أكتوبر 3, 2012

دراسات حالة.II

تحدث المحامون الذين التقتهم هيومن رايتس ووتش بخصوص النظام القضائي في غزة بشكل متسق فيما بينهم عن أعمال التوقيف التعسفية التي تتم دون تصاريح، وقالوا إنه غالبًا ما يتم منع المحتجزين من الاتصال بمحام وبأفراد العائلة، وفي بعض الحالات يتعرضون للتعذيب.

ملفات القضايا

اطلعت هيومن رايتس ووتش على ثماني شهادات وملفات ل قضايا تبرز وقوع انتهاكات لحقوق المحتجزين في إجراءات التقاضي السليمة فيمنظمة حقوقية في غزة. [58]

وفي إحدى القضايا التي تعود إلى يناير/كانون الثاني 2010 تمت عملية توقيف تعسفية قامت خلالها شرطة حماس في رفح بالقبض على ثلاثة أشخاص دون تصريح واحتجزتهم لمدة سبعة أيام دون توجيه تهم إليهم. ولكن محاميهم قال إنه عندما ذهب إلى مركز الشرطة أعلموه أن الأشخاص غير موجودين هناك. كان الرجال من مساندي فتح، وبدا اعتقالهم كشكل من أشكال المضايقة السياسية. 

وتوجد قضيتان أخريان تتعلقان بممارسة العنف غير المبرر أثناء التوقيف والاحتجاز. وتعود إحداهما إلى يناير/كانون الثاني 2011، وقال الشخص المعني إن الشرطة اعتدت عليه بالضرب بينما كان يشاهدهم يقبضون على أحد جيرانه. لم يتم توقيفه، ولكنه تحصل على شهادة طبية من مستشفى كمال عدوان تثبت مزاعمه بأن الشرطة كسرت له ساقه اليمنى عندما أصرّ على مطالبتهم تبرير توقيف جاره. أما القضية الثانية، وتعود إلى سبتمبر/أيلول 2010، فقال أفراد من عائلة واحدة إن رجالا زعموا أنهم من عناصر جهاز الأمن الداخلي، ولكن شهودًا قالوا إنهم من المباحث، في ملابس مدنية، اقتحموا منزلهم في رفح ليلا، دون أن يقدموا تصاريح، وكسروا ذراع شقيقة الرجل الذي كانوا يريدون اعتقاله إلا أنه لم يكن متواجدًا في المنزل. وكانت حماس قد أطلقت سراح الرجل في وقت سابق بمناسبة عيد الفطر في 9 سبتمبر/أيلول 2010.

وقال محاميان يعملان مع المنظمة الحقوقية إنهما قاما بإعلام المراقب العام في وزارة الداخلية في غزة بالشكويين، ولكنهما لم يتلقيا أي ردّ. [59] وفي قضيتين أخريين، قال المنظمة الحقوقية إنه لاحظ تحسنًا في تعامل السلطات مع الأفراد بعد أن قام برفع الشكاوى. وفي فبراير/شباط 2011، اشتكى خمسة رجال في الأربعينات وأوائل الخمسينات من العمر، وكلهم ينتمون إلى فتح، غريمة حماس، من أن ضباط الأمن الداخلي قاموا باستدعائهم ثلاث مرات كل أسبوع منذ 2007 إلى إحدى المكاتب في جباليا، وكانوا كل مرة يرغمونهم على البقاء هناك من الثامنة صباحًا إلى الثالثة بعد الظهر. وبعد أن اشتكى المنظمة الحقوقية إلى جهاز الأمن الداخلي، لم يتلق اثنان من الرجال أي استدعاء آخر، بينما تلقى الثلاثة الآخرون استدعاءات أخرى. وفي قضية ثانية تعود إلى يناير/كانون الثاني 2011، تم استدعاء رجل وابن عمه خمس مرات كل شهر من قبل الأمن الداخلي إلى مركز شرطة الشجاعية، وهناك يتم استجوابهم وأحيانا يُمضون الليل رهن الاحتجاز بسبب ما أسموه "خلاف مالي" مع أحد الأشخاص، ولم تكن هذه القضية تابعة لاختصاص أي جهاز أمني. وقام المنظمة الحقوقية بإحالتها إلى المراقب العام الذي لم يرسل أي ردّ، ولكن الرجال لم تصلهم أي استدعاءات بعد ذلك.

كما اطلعت هيومن رايتس ووتش على ملفات قضيتين أخريين في مكتب محام آخر في غزة تؤكد ارتكاب النيابة العامة أخطاء كبيرة في مجرى العدالة أدت إلى انتهاك إجراءات التقاضي السليمة في حق المحتجزين. [60]

وفي إحدى القضيتين، اطلعت هيومن رايتس ووتش على طلب كتابي تقدم به النائب العام لتمديد توقيف عميل المحامي لمدة 15 يومًا. واستنادًا إلى هذا الطلب، فقد تم توقيف الشخص في 30 أبريل/نيسان 2011 على يد الشرطة في س، مع عدد آخر من الأشخاص يُزعم أنهم كانوا يزيفون العملة. كما يحتوي الطلب على موافقة القاضي على تمديد الاحتجاز بتاريخ 25 أبريل/نيسان. وكما هو مذكور أدناه، وعملا بالقانون، كان يجب عرض المحتجز على قاض في مدة أقصاها 72 ساعة بعد توقيفه من قبل الشرطة. ولكن الأمر استغرق 12 يومًا مع عدم احتساب تسعة أيام أخرى قضاها الرجل رهن الاحتجاز لدى الشرطة. وقال محامي المحتجز لـ هيومن رايتس ووتش إنه لم يتمكن من مقابلة موكله إلا بعد 25 أبريل/نيسان. وكانت عملية تزييف العملة المزعومة قد وقعت قبل ذلك بسنة، والدليل الوحيد ضد الرجل تمثل في اعتراف أحد أفراد المجموعة. وفي 17 مايو/أيار 2011، قامت السلطات بإطلاق سراح المجموعة بعد أن دفع كل فرد كفالة قدرت بألفي شيكل (520 دولار أمريكي). 

أما في القضية الثانية فقد تقدم مكتب النائب العام بطلب لتجديد حبس رجل لمدة 15 يومًا بتهمة سرقة 11 بقرة من رجل آخر يدين له بالمال. واستنادًا إلى طلب النائب العام، قامت الشرطة بتوقيف الرجل في 15 يناير/كانون الثاني، ولكن موافقة القاضي على تمديد الاحتجاز كانت موقعة بتاريخ 21 فبراير/شباط 2010.

