا أنه يصعب تطبيق أوامر المحكمة بشأن إعادة جوازات السفر في حال رفض أصحاب العمل الامتثال. هذا ويجب على أصحاب العمل إلغاء تأشيرة دخول العامل الوافد قبل مغادرته الدولة. يُمكن أن يُسقط ضباط الهجرة هذا الحكم ولكن بعد محاولة إقناع صاحب العمل بالتعاون أكثر من مرّة، وهي عمليّة قد تستغرق أسابيع أو ربما أشهر. كما يحاول أصحاب العمل ابتزاز العاملين باستمرار، مطالبين إياهم بالمال لقاء إعادة جواز السفر أو توقيع تأشيرة الترحيل.
اعتداءات على عمال المنازل
لم يقتصر الأمر على تعرض العمال الوافدين في البحرين لانتهاكات في إطار علاقة صاحب العمل والعامل فحسب، بل تعرضوا أيضاً للتمييز وغيرها من الإساءات من المجتمع البحريني بشكل عام. منذ عام 2008 تلقت هيومن رايتس ووتش تقارير باعتداءات على عمال وافدين من جنوب آسيا، شنها رجال عرب ليسوا هم أصحاب عمل العمال. ولفترة قصيرة في أواسط مارس/آذار مع تصاعد المواجهات بين قوات الأمن والمتظاهرين المعارضين للحكومة، تصاعدت هذه الاعتداءات إلى حد بعيد. وقعت الهجمات وسط إحباط متزايد في أوساط الشيعة البحرينيين الذين يرون أن العمال الوافدون يأخذون وظائفهم، لا سيما مناصب الشرطة وأجهزة الأمن. يشكل الباكستانيون – الذين حصل بعضهم على الجنسية البحرينية – يشكلون نسبة كبيرة من شرطة مكافحة الشغب البحرينية.
وثقت هيومن رايتس ووتش عدة هجمات عنيفة على مهاجرين وافدين من جنوب آسيا في المنامة وحولها في 13 و14 مارس/آذار 2011، بعد شن قوات الأمن مباشرة لحملة قمعية استهدفت المظاهرات المعارضة للحكومة. تحدثت هيومن رايتس ووتش مع 12 عاملاً وافداً شهدوا على الهجمات وكانوا من ضحاياها، وهم جميعاً من باكستان وبنغلادش. قال سبعة رجال إن رجالاً عرب مسلحين بالعصي والسلاح الابيض وأسلحة أخرى تعرضوا لهم بالمضايقات وهاجموهم في مساكنهم. زعم بعضهم أن المعتدين كانوا من المتظاهرين المعارضين للحكومة، رغم أنهم لم يوفروا معلومات تدعم هذا الادعاء. جميع الرجال الذين قابلناهم قالوا إنهم لم يتمكنوا من التعرف على مهاجميهم لأنهم كانوا يغطون وجوههم بقمصان وأقنعة.
ومن جانبها أشارت اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق، التي حققت في انتهاكات حقوق الإنسان على صلة بالرد الحكومي على المظاهرات المعارضة للحكومة، أشارت إلى أنه طبقاً لوزارة الداخلية البحرينية، قُتل أربعة عمال وافدين نتيجة لوقائع على صلة بالاضطرابات وأصيب 88 وافداً آخرين، منهم 11 من الهند، و18 من بنغلادش و58 باكستانياً وفيليبينياً واحداً.
إثر التحقيق الجنائي الذي أجرته وزارة الداخلية البحرينية، قاضت السلطات 15 مدعى عليهم بتهمة التورط في قتل عبد المالك، أحد العاملين الوافدين الاثنين الذين قتلا أمام بناية سكنية في حي نعيم بالمنامة. في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2011 قامت محكمة عسكرية خاصة بإدانة والحُكم على 14 منهم بالسجن المؤبد. تمت تبرئة المتهم الخامس عشر من الاتهامات المنسوبة إليه وتم إخلاء سبيله. وحتى أواسط سبتمبر/أيلول 2012 كانت أحكام إدانتهم ما زالت تحت مراجعة محكمة استئناف مدنية.
