ملخص
يركز هذا التقرير على فشل منظومة العدالة الجنائية في غزة تحت حكم حماس، بما في ذلك قوات الأمن، والمدعون العامون ، والقضاة، في تطبيق القانون، واحترام حقوق المحتجزين والمتهمين الجنائيين، ومحاسبة المسؤولين عن ارتكاب انتهاكات خطيرة.
ويُوثق التقرير، اعتمادًا على مقابلات أجريت مع محتجزين سابقين ومحامين ومنظمات حقوقية، ومراجعات لملفات قضايا وأحكام صادرة عن المحاكم، يوثق كيف تقوم قوات الأمن التابعة لحماس في غزة بتنفيذ عمليات توقيف دون تقديم تصاريح بالتوقيف، وترفض إعلام عائلات المحتجزين بأماكن احتجازهم، وتمنعهم من الاتصال بمحام، وتقوم بتعذيبهم وهم رهن الاحتجاز.
في أغسطس/آب 2008، تم توقيف عبد الكريم شرير على يد عناصر من كتائب القسام، الجناح العسكري لـ حماس، وقاموا باحتجازه وتعذيبه في مكان مجهول لمدة ثلاثة أسابيع قبل نقله إلى الشرطة. وبعد ذلك، أصدر المدعي العسكري أمرًا باحتجاز عبد الكريم شرير واستجوابه من طرف جهاز الأمن الداخلي، ليتم بعد ذلك اتهامه بالتعاون مع إسرائيل اعتمادًا على معلومات زعم محاميه أنها انتزعت منه تحت التعذيب. كما قالت عائلة شرير إن عبد الكريم تعرض إلى التعذيب على يد محققي الأمن الداخلي، وحرموه من الالتقاء بعائلته حتى أكتوبر/تشرين الأول. كما قالت أم عبد الكريم شرير إنها عندما تمكنت من لقائه لأول مرة، كانت هناك كدمات على رجليه ووجهه، وكانت رجلاه متورمتين، وكانت توجد آثار أغلال على يديه، وحروق في صدره. ولكن المحاكم العسكرية لم تعر الاهتمام الكافي لمزاعم عبد الكريم شرير بتعرضه للتعذيب، واعتبرت أن أمر المدعي باحتجاز واستجوابه كان كفيلا بـ "إصلاح" الانتهاكات السابقة، بما في ذلك توقيفه دون تصريح وبمعزل عن العالم الخارجي. ثم تم الحكم على عبد الكريم شرير بالإعدام، وأعدم فعلا رميًا بالرصاص في مايو/أيار 2011. وقالت والدته إن سلطات حماس منعت العائلة من دفنه، و أ ن الشرطة اعتدت عليها بالضرب عندما حاولت احتضان جثته أثناء الدفن.
وليس أفراد عائلة شرير إلا جزءاً من شهود عدة آخرين قالوا إن جهاز الأمن الداخلي، ووحدة المخدرات التابعة لقوات الشرطة المدنية، والمباحث كلهم يقومون بتعذيب المحتجزين. كما قالت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، وهي منظمة حقوقية غير حزبية تراقب انتهاكات حقوق الإنسان في الضفة الغربية أيضا، إنها تلقت 147 شكوى بالتعرض للتعذيب على يد هذه القوات في 2011. وكمؤشر على هشاشة منظومة العدالة، قال ثلاثة محامين من القطاع الخاص لـ هيومن رايتس ووتش إنهم تعرضوا أيضًا إلى التوقيف والتعذيب على يد قوات الأمن التابعة لحماس.
وتُعتبر الممارسات القمعية للأجهزة الأمنية في غزة انتهاكًا للمعايير الحقوقية التي تعهدت حماس باحترامها، وتعديًا على القوانين الفلسطينية. وتنص هذه القوانين على حصول الشرطة على تصاريح توقيف وتفتيش قبل القيام بهذه الإجراءات، وتمنع التعذيب واستخدام الاعترافات التي يتم انتزاعها تحت التعذيب. ولكن ضباط الأمن عادة ما يقومون بتوقيف المدنيين وتقديمهم إلى القضاء العسكري في غزة، رغم أن ولايته لا تشمل إلا الجرائم العسكرية فقط.