كما تحدث المحامي عن حالات أخرى توجد فيها مزاعم حول تعرض اثنين من زبائنه وأحد زملائه إلى الانتهاك. ولكن هيومن رايتس ووتش لم تتطلع على ملفات القضايا ولم تستطع مقابلة الضحايا المزعومين. وتتعلق إحدى هذه القضايا بأحد زملاء المحامي، وكان يسكن في شمال مدينة غزة وتم استدعاؤه من طرف الأمن الداخلي إلى مركز للشرطة في 2010. وطلب المحامي عدم تحديد المكان والتاريخ، وقال: "ذهبت إليه عندما تم استدعاؤه، فكانوا في انتظاره خارج مركز الشرطة. اقتادوه إلى شاحنة صغيرة بيضاء بشبابيك سوداء. وفي داخل السيارة، قال إن أحدهم عصب له عينيهم بينما قام آخر بشد يديه". وبحسب أقوال المحامي، قال له زميله في وقت لاحق إنهم اقتادوه إلى شقة، وهناك قاموا "بضربه قليلا". وأضاف: "لم يتهموه بارتكاب أية جريمة، وقال إنهم فقط سألوه عن معلومات تتعلق بجيرانه وبعض المحامين الآخرين الذين يعمل معهم".

المحامون

(ن)

دافع ن، وهو محام من القطاع الخاص في غزة، عن موكلين يُزعم أنهم تعرضوا إلى انتهاكات خطيرة، وقال إنه تعرض هو أيضًا إلى الانتهاك. [61] كما أكد ن لـ هيومن رايتس ووتش إنه من مؤيدي فتح. وكان وصفه للانتهاكات متطابقًا مع معلومات تحصلنا عليها من مصادر أخرى. 

وقال ن إنه بينما كان عائدًا إلى المنزل في إحدى ليالي ربيع 2010، وجد استدعاء على باب منزله يدعوه إلى زيارة الأمن الداخلي على الساعة الثامنة من صباح اليوم التالي. وذهب في الوقت المحدد، وقدم لهم بطاقة هويته، فطلب منه أحد الموظفين أن يدخل إلى غرفة وينتظر بداخلها، فوجد فيها ستة أو سبعة أشخاص آخرين، فطُلب منه أن لا ينظر إليهم.

طلب مني الجلوس على كرسي قبالة الجدار وقد علقوا عليه صورة لـ أحمد ياسين [مؤسس حماس]. كان يوجد خلفي موظف أمني جالس إلى طاولة، ولكنني لم أستطع رؤيته، فكلما تثاءبت أو حركت رأسي كان يقول لي "لا تتحرك". وبعد ساعة ونصف، سمحوا لي بمغادرة الغرفة، واقتادوني إلى غرفة أصغر فيها شخصين آخرين. لم أكن أعرف سبب تواجدي هناك، وكنت خائفًا. احتجزوني هناك لمدة ساعات أخرى، وفي الأخير اقتادوني إلى رواق وقام أحد الأعوان باستجوابي، وكان يجلس إلى طاولة. تمحور الاستجواب حول عملية سرقة تعرض لها مكتبي قبل ذلك بأشهر، وتحديدًا في ديسمبر/كانون الأول 2009. وكنت قد أرسلت صبيّ المكتب لرفع بلاغ لدى الشرطة، ولكنهم رفضوا ذلك. قال المحقق بما أنني كنت مساندًا لـ فتح وتعرض مكتبي للسرقة، ربما قدمت لي رام الله المال لتجاوز ما تعرضت إليه. كنت خائفًا لأن حماس تنظر إلى التعاون مع السلطة الوطنية مثل التعاون مع إسرائيل، وقد يسجنوك لمدة خمس أو ست سنوات بسبب استلام المال.
وبعد ساعة من الاستجواب، اقتادوني إلى غرفة أخرى فيها طاولة وستة كراسي، ووجه لي المحقق أسئلة لمدة ساعة أخرى، وبعدها غادر المكان. وبعد ذلك بنصف ساعة، دخل رجل ضخم إلى الغرفة، وصرخ قائلا "من أنت؟"، ثم أخذ كرسيًا من الغرفة. تكرر ذلك خمس مرات، ثم تركوني بمفردي لبضع ساعات أخرى. استغرق الأمر يومًا كاملا، ولكنهم في الأخير سمحوا لي بالمغادرة. احتفظوا ببطاقة هويتي وطلبوا مني العودة في وقت لاحق.
وعندما عدت إليهم، احتفظوا بي لمدة ثلاث ساعات فقط. وقاموا باستدعائي مرة ثالثة، ولكنهم قاموا بإخلاء المكان لوجود تهديد من إسرائيل بقصفه. ثم استدعوني مرة رابعة، ولكن كان عندي صديق في الأمن الداخلي، فجلب لي بطاقة هويتي وطلب مني أن لا أخبر أي احد بذلك.

(م)

قال محام آخر، اسمه م، لـ هيومن رايتس ووتش إن شرطة حماس قامت بتوقيفه دون تصريح قرب منزل عائلته في غزة أواخر سنة 2007 عندما كان يستعد لامتحاناته الجامعية في اختصاص الحقوق. [62] ولما سأل الشرطة التي كانت تحاصر المنزل عن سبب بحثهم عنه، قام أحد الأعوان على الفور بإلقائه أرضًا، وضربه بعقب بندقية، وأمروه بالصعود إلى سيارة جيب وقاموا بعصب عينيه.

وقال م إنهم عندما أزاحوا عنه عصابة العينين، وجد نفسه فوق سطح إحدى البنايات وسط غزة.

كانت تلك الليلة طويلة جدا، وتلك المنطقة تسمى أبو مدين. لقد وضعوا قرابة 22 شخصًا في صف واحد فوق السطح، بينما كانوا يحتجزون أشخاصًا آخرين في غرف المبنى. كان رجال الأمن يحملون خراطيم مياه بينما يحمل آخرون عصي ملفوفة بسلاسل حديدية. قالوا لنا إننا جميعًا من مساندي فتح، وأمرونا بالانبطاح ووضع ركبنا ومرافقنا وجباهنا على الأرض. وبدأوا يوجهون لنا أسئلة، وكان يوجد أكثر من محقق واحد، بينما كنا جالسين على ركبنا في وضع الانبطاح. كان رجل بجانبي يقول: "أنا مجرد بحار ولا علاقة لي بأي فصيل سياسي". ثم جاء دوري وأنا في تلك الوضعية، فسألني الضابط عن اسمي وعملي، ثم وجه لي الشتائم. طلب منهم أحدنا أن يسمحوا له بالصلاة فقالوا له "أنتم لستم مسلمين"، ولما قلت لهم العكس، ضربوني ضربًا مبرحًا.
ثم اقتادوني إلى زنزانة داخل المبنى وربطوني من ذراعيّ إلى السقف وكانت أصابع رجلي بالكاد تلامس الأرض. وخلعوا ملابسي باستثناء الملابس الداخلية وضربوني على مستوى الكليتين لمدة ساعة. ثم أخذوني إلى غرفة واستجوبوني. كانت الغرفة مظلمة وكانوا يشعلون ضوءً مباشرة في عيني. كان هناك أربعة محققين، وقال واحد منهم: "لقد ألقينا القبض عليك ووجدنا متفجرات وألغامًا في منزلك، أنت كنت تخطط لقتل عناصر من حماس". ولما أنكرت ذلك، طلبوا مني الوقوف على رجل واحدة، وكلما حاولت الوقوف على الأخرى قاموا بضربي. كان أحدهم يضربني بحزام بينما الآخر بعقب بندقيته. وواصلوا إهانتي ونعتوا أمي بأبشع النعوت. قاموا بذلك لمدة ثلاث ساعات ثم رموني داخل زنزانة صغيرة، عرضها متر واحد من كل جهة. كنت أتمنى لو أنهم ينسون أمري.