جهود البحرين الإصلاحيّة
حتى قبل بداية الإصلاحات القانونية والخاصة بالسياسات في الآونة الأخيرة، والتي تؤثر على العمال الوافدين في البحرين، كانت البحرين توفر تدابير حماية قانونية للعديد من العمال الوافدين وهي غائبة عن العديد من دول الخليج المجاورة لها. لطالما انطبقت القوانين والأنظمة البحرينية الخاصة بالعمل على العمال البحرينيين والوافدين (بوجود استثناءات قليلة في قطاع العمل المنزلي) وتشمل حق العمال في الانضمام للنقابات العمالية. على سبيل المثال، ينظم قانون العمل البحريني، رقم 23 لسنة 1976، للقطاع الأهلي ممارسات العمل بما في ذلك ساعات العمل والإجازات ودفع الأجور، إلا أنه أخفق في حماية عاملات المنازل.
كما ينص قانون العقوبات البحريني على عقوبات جنائية يمكن أن تحمي العمال الوافدين من عدم تلقي الأجور ومن الانتهاكات البدنية والجنسية.
أنشأت البحرين في عام 2006 هيئة تنظيم سوق العمل التي تُعنى- من باب التعداد لا الحصر- بتنظيم شؤون وكالات الاستقدام وتأشيرات العمل وتحويلات التوظيف. وتشمل واجبات هيئة تنظيم سوق العمل إصدار تأشيرات العمل ومنح التصاريح لوكالات الاستقدام وتوعية العمال وأصحاب العمل بشأن حقوقهم والتزاماتهم القانونية. أهدافها الأساسية تشمل تهيئة الشفافية بشأن سوق العمل وأنظمته، وزيادة توظيف المواطنين البحرينيين في القطاع الخاص مكان العمال الوافدين، وتقليص عدد العمال الوافدين الذين يعملون بشكل غير قانوني في البحرين. أعدت الهيئة موقعاً للتواصل على الإنترنت وشبكة تواصل بالهاتف الخلوي تسمح للعمال بمراقبة حالة تأشيرات عملهم، وبالحصول على معلومات عبر برنامج إذاعي يتصل به الأفراد يبث على محطة باللغة الهندية، بلغات الهندية والمالايالام، حيث يمكن للعمال طرح أسئلة عن تأشيراتهم وعن سياسات الهيئة. . كما يوزَّع على العمّال الوافدين في المطار كتيّباً إعلاميّاً أصدرته الهيئة بثماني لغّات، ويُبيِّن كيفيّة طلب تأشيرة العمل وتغييرها، ناهيك عن حقّ العامل في الاحتفاظ بجواز السفر. كما أنه يورد رقم وزارة العمل الذي يُمكن الاتصال به للتبليغ عن الانتهاكات.
وفي 23 أبريل/نيسان 2012 أصدر المجلس الوطني قانوناً جديداً للقطاع الخاص، وهو القانون رقم 36 لسنة 2012، الذي وقعه الملك حمد ليبدأ نفاذه في 26 يوليو/تموز 2012. القانون الجديد يمدد أيام الإجازات المرضية والعطلات السنوية ويصرح بتعويض يوازي راتب عام بسبب فصل العامل بشكل غير عادل، ويزيد من الغرامات على أصحاب العمل الذين يخالفون قانون العمل. بموجب القانون الجديد – وطبقاً للإعلام – فإن أصحاب العمل الذين يخالفون قواعد الصحة والسلامة يمكن أن يتعرضوا للحبس لمدة تصل إلى 3 شهور وغرامات من 500 دينار إلى 1000 دينار (1326 دولاراً إلى 2652 دولاراً) وتُضاعف العقوبات لمن يكرر ارتكاب المخالفة.
يستخدم القانون الجديد نظام إدارة الحالات، المصمم لتيسير الفصل في منازعات العمل وحتى لا تزيد الإجراءات عن شهرين. الإجراءات المطولة جعلت من المستحيل حتى الآن على الكثير من العمال الوافدين أن يسعوا للتقاضي حتى صدور الحُكم النهائي، بما أنهم لا يتمكنون من البقاء في البحرين لمدد طويلة دون وظائف أو دخل.
طبقاً للإعلام البحريني، قال وزير العمل جميل حميدان إن بموجب القانون الجديد سوف يُتاح للعمال الوافدين "عقد عمل ملائم تُحدد فيه ساعات العمل والإجازات وغيرها من الامتيازات". قالت الحكومة لـ هيومن رايتس ووتش إن قانون العمل الجديد يشتمل على أحكام عديدة متعلقة بعاملات المنازل.