وفي اليوم التالي قام محققان اثنان باستجواب م لمدة ثلاث ساعات حول مزاعم تتعلق بتخطيط فتح لتفجير قنبلة. وقال م: "عندما لا تعجبهم أجوبتي، يصفعني أحدهم على وجهي". كما قال إنه احتجز لمدة يومين آخرين في زنزانته، ولكنه لم يكن قادرا على النوم نظرا لصغر المساحة. وأضاف: "طيلة يومين، قدموا لي فقط كأسين من الماء، وفي اليوم الثالث قاموا باستجوابي مرة أخرى، وأشعلوا الضوء قبالة عيني ولكنهم لم يضربونني". كما قال إنه عندما رفض التوقيع على اعترافه بالمخطط المزعوم، هددوه بقطع أصابعه.

وقال م أيضًا إن أحد أقاربه، أ، من مؤسسي حماس، سمع بخبر اعتقاله بينما كان عناصر الأمن بصدد نقله من المبنى الذي كان يُحتجز فيه إلى مكان آخر تابع للأمن الداخلي في دير البلح. وفي تلك الأثناء جاء قريبه وطلب منهم أن يتركوه، واختلفوا إلى درجة أنهم كانوا مستعدين لإطلاق النار على بعضهم البعض. وأضاف م أنه نُقل في نهاية المطاف إلى دير البلح، ولكن قريبه لحق بهم إلى هناك وأقنعهم بإطلاق سراحه، وقال: "في النهاية، لم أوقع على أي اعتراف، ولكن فقط على التزام بعدم المشاركة مستقبلا في أي أنشطة تابعة لـ فتح".

وقال م إنه بقي في المستشفى تسعة أيام بعد أن أطلقوا سراحه. وبعد خروجه من المستشفى بيومين اثنين، قام الأمن الداخلي باعتقاله واحتجازه لمدة أربعة أيام في مكان غير معلوم. وبعد ذلك بأسبوعين، استدعاه الأمن الداخلي لاستجوابه، ولكنه لم يحتجزه أثناء الليل. وأضاف: "قاموا باستدعائي ثلاث مرات أخرى، فطلب مني أحد أقاربي أن أنتقل إلى مدينة غزة وسوف يتركونني وشأني. لقد نجحت الفكرة، فبعد أن غادرت إلى هناك، لم يتصل بي أي شخص. وبعد ثمانية أشهر، ذهبت لزيارة عائلتي لبعض الأيام، فقاموا باستدعائي مجددًا. ومنذ ذلك الوقت، توقفت تقريبًا عن زيارة والديّ".

(ي)

قال محام آخر، ي، لـ هيومن رايتس ووتش، إنه حوالي الساعة السادسة مساءً من أحد أيام أبريل/نيسان 2011، قدم 11 عنصرًا من الشرطة المدنية والمباحث إلى منزله، وعرّفوا بأنفسهم، ودون أن يظهروا أي تصريح طلبوا منه مرافقتهم على الفور. [63] وأضاف ي: "اقتادوني إلى مكتبهم، فقال لي أحد المحققين أنني كنت أزور العقود التجارية. ثم رافقوني إلى مكتبي وقاموا بتفتيشه، دون تصريح، وصادروا بعض وثائقي". كما قال ي إنه أطلق سراحه، ولكن الشرطة المدنية والمباحث  قاموا بتوقيفه مرة أخرى في مكتب مدينة غزة في اليوم التالي حوالي الساعة الثالثة ظهرًا. وأضاف: "أخذوا أختام مكتبي وجواز سفري وما تبقى من ملفات عملائي، بما في ذلك الملفات القديمة. وعندما طلبت منهم مجددا إطلاعي على التصريح، أجابوني بأن التصريح سوف يأتي في غضون دقيقتين، ولكن عليّ الذهاب معهم".

كما ذكر ي إنه تم اقتياده بسيارة جيب من مكتبه إلى مركز للشرطة في أبوعربيان وسط غزة. وأضاف: "أثناء الرحلة، قاموا بإهانتي وضربي، ثم اقتادوني إلى غرفة التحقيق. وقام أربعة رجال بضربي لمدة عشر دقائق، ووصفوني بالكافر، ثم شدوا وثاقي إلى سرير. كما قام أحدهم بعقد عقد في خرطوم مطاطي وضربني به على رجلي لمدة ساعة". ورغم أنه تم إطلاق سراح ي قبل أن نلتقي معه بقرابة أسبوعين، لاحظت هيومن رايتس ووتش وجود كدمة كبيرة في ساقه، وكان أحد أصابع رجله أزرق وبدا كأنه مكسور.

وبناء على أقوال ي، اتهمه المحققون بجني مبلغ   كبير من المال    بعد أن احتال باستعمال عقود كاذبة:

قلت له إن ذلك خطأ، ولكنهم ربطوني وضربوني بعصا صغيرة. وقال لي واحد منهم إنني أستحق عقوبة أفضل، وجلب هراوة غليظة ملفوفة بالحديد. كنت ملقى على ظهري أشاهده وهو يضربني. وقبيل النهاية، طلبوا مني الجلوس على كرسي وجلبوا وعاءين من الماء وأرغموني على أن أرفع واخفض رجليّ فيهما وكأنني أركب دراجة في الماء. كانت قدماي متورمتين إلى درجة أنني بكيت، بينما كانوا يضربونني بالخرطوم المطاطي كلما تقلصت سرعتي. استمر الوضع لمدة 30 دقيقة، ثم وضعوني في السرير مرة أخرى، وجلس فوقي أربعة رجال وأرغموني على احتساء كأس صغير من مادة كيميائية، وبعدها خرجت مادة بيضاء من فمي.

ويعتقد ي أنه فقد الوعي لبعض الوقت بعد العاشرة مساءً، وقال: "لقد سمعت أحدهم يقول إن الساعة قاربت العاشرة والنصف ليلا، وإنهم يحتاجون إلى وجبة عشاء. ثم سمعت آذان صلاة العشاء". واستيقظ في وقت لاحق تلك الليلة ليجد نفسه في مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، حيث قال إنه تلقى العلاج بطريقة عنيفة على يد طبيب "له لحية قصيرة ونظارة"، بينما رفض العاملون في المستشفى إعطاءه أي وثيقة تثبت تلقيه للعلاج هناك. وقال له الطبيب: "أنت تتصرف وكأنك مريض، ولكنك في حقيقة الأمر لست كذلك"، وقام بضربه، ثم طلب منه المشي أو سوف يضع له إبرا في رجله. وأضاف ي: "لكنني لم أستطع المشي، فوضعوني في سيارة إسعاف ثم اقتادوني إلى قسم المخدرات في مركز شرطة أبو غربان. وهناك رفضت الشرطة استعمال الكرسي المتحرك أو نقالة سيارة الإسعاف، وأرغموني على دخول السجن مشيًا". 

وحوالي الساعة الثانية صباحًا، دفع أحد السجناء الآخرين رشوة لأحد الحراس ليستعمل هاتفه الخلوي، وتمكن ي من الاتصال بوالده. وقال ي إن المباحث أخرجوه من الزنزانة حوالي السابعة والنصف صباحًا، وأضاف: "أعلمني أحدهم أن الفترة الصباحية قد بدأت، ثم بدأ يضربني ويسألني نفس الأسئلة، ويتهمني بالكذب وما إلى ذلك. وبعد حوالي ساعة، سمعت أصوات عائلتي، ثم دخل الغرفة ثلاثة من أقاربي بمن فيهم شقيقي، وجلبوا لي ملابس وبعض الأكل ثم غادروا. قام المحققون بإلقاء الأكل. لقد جلبوا لي قارورتين مياه غازية". كما قال ي إن الضباط قاموا بضربه على رجليه المتورمتين، وربطوا يديه خلف ظهره، وشدوه إلى الشباك حتى صار مُعلّقا بشكل جزئي، واستمر على ذلك الحال حتى العاشرة مساء تقريبًا، ثم أخذ إلى زنزانة صغيرة فيها أوساخ للنوم. وعلى الساعة الثالثة فجرًا، قاموا بضربه مجدد وأيقظوه لصلاة الفجر، ثم أخذوه إلى مركز طبي متصل بمركز الشرطة. وقال ي: "وضعوا لي مادة فازلين على رجليّ، وبقيت هناك حتى الساعة العاشرة صباحًا، ثم أخذوني مجددا إلى الزنزانة الصغيرة".

وعلى الساعة الثامنة من صباح اليوم التالي، بعد مرور ثلاثة أيام على توقيفه، قامت المباحث باقتياد ي إلى مكتب النيابة العامة في دير البلح. وقال ي: "نفيت أن أكون قد كتبت أي عقود غير قانونية. لقد كان وكيل النيابة محترمًا، فطلبت التحدث إليه على انفراد، وقلت له إنني تعرضت إلى الضرب أكثر من أي حمار في فلسطين، فطلب مقابلة واحدًا من أعوان المباحث الذين قاموا بالتحقيق معي، واسمه أبو يعقوب، وطلب منه معاملتي باحترام وعدم تعذيبي. وعندما عدت إلى مبنى الشرطة، ضربوني على وجهي، ولكن بعد نصف ساعة تم نقلي من سجن المباحث إلى السجن المدني في نفس المبنى. وعملا بأوامر النيابة، بقيت هناك لمدة 48 ساعة. وحوالي الساعة الثالثة صباحًا، أيقظني أحد أعوان المباحث وجعلني أقف خارج المبنى قرب عمود للإضاءة وأنا حافي القدمين ولا أرتدي إلا ملابسي الداخلية. بصق في وجهي وسبّني ولكنه لم يضربني". 

وقال ن، محامي ي، لـ هيومن رايتس ووتش إنه التقى موكله أول مرة في جلسة محكمة قبل ذلك بعشرة أيام عندما كان محتجزا، وكانت الكدمات آنذاك واضحة على جزء كبير من جسمه ووجهه. وتم تعليق محاكمة ي، ولكن ن بدا متفائلا بأنه لن يتم توجيه أي تهم إليه بسبب انعدام الأدلة ضده.

موظفون سابقون في السلطة الفلسطينية

(ف)

في 19 مايو/أيار، التقت هيومن رايتس ووتش مع ف، موظف سابق في السلطة الفلسطينية في منتصف الأربعينات من العمر، بعد سبعة أيام من إطلاق سراحه بعد أن أمضى شهورًا عديدة رهن الاحتجاز لدى الأمن الداخلي. [64] وقال ف إن رجلا في ملابس مدنية اقترب منه يوم 1 مارس/آذار 2011 حوالي الساعة 11 صباحًا بينما كان في ساحة الجندي المجهول في مدينة غزة، وصادر منه حقيبته. وبعد ذلك أخذه أعوان المباحث إلى مركز الشرطة ثم اتصلوا بالأمن الداخلي ليستلموه، فنُقل بعد ذلك إلى مجمع الأمن الداخلي قرب الأنصار. وفي 2 مارس/آذار، طلب ضباط الأمن الداخلي من أفراد عائلته جلب حاسوبه الشخصي، ولكن لم يعلموهم بمكان احتجازه.

وقال ف إن ضباط الأمن الداخلي قاموا باستجوابه طيلة الـ 45 يومًا الأولى من احتجازه.

لقد زعموا أنني تربطني علاقات بالسلطة الفلسطينية وإسرائيل. لم أنكر علاقتي بالسلطة الفلسطينية، ولكنني أنكرت أن أكون تحدثت مع السلطة بشأن أنشطة المقاومة [التي تقوم بها المجموعات الفلسطينية المسلحة في غزة] والأنفاق [تحت الحدود مع مصر، واستعملتها حماس لتجاوز الحصار الإسرائيلي والمصري على غزة]، وقلت إنني لم أتحدث أبدًا إلى إسرائيل عن أي موضوع.
كنت أتعرض إلى الانتهاك بشكل يومي. وقد وضعوني في وضعيات مؤلمة، وحرموني من النوم، إلا مرة واحدة كل أربعة أيام، وأرغموني على الوقوف لفترات طويلة، وضربوني بخرطوم مياه وهراوات. كانوا كلما قاموا بتعذيبي يقولون إنهم تعرضوا إلى التعذيب على يد الأمن الوقائي عندما كانت فتح في السلطة، وكانت أعمالهم انتقامية. كانوا يسألونني عن رئيس وحدة المعلومات في السلطة الفلسطينية، ولكنني لم أكن أعلم. كانوا يرغبون في معرفة العلاقات التي تربطني بالسلطة الفلسطينية وضلوعي في [التجسس على] أعمال المقاومة، ولكنني لم أكن ضالعًا في ذلك.

وقال ف إنه سُمح له بالاتصال بعائلته مرة واحدة بعد اعتقاله بعشرة أيام، ومرة ثانية بعد ذلك بـ 25 يومًا. والتقى بمحام لأول مرة بعد مرور 45 يومًا على اعتقاله، عندما تم عرضه على محكمة عسكرية، ودامت محاكمته ثلاث جلسات. وأضاف: "لم تتحدث محاميتي عن التعذيب في المحكمة، وقالت إنها كانت تحاول التأثير على مشاعر القضاة بالحديث عن عائلتي. وفي الجلسة الثالثة، قال القضاة إنه سوف يتم إطلاق سراحي إذا دفعت كفالة قدرها ألف دولار أمريكي. كنت أتوقع أن أُسجن لفترة طويلة".  

(ج)

عمل ج، وعمره 24 سنة وهو عضو في مركز شباب فتح، المعروف بـ الشبابية، مع جهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية قبل سيطرة حماس على غزة في يونيو/حزيران 2007. [65] ومنذ ذلك الوقت، تعرض ج إلى التوقيف والتحقيق والانتهاك بشكل متكرر على يد الأجهزة الأمنية التابعة لـ حماس.