أغلب تدابير حماية القانون ما زالت لا تغطي عاملات المنازل، وإن كانت بعض الأحكام التي تمتد إليهم بموجب القانون الجديد هي إضفاء طابع رسمي على تدابير حماية سبق أن توفرت بشكل غير مقنن لعاملات المنازل، مثل كيفية اللجوء لإجراءات توسط وزارة العمل، ومطلب توفر عقد لعاملة المنازل، والإعفاء من رسوم المحكمة. ورد في القانون تدابير حماية جديدة أيضاً، منها الإجازة السنوية ومكافأة إنهاء العقد. إلا أن القانون الجديد لم يحدد حداً أقصى لساعات العمل، يومياً وأسبوعياً، لعاملات المنازل، ولا هو فرض على أصحاب العمل منحهن أيام عطلة أسبوعية أو أجر العمل الإضافي. وفي هذا الشأن أخفق القانون في التصدي للممارسات المسيئة الأكثر انتشاراً التي تتعرض لها عاملات المنازل، وهي ساعات العمل المطولة بشكل مفرط.
في يونيو/حزيران 2012 قال مسؤول من الهيئة لـ هيومن رايتس ووتش إن الهيئة بدأت في صياغة نموذج عقد موحد لعاملات المنازل، سيتم فيه تثبيت بعض تدابير الحماية، لكن دون أن يذكر مواصفات العقد. قال أسامة عبد الله العبسي رئيس الهيئة للإعلام البحريني إن الهيئة تهدف إلى توفير ظروف عمل ومعيشة لائقة لعاملات المنازل وأن "العقد الموحد سوف يشتمل على حقوق أساسية للعاملات تتفق مع المعاهدات الدولية".
وقد تحركت البحرين في السنوات الأخيرة أيضاً على مسار إصلاح نظام الهجرة القائم على العَمالة أو ما يُتعارف على تسميته نظام "الكفالة " يعني أنّ عمل وإقامة العمّال الوافدين في دولة البحرين مرتبط بصاحب العمل أو "الكفيل". في الماضي، كان الكفيل هو صاحب الأمر والنهي في قدرة العامل على تغيير وظيفته أو مغادرة البلاد قبل انقضاء أجل العقد. وهذا ما يُعطي أصحاب العمل فرصةً كبيرة للتحكم بالعمال الوافدين بما في ذلك إجبارهم على العمل في ظروف تعسّفية. وفي شهر أغسطس/آب من العام 2009، قامت هيئة تنظيم سوق العمل بإصلاح على نظام الكفالة، بحيث يصبح للعامل الوافد تغيير عمله من دون موافقة صاحب العمل مع تلبية متطلبات إخطار تُذكر في عقد العامل، لا تتعدى ثلاثة أشهر. بعد تلك الفترة يُتاح للعمال فترة إقامة قانونية في البحرين لمدة شهر، يسعى خلالها العامل للحصول على وظيفة جديدة. لكن في يونيو/حزيران 2011 خفضت الحكومة من أثر هذا الإصلاح الإيجابي، إذ طالبت العمال الوافدين بالبقاء طرف أصحاب عملهم لمدة عام كامل قبل أن يتمكنون من تغيير وظائفهم دون موافقة صاحب العمل.
رغم هذا الإصلاح لنظام الكفالة، فإن هيئة تنظيم سوق العمل استمرت في رفض أغلب طلبات العمال الوافدين بتغيير وظائفهم دون موافقة صاحب العمل. ما زال أيضاً بإمكان أصحاب العمل استحواذ نفوذ غير مستحق على حرية تنقل العامل لأن عليهم إلغاء تأشيرة عمل الوافدين قبل قدرتهم على مغادرة البلاد (ما لم يتنازل عن هذا المطلب مسؤول كبير بإدارة الهجرة). فضلاً عن ذلك، أخفقت الإصلاحات في تناول قطاع عاملات المنازل البالغ عددهن 87400 عاملة في البحرين.
واتخذت مملكة البحرين خطوات أخرى لمعالجة الإساءات التي يتعرَّض لها العمّال الوافدون، ومنها:
- في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2006، أنشأت وزارة التنمية الاجتماعيّة مأوى دار الأمان الذي يستقبل 60 نزيلة، وهو مُخصص لعاملات المنازل، واستقبل بين العامين 2008 و2009 حوالي 162 وافدة أُحيلت أغلبهن إلى الدار من الشرطة والسفارات الأجنبيّة والمنظمات غير الحكوميّة. لم توفر وزارة التنمية الاجتماعية رداً على طلب هيومن رايتس ووتش بالإحاطة عن أعداد عامي 2010 و2011 وذلك في ردها بتاريخ مايو/أيار 2012 على طلب هيومن رايتس ووتش بالمعلومات الجديدة.