لم أعد أذكر عدد المرات التي تم فيه استدعائي. الأمر شبيه بالموجات: في بعض الفترات يتصلون بي بشكل متواصل مدة أشهر عديدة، ثم تأتي فترة أخرى فينسون أمري كليًا، ثم يتذكرونني مجددًا وهكذا دواليك. لقد استدعوني عشرات المرات، وكل مرة يمنعونني من الاتصال بعائلتي، ولم يُسمح لي يومًا بالتحدث إلى محام.

واستنادًا إلى ج، لم توجه له سلطات حماس أي تهم بارتكاب جرائم ولم تسمح له أبدًا بمقابلة محام، ولم تعرضه يومًا على قاض. ويقول ج: "ولكنني لم أجبر على التوقيع على اعترافات. لو كنت مدانًا في عمل خطير، لكانوا عذبوني إلى أن أعترف وأوقع على اعترافي، ولكنت الآن في السجن".

تم استدعاء ج لأول مرة إلى مكاتب جهاز الأمن الداخلي في دير البلح في أغسطس/آب 2007. ويقول ج إن المسؤولين هناك وضعوه في زنزانة "صغيرة جدًا إلى درجة أنه لا يمكن الاستلقاء بداخلها" لمدة أربع ساعات، ثم قاموا باستجوابه وضربه وسبّوا عائلته. وأضاف: "كنت خائفًا لأنني سمعت سابقًا عن أشخاص أطلقت النار على أرجلهم في يونيو/حزيران 2007". اتهمه المحققان بالعمل مع الجنرال الأمريكي كيث دايتون، الذي كان يُشرف على تدريب الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، وقالا له: "أنت تتقاضى مرتبك من الأمريكان يا كلب"، وبحثوا في الأسماء المُسجلة في هاتفه الخلوي.

كما قال ج إنه تعرض للضرب على يد قوات الأمن الداخلي التابعة لـ حماس أثناء اعتقاله أواخر 2008 بُعيد أن شنت إسرائيل هجومها المعروف "بعملية الرصاص المصبوب" في ديسمبر/كانون الأول 2008.

حوالي الساعة الرابعة والنصف مساءً، كنت في الساحة الرئيسية في النصيرات، فحاصرتني ثلاث سيارات من نوع جيب. دفعوني داخل إحدى السيارات وعصبوا عينيّ وذهبوا بي بعيدًا. ثم سحبوني إلى داخل بناية وأزاحوا عني العصابة، ووضعوني في زنزانة صغيرة سوداء اللون لا تتجاوز مساحتها متراً مربعاً، فيها سقف مرتفع وثقب في الجدار. كنت رائحتها كريهة، وكان يوجد مرحاض، وفيه فئران وصراصير. بقيت هناك قرابة ثلاث ساعات، ثم اقتادوني إلى غرفة التحقيق، وطلبوا مني الوقوف قبالة الحائط ووضع يديّ فوق رأسي دون أن تلمس ذراعيّ الجدار. وكلما لمس ذراعي الحائط دون قصد، كان أحدهم يضربني بيده أو بهراوة. وذات مرة صرخت قائلا "أنا من فتح وأفتخر"، فقام أحدهم بضربي كالحيوان. كان يضربني ويسبني بشكل متواصل ويسألني عمن أعمل لصالحه، والمال الذي أتقاضاه، وما إذا كنت قتلت أيا من عناصر حماس.  

كما قال ج إنه تعرض في صيف 2009 إلى التوقيف والاستجواب على يد قوات الأمن الداخلي مرة أخرى في المنطقة الوسطى في غزة.

بعد الاستجواب، وضعوني في حفرة عرضها 70 سنتيمترًا وعمقها حوالي ثلاثة أمتار. كان الفصل صيفًا والطقس حار جدًا. ووضع أحدهم قطعة معدنية فوق الحفرة وقال: "سوف نطهيك حيًا". وكنت أعتقد أنه سوف يضع فحمًا على الحديد ليحرقني شعرت بالذعر إلى أن اكتشفت أنه يقوم بذلك ليخيفني. وبعد ذلك، أدخلوا حبلا وطلبوا مني تسلقه، ثم ربطوا يديّ ورجليّ بسلسلة مشدودة إلى الحائط ووضعوا أغلالا بلاستيكية في يديّ إلى درجة أنني لم أكن قادرًا على الوقوف، لقد كنت متعبًا جدًا. كنت أشعر أن جسمي صار جافًا تمامًا. وبعد ذلك بدأوا يوجهون لي نفس الأسئلة مرة أخرى، وكان المحقق يلعب بهاتفي الخلوي، وينظر إلى صورة أختي دون أن أكون قادرًا على منعه من ذلك. ثم حذروني من القيام بأي أنشطة مع فتح، ولم يعطوني أي وثيقة تلزمني بالعودة إليهم، ولكنهم طلبوا مني العودة في اليوم التالي، واحتفظوا ببطاقة هويتي، وسمحوا لي بالمغادرة. وفي اليوم التالي، عدت إليهم على الساعة الثامنة صباحًا، فتركوني هناك لمدة ست ساعات دون ماء، ثم سمحوا لي بالمغادرة.

وذهبت إليهم مرة أخرى فأرغمني الحارس على الوقوف على رجل واحدة فوق علبة للحمص لمدة ساعات عديدة في الشمس، ثم قال لي: "أنا بانتظار سقوطك"، وشرع يلعب بهراوته.

كما قال ج إنه تعرض للتوقيف التعسفي والضرب أثناء الاحتجاز على يد الشرطة المدنية للاشتباه في امتلاكه للمخدرات في 2009. 

كنت أمشي مع أحد أصدقائي في سوق أبو دلال فقام أحدهم بدفعنا داخل سيارة مدنية من نوع أودي، وتم اقتيادنا إلى مركز الشرطة في نصيرات. وهناك قاموا بتفتيشي وطلبوا مني ما إذا كنت أحمل ترامادول. أجبت بالنفي فقاموا بضربي بأيديهم وبالهراوات وبأعقاب بنادقهم، وركلوني لمدة 30 دقيقة. وما إن انتهوا مني حتى قاموا بنفس الشيء مع صديقي. وبعد ذلك وضعوني في حفرة في الأرض، وسألوا صديقي إن كان يحمل شيئا معه، فوجدوا عنده ترامادول فقال لهم إنه أخذه مني. وبعد ساعة، قاموا بإخراجي من الحفرة وضربوني لمدة ساعة كاملة ليرغموني على الاعتراف. وبعد ذلك قالوا لصديقي إنه كان يكذب لأنني كنت سوف أعترف لا محالة، فاعترف بأنه لم يأخذه مني، فأعطتني الشرطة كأس ماء وقالوا إنهم متأسفين. دام الأمر قرابة ثماني ساعات، وفي اليوم التالي اكتشفت أن كامل جسمي كان أزرق. 
وفي بداية 2009، جاء الأمن الداخلي منزلي دون تصريح، وأخذوا أوراقي وجهاز حاسوبي ولم يرجعوهم لي أبدًا.