- في شهر يوليو/تموز 2007، منعت الحكومة أعمال البناء الخارجيّة وغيرها ما بين ساعتي الظهيرة والرابعة بعد الظهر في شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب وهما أكثر أشهر السنة حَرّاً. ويبدو أنّ أصحاب العمل التزموا إلى حد بعيد بالمنع نتيجة حملة تفتيش شنّتها وزارة العمل تأكيداً على قدرة الحكومة على فرض معايير العمل حين توظِّف الموارد الضروريّة لذلك.
- القانون رقم 1 لعام 2008 بشأن مكافحة الإتجار بالبشر يسمح لمكتب النائب العام بالتماس إدانة الأفراد والمؤسسات التي تقوم بنقل أو استقدام أو استخدام شخص بغرض إساءة الاستغلال، وذلك عن طريق الخدمة قسراً والاسترقاق. الحكومة البحرينية ترى أن هذا القانون يجرم العديد من انتهاكات العمل العادية، ومنها منع الأجور ومصادرة جوازات السفر، لكنّ هيومن رايتس ووتش لم تجد دليلاً على تطبيق المسؤولين لأحكام القانون في ملاحقة الاعتداءات المتصلة بالعمل، وهي أكثر أشكال الاتجار بالبشر شيوعاً في المملكة.
- في شهر مايو/أيار 2009، بدأ حظر على أصحاب العمل، بعدم نقل العمّال في شاحنات مفتوحة، وذلك بهدف خفض حالات الوفيات والإصابات في صفوف عمّال البناء وغيرهم من العمّال. وفي شهر يناير/كانون الثاني 2010، لاحظت هيومن رايتس ووتش استخدام الشاحنات المفتوحة وبكثافة لنقل العمّال، مع أنّها خلصت في شهر يونيو/حزيران 2010 إلى تناقص عدد هذه الشاحنات التي تقلّ عمّالاً من الموقع نفسه الذي زارته في شهر يناير/كانون الثاني. في مطلع عام 2012 أقر المدافعون عن حقوق العمال بأن استخدام هذه الشاحنات في نقل العمال قد أصبح أمراً نادر الحدوث.
بتاريخ 10 ديسمبر/ كانون الأوّل 2010 أصدرت الحكومة البحرينيّة تقريراً وضعته بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول وضع العمّال الوافدين تضمّن تعهداً من الحكومة توفير حمايةٍ أفضل للعمال الوافدين. صدرت هذه التعهدات جزئياً نتيجة للحوار بين الحكومة وهيومن رايتس ووتش حيث أحاطت الأخيرة مسؤولين حكوميين بالنتائج والتوصيات التي تضمّنها هذا التقرير.
أوصت هيومن رايتس ووتش بأن تزيد الحكومة كثيراً من عدد المفتشين المسؤولين عن الإشراف على ممارسات العمل والصحة والسلامة في القطاع الخاص، ورداً على ذلك تعهدت الحكومة بزيادة عدد مفتشي وزارة العمل بنسبة 50 في المائة. في الواقع زادت الحكومة من عدد مفتشي الصحة والسلامة خمسة أضعاف، من ستة عام 2010 إلى 30 عام 2011.
إلا أن تنفيذ الكثير من التعهدات الأخرى كان ضعيفاً أو غائباً تماماً حتى الآن:
- تعهدت الحكومة بتنظيم حملات تفتيش تهدف إلى "كشف أصحاب العمل الذين يحجزون الأجور وجوازات السفر ومعاقبة المخالفين". إلا أنه في فبراير/شباط 2012 قال ممثلون عن جمعية حماية عاملات المنازل لـ هيومن رايتس ووتش إن الحكومة لم تبادر بهذه الحملة، وأضافوا أن العبء يقع على عاملات المنازل في إبلاغ وزارة العمل بالشكاوى الخاصة بعدم تلقي الأجور وللشرطة فيما يخص مصادرة جوازات السفر.
- تعهدت الحكومة ببدء حملة لإخطار العمال بأن احتجاز الأجور عنهم ومصادرة جوازات السفر جريمة بموجب قانون مكافحة الإتجار، وبمعاقبة أصحاب العمل الذين يلجؤون لهذه الممارسات، وبالتحرك بناء على شكاوى العمال الذين يزعمون التعرض لهذه المخالفات. لكن في عام 2011 لم تكن السلطات قد نظرت في قضايا من هذا النوع وجرائم أخرى متعلقة بالعمل، بخلاف وقائع إساءات بدنية وجنسية والإتجار لأغراض جنسية. أفاد نشطاء مهتمون بحقوق العمال الوافدين بأن حتى فبراير/شباط 2012 لم يكونوا على دراية بأية حملات توعية عامة بحقوق العمال.
- تعهدت الحكومة بأن "تبحث في أمر تبني... اتفاقية منظمة العمل الدولية الخاصة بمعاملة عاملات المنازل". في يونيو/حزيران 2011 صوتت البحرين بالإضافة إلى دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى لصالح المعاهدة، إذ تراجعت عن معارضتها السابقة لها. لكن حتى كتابة هذه السطور، لم تكن البحرين قد صدقت بعد على الاتفاقية، وهي خطوة ضرورية لجعلها مُلزمة.
الآليّات الحكومية لمعالجة الانتهاكات التي يتعرّض لها العمّال
أُنشئت محاكم العمل والمحاكم الجزائيّة ناهيك عن أقسام التفتيش والشكاوى لدى وزارة العمل، بهدف معالجة شكاوى العمّال والحدّ من الاعتداءات. لكنّ هيومن رايتس ووتش توصّلت إلى أنّ أصحاب العمل المُتعسفين وغير المتعاونين غالباً ما يستغلّون تدابير الإنصاف ويؤخرون الوساطة وإجراءات المحاكمة، بل يُجبرون العمّال على الخضوع لتسويات غير مُنصِفة كما أنهم يُفلتون من العقاب.
كان لدى وزارة العمل في عام 2010 33 مفتشاً يراقبون مدى امتثال أكثر من 50.000 شركة توظِّف حوالي 457.500 عاملاً لأحكام قوانين العمل وتدابير الصحّة والسلامة. وكما سبق الذكر، أضافت الوزارة 24 مفتشاً آخرين على الأقل في عام 2011. وقال رئيس قسم التفتيش لـ هيومن رايتس ووتش في 2010 إنّه لا بدّ من وجود حوالي 100 مفتش لإجراء زيارة واحدة في السنة لكلّ شركة. وقال مدافعون عن حقوق العمال الوافدين لـ هيومن رايتس ووتش في فبراير/شباط 2012 إن عدد المفتشين الإجمالي لدى الوزارة ما زال منخفضاً بشكل كبير. أمّا العمّال في اثنين من مخيّمات العمل التي زارتها هيومن رايتس ووتش فقالوا إنّ مفتشي الوزارة قد أعلنوا ارتكاب أصحاب العمل لانتهاكات فاضحة لقانون الإسكان وأمروا بإقفال أحد المخيمات ولكنّ صاحب العمل لم يتخذ التدابير التصحيحيّة، وحتى يناير/كانون الثاني 2012 كان المخيّم مفتوحاً رغم الأمر الموجه بإغلاقه، وذلك بحسب مدافعين عن حقوق العمال الوافدين. كانت الوزارة تفتقر إلى صلاحيّة معاقبة الشركات مباشرة على الانتهاكات المرتكَبة، وتعين عليها عوضاً عن ذلك إحالة القضايا إلى المحكمة التي تستطيع أن تفرض الغرامات.
يجوز للعمّال الوافدين أن يرفعوا شكاوى بشأن انتهاك قانون العمل أو الأحكام التعاقديّة لدى قسم الشكاوى في وزارة العمل، والتي تناشد صاحب العمل حينها للمشاركة في الوساطة. ولا تتمتع الوزارة بأي صلاحيّة لفرض تسوية أو لمشاركة صاحب عمل في قضيّة. وغالباً ما يرفض أصحاب العمل المسيئون التسوية، ويتجاهلون طلب الوزارة لعقد اجتماع. ومع أنّ الوزارة تقول إنها تنجح بمعالجة حوالي نصف شكاوى العمل التي يرفعها عمّال بحرينيّون ووافدون، إلاّ أنّ الوساطة تفضي إلى منح الوافدين تسويات دون تلك التي تمنحها للمواطنين. في الأعوام 2009، و2010، و2011، عالج الوسطاء في وزارة العمل 30% فقط من الشكاوى التي يرفعها العمّال الأجانب، مُحيلةً ما تبقى إلى محاكم العمل. وغالباً ما تعني هذه الشكاوى انتهاكات قانون العمل وعقود العمل الفرديّة، ولا تشمل الأفعال الإجرامية مثل الاعتداءات والاعتداءات الجنسيّة أو الإتجار بالبشر. أحالت وزارة العمل في المُجمل 2321 من هذه القضايا إلى محاكم العمل في البحرين أعوام 2009 و2010 و2011، وتخص هذه القضايا 3869 عاملاً.