كما قال ج إن مسؤولي الأمن الداخلي استدعوه في الفترة بين نوفمبر/تشرين الثاني 2010 وفبراير/شباط 2011 "ما لا يقل عن عشرين مرة" إلى مقرهم في دير البلح. وأضاف: "في المرة الأولى، شتمني المحقق ولكنه لم يضربني. سألني عن علاقتي مع رام الله وعن المبلغ الذي كنت أتقاضاه منهم. أما في المرات الأخرى، فكنت فقط أذهب وأنتظر من الثامنة صباحًا إلى المساء، في زنزانة، دون أن يستجوبوني". كما تحدث ج عن زنزانة بشباك في الباب يمكن فتحه من الخارج، وقال: "كانوا يفتحون الشباك من حين إلى آخر ويصرخون في وجهي، أو يبصقون عليّ. وكنت أسمعهم يفعلون نفس الشيء مع الزنزانات الأخرى".

والتقت هيومن رايتس ووتش بشكل منفرد مع أ، صديق ج وعمره 25 سنة، فقال إنه شاهد على تعرض ج إلى التوقيف عدة مرات، وأكد وجود كدمات على جسمه عندما تم إطلاق سراحه. وكان أ يعمل سابقًا في جهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية. 

(م)

كان م، وعمره 24 سنة، يعمل في جهاز المخابرات العامة الفلسطينية التابع للسلطة الفلسطينية قبل سيطرة حماس على غزة في 2007. [66] ويقول م إنه تلقى استدعاءً من مسؤولي الأمن الداخلي في 2007 إلى مقرهم في دير البلح، وأضاف: "وجهوا لي أسئلة حول ماذا كنت أعمل، وعمن كان يدفع لي المال من رام الله، وعمن كان يعمل معي". كما قال م إن المسؤولين أرغموه على "الوقوف على ساق واحدة لمدة ساعات قبالة الجدار داخل غرفة التحقيق. وكانوا أحيانًا يأمرونني برفع يديّ لمدة نصف ساعة، ثم يأمرونني بإنزالها". وفي 2008، استدعى جهاز الأمن الداخلي م مجددًا، ووضعوه في زنزانة صغيرة لمدة ساعات عدة.

المكان أشبه ما يكون بخزانة أو ثلاجة، حيث لم أكن أستطيع الانحناء أو الجلوس.. كنت فقط أستطيع الوقوف. وبعد ذلك سحبني الحارس إلى الخارج بعنف إلى درجة أنني اعتقدت أنها كسر لي ذراعي. أخذني إلى غرفة التحقيق وطلب مني الجلوس على كرسي صغير جدًا لمدة ست ساعات من الاستجواب. كانوا يصفونني بـ كلب أمريكا، وسألوني عن مكان أسلحتي، وذلك النوع من الأسئلة. وفي النهاية، بدؤوا يسبّون أمي، فنسيت نفسي وطلبت منهم الكف عن ذلك. فوقف المحقق ونادى على حارس ضخم فقام بضربي لمدة ساعة. كنت أتمنى أن يكون أي شخص آخر وليس ذلك الحارس، وبعد ذلك رموني داخل الزنزانة.

كما قال م إن أحد أصدقائه، ويعمل في وزارة الداخلية، هو الذي أقنع السلطات في وقت لاحق بعدم استدعائه مجددا.

الإعدام بعد التعذيب والمحاكمات غير العادلة

حققت هيومن رايتس ووتش في توقيف وتعذيب وإدانة عبد الكريم شرير. وكانت وزارة الداخلية التابعة لـ حماس قد أعدمت شرير، وهو من مواليد 1974، في 4 مايو/أيار 2011، بعد أن أكدت محكمة الاستئناف العسكرية حكم الإعدام الذي أصدرته في حقه محكمة ابتدائية بتهمة توفير معلومات لإسرائيل أدت إلى اغتيال عناصر من حماس. وتبرز وثائق من ملف قضية عبد الكريم شرير أنه تعرض إلى التوقيف التعسفي والحبس دون أن يُعرض على السلطات المختصة لفترة زمنية طويلة. كما أن حكم المحكمة بإدانته وإعدامه لم يأخذ بعين الاعتبار الشكاوى المتعلقة بأن اعترافه، وهو أهم دليل تم استعماله ضده، تم انتزاعه بتعذيبه أثناء الاحتجاز.

وقالت صفية أحمد شرير، أم عبد الكريم، لـ هيومن رايتس ووتش إن ابنها كان يعمل في الشرطة المدنية التابعة للسلطة الفلسطينية، ومقاتل في كتائب الأقصى التابعة لـ فتح، وهي مجموعة مسلحة. [67]

واتهمت سلطات حماس عبد الكريم شرير بتقديم معلومات إلى إسرائيل تسببت في هجوم على منزل ياسين نصّار في 2003 نتج عنه مقتل ابنه محمد، ومحاولة قتل حازم رحيم، القيادي في الجهاد الإسلامي في سبتمبر/أيلول 2004. وتقول عائلة شريّر إن الأسباب الحقيقية لتوقيف وإدانة عبد الكريم شخصية، وزعمت أنه توفرت لديه معلومات على أن العديد من عناصر كتائب القسام، الجناح العسكري لـ حماس، لهم علاقات جنسية خارج إطار الزواج.

واستنادًا إلى وثيقة صادرة عن وزارة الداخلية، قامت كتائب القسام بتوقيف عبد الكريم شرير في 17 يوليو/تموز 2008. [68] وقالت والدته لـ هيومن رايتس ووتش إن عدة أشخاص يرتدون أقنعة قاموا باعتقاله في منزل عائلته في منطقة الزيتون بينما كان جالسًا هناك معها ومع زوجته وابنه. كما قالت صفية شرير إن العائلة لم تتمكن من معرفة مكان احتجازه. وقالت عائلة عبدا لكريم ومحاميه إنه تعرض في الأسابيع التالية للتعذيب في مكان مجهول. وفي 25 يوليو/تموز 2008 اشتكت أمه إلى الشرطة بأن ابنها تعرض للاختطاف. [69]

لم يصدر أي تصريح بتوقيفه، أو لتمديد احتجازه. وقامت كتائب القسام بنقل عبد الكريم شرير إلى الحبس طرف الأمن الداخلي في 8 أغسطس/آب. ويعود تاريخ أول سجلات احتجازه إلى 9 أغسطس/آب عندما طالب المدعي العسكري أحد القضاة العسكريين بتمديد احتجازه لمدة 15 يومًا على ذمة التحقيق، استنادًا إلى وثيقة صادرة عن مكتب المدعي العسكري. وتحتوي هذه الوثيقة على السبب الذي يُزعم أن شرير اعتقل من أجله وهو تهمة التعاون مع عملاء إسرائيليين منذ بداية 2002، قبل قيام إسرائيل بسحب مستوطنيها وقواتها من غزة في 2005. [70] ويُزعم أن شرير قام بنقل معلومات تسببت في مقتل ياسين نصار والهجوم على حازم رحيم. [71]  

وتمكن ب، المحامي الذي مثّل عبد الكريم شرير أمام المحكمة العسكرية الابتدائية، من الالتقاء به في ذلك اليوم، 8 أغسطس/آب، في قسم الأمن الداخلي بسجن السرايا. [72]

واستنادًا إلى سجلات المحكمة، تم استجواب عبد الكريم شرير من قبل المدعي العسكري في 18 أغسطس/آب و 2 سبتمبر/أيلول. وتزعم عائلته ومحاميه أنه تعرض للتعذيب على يد ضباط الأمن الداخلي طيلة فترة احتجازه. وقام المدعي العسكري باستجوابه في مجمع الأمن الداخلي في الأنصار.