وغالباً ما ينصح محامو العمّال والمدافعين عنهم بتفادي محاكم العمل والسعي للحصول على تسوية. وقال محامون لـ هيومن رايتس ووتش بأنّ المحاكم غالباً ما تُصدر أحكاماً لصالح العامل، ولكنّ البتّ في القضايا يستغرق من 6 إلى 12 شهراً. وعادةً ما تتضمن محاكم العمل في المتوسط نحو ست جلسات تنعقد مرة كل ستة أسابيع تقريباً. و لا يتوفّر لمعظم العمّال الوافدين دخل في هذه الفترة، فلا يجدون أمامهم خياراً سوى الإذعان لتسوية غير قضائية مُجحِفة بحقهم. فيقبل كثيرون ببطاقة سفر للعودة إلى ديارهم أو استرجاع جواز السفر، مُتنازلين عن جزءٍ كبير من أجورهم إن لم يكن عنها كاملةً. وأفاد أحد العمّال أنه اُضطِر إلى سداد مبلغ من المال لأصحاب العمل السابقين، لقاء استرجاع جواز السفر وإلغاء تأشيرة الدخول.
نظر مكتب النائب العام في البحرين، المعني بالتحقيق في الجرائم وملاحقتها، في العديد من قضايا العمال الوافدين التي تشمل الاعتداءات الجسديّة والجنسيّة. ومنذ سَن القانون رقم 1 لعام 2008 بشأن مكافحة الإتجار بالبشر، أعلنت الحكومة أنّ إنفاذ القانون المذكور هو أولوية وطنية، لكن حتّى الساعة، لم ينظر مكتب النائب العام سوى في قضايا الإتجار التي تعني الدعارة.
اشتكى المدافعون عن العمّال ومحاموهم من أن السلطات قد تمتنع عن الاستجابة، أو أن التحقيقات والملاحقات المتصلة بالقضايا الإجرامية وتلك المتعلّقة بالإتجار قد تُعاني من بطءٍ شديد. وأحاط المدافعون عن العمّال هيومن رايتس ووتش علماً بقضايا تعرّض فيها موكليهم من عمال المنازل لاعتداءات جسديّة شديدة لا بل للاغتصاب. وفي إحدى الحالات، لم يُصدر النائب العام اتهاماً بحق معتدٍ مزعوم، كما أنه لم يستكمل التحقيقات بعد مضي أكثر من سنة على رفع العامل للشكوى لدى مركز الشرطة. وسرعان ما أنهت السلطات كل إجراءات التحقيق. وفي حالةٍ أخرى، لم تُعيّن السلطات موعداً للمحاكمة بعد مضي أكثر من ستّة أشهر على رفع العاملة للدعوى، إلى أن أسقطت التحقيقات برمتها في نهاية المطاف.
وفي قضيّة إتجار بالبشر بارزة ادّعى 38 عامل بناء أنهم أجبروا على العمل بدون مقابل، لم يُحدد موعد الجلسة الأولى إلاّ بعد ثلاثة أشهر وبحلول الموعد كان صاحب العمل المتهم قد نجح بإقناع معظم العمّال المشتكين بمغادرة البحرين واعداً إياهم بمبالغ زهيدة من المال بالإضافة إلى تذكرة سفر للعودة.
أمّا الملاحقات القضائية في حال عدم تسديد الأجور فتبدو لا وجود لها تقريباً، مع أنّ هذه الشكوى هي الأكثر شيوعاً في وسط العمّال، على الرغم أن أحكام المادة 302 من قانون العقوبات تُجرِّم "احتجاز الأجور من غير مبرر". وبدا أنّ المسؤولين في وزارة الداخليّة والعمل لم يكونوا مطلعين على هذا الحكم عندما التقت بهم هيومن رايتس ووتش في شهر فبراير/شباط 2010. أصدر النائب العام علي فضل البوعينين في شهر مارس/آذار 2010، بعد الاجتماع مرسوماً أمر فيه بإجراء التحقيقات الجنائيّة والملاحقات في هذه القضايا.
أفاد مسؤولون في وزارة العمل ومكتب النائب العام لـ هيومن رايتس ووتش أّنهم لا يستطيعون معالجة الإساءات إلاّ إذا حضر العمّال بأنفسهم لتقديم الشكوى. وقال العمّال إنّهم يواجهون مشاكل في تقديم الشكاوى وطلب الانتصاف، ومنها عدم توفّر المترجمين لدى الوكالات الحكوميّة وعدم إطلاعهم على حقوقهم وعلى قانون العمل البحريني وأنظمة الهجرة والعدالة الجنائيّة. على سبيل المثال، لم يكن أي من العمّال الذين تحدثت معهم هيومن رايتس ووتش مطلعاً على حقّه في التمسك بجواز السفر. عاملٌ واحد علم بحقّه في الانتقال إلى صاحب عمل ثانٍ بدون إذن الكفيل. لم يعرف العديد من العمّال أين يرفعون الشكاوى. ويبقى ُعمّال المنازل في منازل أصحاب العمل، وبالتالي يجدون صعوبةً في رفع الشكاوى. ولا يُلزِم القانون البحريني أصحاب العمل بإعطاء عُمال المنازل عطلةً.
وعندما يتجرّأ العمّال على تقديم الشكاوى، عادةً ما يردّ أصحاب العمل بتقديم شكوى مضادة يزعمون فيها أنّ العامل ارتكب سرقةً أو جريمةً مماثلةً أو أنه لاذ بالفرار، معرِّضين بالتالي العامل لخطر التوقيف في مراكز الاعتقال والترحيل، أو المنع من دخول الدولة مجدداً. وقال العديد من العمّال أنهم تجنّبوا رفع شكاوى رسميّة خوفاً من انتقام أصحاب العمل.
في أواسط عام 2010، وهي أحدث فترة تتوفر عنها إحصاءات طرف هيئة تنظيم سوق العمل، كان يعمل حوالي 40.000 عاملاً وافداً في البحرين بدون مستندات رسميّة نظراً لانقضاء مدة تأشيرة العمل، أو جرّاء إنهاء صاحب العمل الكفيل للتأشيرة، أو نتيجة تركهم العمل توارياً عن الأنظار وبدون إذن صاحب العمل الكفيل. ويعمل عمّال آخرون بموجب تأشيرة عمل صالحة ولكن لحساب شركة غير الشركة التي أصدرت هيئة تنظيم العمل التأشيرة لصالحها وعادةً ما تكون شركة واجهة أُنشئت بهدف الحصول على التأشيرات وبيعها. لا يرفع عمّال "التأشيرة الحرّة" غالبا شكاوى لدى وزارة العمل في حال تعرّضهم للإساءات الشائعة، مثل عدم سداد الأجور خوفاً من الترحيل والحبس والغرامات أو غيرها من العقوبات.
التزامات البحرين الدوليّة
مملكة البحرين عضو في منظمة العمل الدوليّة وقد عمدت إلى المصادقة على أربع من اتفاقيّات المنظمة، بما في ذلك الاتفاقيّات المتصلة بإزالة العمل الجبري والقسري، وتلك المرتبطة بإزالة شتّى أشكال التمييز في الاستخدام والمهنة. وصادقت البحرين على الاتفاقيّة رقم 14 بشأن الراحة الأسبوعيّة للعمّال في حقل الصناعة مثل البناء، والاتفاقيّة رقم 81 حول تفتيش العمل، والاتفاقيّة رقم 155 حول السلامة والصحّة المهنيّة.
والبحرين عضو في المعاهدات الدوليّة ذات الصلة، بما في ذلك الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة ، واتفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة، وبروتوكول منع وقمع ومعاقبة الإتجار بالبشر، وبروتوكول مكافحة تهريب الوافدين عن طريق البر والبحر والجو.