وقالت والدة عبد الكريم شرير إن مسؤولي السجن منعوها من مقابلة ابنها إلى أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2008 عندما تم نقله من سجن السرايا إلى سجن المشتل. وأضافت: "أخذوني في سيارة جيب إلى المشتل، وكانت رجلاه زرقاء ومتورمتين، وكانت توجد آثار حروق على صدره، وآثار أغلال على يديه وذراعيه، وكان مصاباً بكدمات في وجهه. وقال أحد الحراس إنه سقط من سريره. وعندما قام حاول الوقوف، كان يوجد بعض الدم على كرسيه". كما تمكنت أمه من رؤيته مرة أخرى أواخر نوفمبر/تشرين الثاني أو أوائل ديسمبر/كانون الأول عندما نُقل مرة أخرى إلى سجن السرايا، وقالت: "جلست معه ولاحظت أن وجهه كان متورمًا. كان يتحرك بصعوبة". كما قالت أمه إن القوات الإسرائيلية قصفت مبنى السرايا في ديسمبر/كانون الأول 2008، ففرّ وعاد إلى المنزل، ولكن العائلة أبلغت حماس بمكانه. وفي آخر يناير/كانون الثاني 2009، بعد انتهاء العملية العسكرية الإسرائيلية، قام مسؤول في الأمن الداخلي يُدعى عبد القادر جودة، وهو الذي أدلى بشهادته لاحقا للمدعي العسكري، باعتقاله. وبعد ذلك أحتجز عبد الكريم شرير في عدة أماكن بما في ذلك مركز شرطة الشجاعية وسجن الأنصار. وقالت أمه: "بعد ذلك، كنا نلتقي به كل يوم اثنين، بداية من فبراير/شباط 2009". [73]

وفي 4 ديسمبر/كانون الأول 2008، وجه المدعي العسكري إلى عبد الكريم شرير تهمة التعاون والمشاركة في القتل [74] ، وتمت محاكمته أمام محكمة عسكرية ابتدائية.

وفي 2 و29 يوليو/تموز 2009، عندما شهد ضده شهود الادعاء، غادر شرير ومحاميه قاعة المحكمة، بحسب ما قاله المحامي. [75]

كما قال ب، محامي عبد الكريم شرير، إنه أكد في المحكمة على تعرض موكله إلى التوقيف التعسفي دون تصريح على يد جهاز غير مرخص له ومختلف عن الشرطة المدنية، واحتجازه لفترة أطول مما هو مسموح به قبل عرضه على النيابة، وأن "جميع المعلومات التي حصلوا عليها من شرير انتزعت منه تحت الإكراه". [76] وأضاف المحامي إنه قال أثناء جلسات المحاكمة إن شرير "مازال يحمل كدمات واضحة، وأبرزتها للقاضي، وأنه كانت عليه آثار حروق وأنه كان عاجزاً عن التنفس بانتظام، فأجاب القاضي: حسناً حسناً".

وفي 29 أكتوبر/تشرين الأول 2009، أدانت المحكمة الابتدائية العسكرية، بحضور ثلاثة قضاة، عبد الكريم شرير وحكمت عليه بالإعدام. وينص الحكم على أنه تم توقيف شرير في 9 أغسطس/آب 2008. كما يذكر النص أن المحكمة رفضت إلغاء القضية الموجهة إليه على خلفية أن حقوقه تعرضت إلى الانتهاك، وتوقيفه دون تصريح، وعدم السماح له بمقابلة محام، واحتجازه بشكل غير قانوني كلها إجراءات تم "إصلاحها" عندما تم اقتياد شرير إلى الشرطة، التي قامت بدورها بعرضه على المدعي العسكري. [77] ونص الحكم على أن المدعي العسكري كان مصيبًا عندما "واصل العمل على القضية"، و"أنه استنادًا إلى القانون، يجب إلغاء الإجراءات الخاطئة فقط وليس جميع الإجراءات". [78] وقبلت المحكمة معلومة قدمها مسؤول في الأمن الداخلي مفادها أن شرير كان متعاونًا أثناء التحقيق من تلقاء نفسه وأنه لن يتعرض إلى أي ضغوط. [79]

واستتبع صدور حكم الإعدام الاستئناف عليه. وأطلع ق، محامي عبد الكريم شرير أمام محكمة الاستئناف العسكرية، أطلع هيومن رايتس ووتش على ملفات القضية، [80] وقال إنه مُنع لفترة ما من مقابلة موكله. كما قال ق: "تحدثت شخصيًا مع النائب العام، ولكنه قال إنهم لا يستطيعون السماح لي بمقابلته لأن الأمر يتعلق بمسألة أمنية". [81]

وجرت محاكمة الاستئناف بين مايو/أيار 2009 و19 أبريل/نيسان 2011، وانعقدت فيها 30 جلسة، قدم فيها الادعاء ستة شهود والدفاع عشرة شهود. وأكد ق على أن العناصر المكونة لاعتراف عبد الكريم شرير كانت خاطئة ومتناقضة بشكل جليّ. [82]

وأيدت محكمة الاستئناف إدانة شريّر وعقوبة الإعدام في حكم صدر يوم 19 أبريل/نيسان 2011. إلا أن نص الحكم لا يذكر مزاعم شريّر بتعرضه للتعذيب أثناء الاحتجاز.

وتم إعدام عبد الكريم شريّر رميًا بالرصاص على الساعة الرابعة والنصف من فجر 4 مايو/أيار 2011. وقالت عائلته إنها استطاعت التحدث إليه حتى الساعة الثانية فجرًا وهو في السجن يوم إعدامه، ولكن عملية الإعدام كانت مفاجئة. وقالت والدة عبد الكريم شرير بعدما سمعت بخبر إعدامه: 

ذهبت إلى مستشفى الشفاء، وحاولت رؤية ابني. كان يجب علينا إعداد الجثة، ولكنهم منعوني من رؤيتها، وقام أحدهم بإعدادها، لا أعرف من بالضبط، ثم وضعوها في سيارة إسعاف. وعلى الساعة السابعة صباحًا، اتصلوا ببشير، شقيقه [الذي تأكد من هوية الجثة]، وقالوا له إنه يمكن للعائلة الحضور على الساعة السابعة والنصف ليشهدوا الدفن. مُنعنا من دفنه، ولما وصلنا إلى المقبرة، قالوا لنا إنه يمكننا فقط تقبيل خديه، ولما حاولت احتضانه، ضربني شرطي بهراوة. لقد ضربوني وضربوا إخوته، ولم نتمكن من دفنه. [83]   

واطلعت هيومن رايتس ووتش على وصفة طبية تحمل اسم صفية شريّر من مستشفى القدس فيها بعض الأدوية المسكّنة، وكريم، وصورة بالأشعة ليدها ورأسها وحوضها بسبب إصابات قالت إنها تعرضت لها أثناء الدفن.

وفي وقت لاحق من اليوم الذي تم فيه الإعدام، أعلن قادة حماس وفتح عن الشروع في خطة للمصالحة السياسية في مؤتمر صحفي عُقد في القاهرة.

[58]طلب موظفو المنظمةعدم ذكر أسمائهم، وعلى هيومن رايتس ووتش اخفاء أسماء الأشخاص المعنيين بالقضايا. وقامت هيومن رايتس ووتش بتغيير بعض المعطيات وألغت معطيات اخرى في الملخص التالي.

[59]من مقابلة هيومن رايتس ووتش مع موظفي المنظمة الحقوقي، مدينة غزة، 22 مايو/أيار 2011.

[60] اطلعت هيومن رايتس ووتش على الملفات في مدينة غزة في 21 مايو/أيار 2011. وطلب المحامي عدم تحديد هويته.

[61] من مقابلة هيومن رايتس ووتش مع ن، محام من القطاع الخاص، مدينة غزة، 18 مايو/أيار 2011.

[62] من مقابلة هيومن رايتس ووتش مع م، محام من القطاع الخاص، مدينة غزة، 19 مايو/أيار 2011.

[63] من مقابلة هيومن رايتس ووتش مع ي، محام من القطاع الخاص، مدينة غزة، 18 مايو/أيار 2011.

[64] من مقابلة هيومن رايتس ووتش مع ف، مدينة غزة، 19 مايو/أيار 2011.

[65] من مقابلة هيومن رايتس ووتش مع ج، النصيرات، 19 مايو/أيار.

[66] من مقابلة هيومن رايتس ووتش مع م، النصيرات، 19 مايو/أيار 2011.

[67] من مقابلة هيومن رايتس ووتش مع صفية أحمد شرير، الزيتون، 24 مايو/أيار 2011.

[68] الوثيقة مختومة الشرطة وتحمل تاريخ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2008. وقالت عائلة عبد الكريم شرير إنهم طلبوا من وزارة الداخلية إصدار هذه الوثيقة.

[69] استنادًا إلى وثيقة مؤرخة وتحمل ختم وحدة المباحث في الشجاعية وتحمل توقيع الضابط محمود بلبيسي.

[70] اطلعت هيومن رايتس ووتش على الوثيقة، وهي يحتفظ بها باسم شرير.

[71] استنادًا إلى وثيقة الادعاء، كان عبد الكريم شرير على اتصال بشخص اسرائيلي يدير المعمل الذي كان يعمل فيه. وخلال إحدى الاجتماعات، يُزعم أن شرير حدد صورًا لبعض المقاتلين الفلسطينيين واستلم مقابل ذلك هاتفًا خلويًا ومبلغ تسعة آلاف شيكل (2330 دولار أمريكي). كما يُزعم أن شرير اشترى بعد ذلك جهاز حاسوب وأرسل منه معلومات في شكل رسائل مشفرة إلى الجانب الإسرائيلي. وقالت عائلته إن مستواه التعليمي لم يتجاوز السادسة ابتدائي فكيف يمكن له إرسال رسائل مشفرة عبر الانترنت. بينما قال محاميه، ب، إن "عبد الكريم يستطيع فقط كتابة اسمه، ولم تتم قط ترقيته في شرطة السلطة الفلسطينية التي انضم إليها في 2003 لأنه لم يكن متعلمًا". ولم تتمكن هيومن رايتس ووتش من التأكد من صحة هذه المزاعم من قبل الادعاء أو الدفاع.

[72] من مقابلة هيومن رايتس ووتش مع ب، محامي من القطاع الخاص، الزيتون، 26 مايو/أيار 2011.

[73] من مقابلة هيومن رايتس ووتش مع صفية أحمد شريّر، الزيتون، 24 مايو/أيار 2011.

[74] وجه المدعي العسكري تهمًا بالتعاون مع العدو عملا بالمواد 131 (أ)، و134، و140 (ب)، و148، والمشاركة في القتل عملا بالمواد 378 (أ)، و88، من القانون الجزائي الثوري لمنظمة التحرير الفلسطينية لسنة 1979.

[75] سمحت المحكمة للزوجة السابقة لـ عبد الكريم شريّر بالشهادة ضدّه، في انتهاك للقانون الجزائي لمنظمة التحرير الفلسطينية لسنة 1979. وذكرت المحكمة أن شهادتها مذكورة في نصّ الحكم.

[76] أثناء الجلسات، في يوليو/تموز 2009، قدم الدفاع شهودًا وأدلة علة أن عبد الكريم شريّر لم يكن ضالعًا في مراقبة سيارة حازم رحيم، وان عناصر كتائب القسام قد قامت فعلا بقتل المتعاون الذي تسبب في مقال حازم رحيم في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2004 (وكان رحيم قد قُتل في يوليو/تموز 2004)، وأن التفجير الذي تسبب في مقتل ابن ياسين نصّار لم يكن ناجمًا عن هجوم إسرائيلي بل عن انفجار لأسلحة كانت موجودة هناك. ولا تستطيع هيومن رايتس ووتش تأكيد مصداقية أي من المزاعم أو الأدلة التي استعملها الدفاع.

[77] مراجعة هيومن رايتس ووتش عن الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية الابتدائية، 25 مايو/أيار 2011.

[78] مراجعة هيومن رايتس ووتش عن الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية الابتدائية، 25 مايو/أيار 2011.

[79] مراجعة هيومن رايتس ووتش عن الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية الابتدائية، 25 مايو/أيار 2011.

[80] مراجعة هيومن رايتس ووتش للحكم الصادر عن محكمة الاستئناف العسكري، 28 مايو/أيار 2011.

[81] من مقابلة هيومن رايتس ووتش مع ق، محامي من القطاع الخاص، مدينة غزة، 28 مايو/أيار 2011.

[82] في أحد الأمثلة، زعم الادعاء أن عبد الكريم شريّر استلم مالا من ضابط مخابرات إسرائيلي في يناير/كانون الثاني 2006، ولكن جواز سفر شريّر يحمل في ذلك التاريخ ختم "مُنع من الدخول، معبر اللنبي" من قبل جهاز مراقبة الحدود الإسرائيلي. ولكن الحكم النهائي لا يذكر هذا الدليل، ويحتوي على تناقضات عدة في اعترافات عبد الكريم شريّر، وقال ق في المحكمة إنها تثبت أن الاعترافات انتزعت منه بالإكراه.

[83] من مقابلة هيومن رايتس ووتش مع صفية أحمد شريّر، الزيتون، 24 مايو/أيار 2011.