وتُلزم هذه المعاهدات البحرين بحماية العمّال الوافدين من الإساءات الأكثر شيوعاً في مجال العمل. وتنصّ المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة على "التمتع بشروط عمل عادلة ومرضية" بما في ذلك الأجر المنصف وظروف عمل تكفل السلامة والصحة، والاستراحة وأوقات الفراغ، والتحديد المعقول لساعات العمل، والإجازات الدورية مدفوعة الأجر. هذا ويذكر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة حقّ الفرد في حريّة التنقل، بما في ذلك الحقّ في مغادرة أي بلد والحق في دخول بلده. كما يلحظ العهد تدابير السلامة الشخصيّة التي تضيف إليها اتفاقيّة مناهضة التعذيب، حقّ التحرر من المعاملة القاسية أو اللا إنسانية أو المُحِّطة بالكرامة حتى حين تصدر بسبب أحداث خاصة. وفي الإعلان العالمي بشأن القضاء على العنف ضد المرأة، تدعو الجمعيّة العامة للأمم المتحدة الحكومات إلى "درء أفعال العنف عن المرأة والتحقيق فيها والمعاقبة عليها، وفقاً للقوانين الوطنية، سواء ارتكبت الدولة هذه الأفعال أو ارتكبها أفراد". أمّا عجز الدولة الدائم عن الملاحقة رغم محاولات تصويب سائر أشكال العنف فيَشكِّل ضرباً من ضروب المعاملة غير المنصفة والقائمة على التمييز وهو يُشكِّل انتهاكاً للالتزام باتفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي تقضي بمنح المرأة حمايةً مساويةً بموجب القانون.
وفي التعليق العام رقم 32، أعلنت لجنة حقوق الإنسان إنّه عملاً بالمادة 14 من العهد " إنّ التأخير في الدعاوى الذي لا يُمكن تبريره بمدى تعقيد القضيّة أو سلوك الأطراف ينقض من مبدأ المحاكمة العادلة". هذا وترى اللجنة أنّ المادة 14 تلحظ "الحقّ في اللجوء إلى محكمة" وأنّ "الحقّ في الوصول إلى المحاكم والهيئات القضائيّة والمساواة أمامها لا يقتصر على مواطني الدول الأطراف، بل يجب أن يكون متاحاً لجميع الأشخاص بصرف النظر عن جنسياتهم أو انعدام الجنسيّة أو أوضاعهم بما في ذلك العمّال الوافدين...".
وفي خلال الاستعراض الدوري الشامل لسجلّ البحرين في حقوق الإنسان عام 2008، ثم في مايو/أيار 2012، أعرب مجلس حقوق الإنسان عن قلقه بشأن الانتهاكات التي تلحق بالعمّال الوافدين. وفي العام 2007، انتهت لجنة الخبراء الناظرة في مدى امتثال البحرين لأحكام اتفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة، إلى ضرورة أن توسّع البحرين نطاق حماية العمل لتشمل عمال المنازل وأوصت لجنة اتفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري بأن تتخذ البحرين جميع التدابير اللازمة لإزالة المعوِّقات التي تحول دون تمتع العمّال الوافدين بجميع الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة.
رغم أن حكومة البحرين مسؤولة بالأساس عن احترام وحماية والوفاء بحقوق الإنسان بموجب القانون الدولي، فإن الشركات الخاصة عليها مسؤوليات بشأن حقوق الإنسان، منها احترام حقوق العمال. وبالاتساق مع مسؤوليات الشركات في حقوق الإنسان، فعليها جميعاً اتباع سياسات وإجراءات ملائمة لمنع الانتهاكات والرد عليها.
المبدأ الأساسي الخاص بمسؤولية الشركات عن احترام حقوق الإنسان تلقى اعتراف دولي موسع. إن قرارات مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الخاصة بالأعمال وحقوق الإنسان والأثر العالمي للأمم المتحدة، ومختلف مبادرات الأطراف المعنية الأخرى في مختلف القطاعات والكثير من مدونات سلوك مختلف الشركات، تستند جميعاً إلى مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان والمعايير الأساسية الخاصة بالعمل، في توفير الإرشاد للشركات والأعمال الحرة عن كيفية الاضطلاع بمسؤوليات حقوق الإنسان المترتبة عليهم. على سبيل المثال، فإن إطار عمل "حماية واحترام وإنصاف" و"المبادئ التوجيهية للأعمال وحقوق الإنسان" التي صدق عليها مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عامي 2008 و2011 على التوالي، يعكسان ما ينبغي على الشركات والأعمال الحرة احترامه ضمن حقوق الإنسان، وتفادي الانتهاكات وتوفير التعويض الملائم إن وقعت الانتهاكات.