وتبرز الحالات السبعة التي يوثقها هذا التقرير أن المنظومة القضائية في غزة، بفروعها المدنية والعسكرية، فشلت بشكل دائم في مساءلة أجهزة الأمن، التي تعمل خارج نطاق القانون، بشأن احترام حقوق المحتجزين. وفي الحالات التي قامت هيومن رايتس ووتش بدراستها، لم يقم جهاز القضاء بإلغاء أي قضايا جنائية ضد محتجزين بسبب انتهاكات في سلامة الإجراءات، وتجاهل أو فشل في التحقيق في مزاعم المحتجزين بتعرضهم للتعذيب. ويزعم مسؤولو حماس أنهم قاموا بتأديب المئات من عناصر الأجهزة الأمنية بسبب ارتكاب انتهاكات منذ سيطرة حماس على السلطة في 2007، ولكن حماس لم تقم أبدًا بنشر أي معلومات حول المسؤولين المعنيين أو التدابير التأديبية التي تم اتخاذها. ويبدو أن عناصر من جهاز الأمن الداخلي يواصلون التمتع بالإفلات المطلق من المحاسبة رغم وجود مزاعم ذات مصداقية حول ارتكابهم لانتهاكات خطيرة.
قال محتجزون سابقون ممن زعموا أنهم تعرضوا إلى انتهاكات على يد الأجهزة الأمنية إنهم فقدوا الأمل في تحقيق العدالة. وعبر العديد منهم عن تخوفهم من رواية ما حدث لهم أثناء الاحتجاز، حتى بعد اشتراط الحفاظ على سرية هوياتهم. وقال بعض الرجال إنهم احتاجوا إلى رعاية طبية بسبب التعذيب، وسعوا إلى الحصول على أدلة على تعرضهم للتعذيب، ولكن مسؤولي المستشفى رفضوا ذلك. وتعلم هيومن رايتس ووتش بوجود ثلاث حالات على الأقل قامت فيها حماس بإعدام مساجين كانت السلطات القضائية قد أصدرت أحكاما في حقهم دون التحقق من مزاعم ذات مصداقية تفيد بأن إدانتهم تمت اعتمادًا على اعترافات انتزعت منهم تحت التعذيب.
وتوصلت هيومن رايتس ووتش، في بحوث سابقة حول العنف السياسي الفلسطيني الداخلي وارتكاب انتهاكات في حق المحتجزين، إلى أن أهم عامل يؤدي إلى ارتكاب هذه الانتهاكات هو النزاع بين حماس وغريمتها السلطة الفلسطينية الذي نتج عنه في بعض الأحيان تبادل للعنف في غزة والضفة الغربية. ومازال الصراع السياسي الفلسطيني الداخلي أهم سبب في ارتكاب انتهاكات في حق المحتجزين، ولكن أيضا تواترت تقارير أخرى حول ارتفاع وتيرة الانتهاكات في غزة في حق محتجزين متهمين بجرائم غير سياسية. ومن بين الضحايا الذين زعموا التعرض إلى الانتهاك ممن التقت معهم هيومن رايتس ووتش يوجد أشخاص محتجزون للاشتباه في تعاونهم مع إسرائيل أو السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وآخرون متهمون بارتكاب جرائم مخدرات واحتيال. وقال محامو حقوق الإنسان في غزة إنهم لم ينقطعوا عن استلام نفس النوع من المزاعم بالتعرض إلى التعذيب من الضحايا حتى بعد أن أعلنت حماس وفتح عن المصالحة السياسية في مايو/أيار 2011.
وقامت هيومن رايتس ووتش بتوثيق انتهاكات ارتكبتها السلطات الحاكمة في غزة، وإسرائيل، والضفة الغربية بشكل محايد. ولا يحاول هذا التقرير إجراء مقارنة بين الانتهاكات التي ترتكبها حماس وتلك التي ترتكبها قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، حيث قامت هيومن رايتس ووتش أيضًا بتوثيق توقيفات تعسفية وحالات تعذيب وإفلات من المحاسبة. وكجزء من أي اتفاق مصالحة، يتعين على السلطات الفلسطينية في غزة والضفة الغربية ضمان التعويض المناسب لضحايا التعذيب وغيره من ضروب العقوبة أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وتقديم عناصر قوات الأمن المسؤولة عن التعذيب إلى العدالة.
ومع وجود أدلة ذات مصداقية حول الانتشار الواسع للانتهاكات الخطيرة لإجراءات التقاضي السليمة، وممارسة التعذيب وسوء المعاملة بشكل منتظم، يتعين على حماس اتخاذ الخطوات المناسبة لإصلاح نظام العدالة بما يعزز سيادة القانون ويحمي حقوق المحتجزين. كما يجب على حماس أن تعلن على الفور وقف تنفيذ أحكام الإعدام في القضايا التي قد يُعاقب عليها بالإعدام. وعلى ضوء العديد من حالات التوقيف التي لم يتم فيها إبلاغ أفراد العائلة والمحامين، أو لم يتمكنوا من تحديد قوات الأمن التي تحتجز الشخص بشكل سريع، فإنه يتعين على حماس أن تضمن أن تنفيذ عمليات التوقيف تقوم به فقط قوات الأمن المؤهلة قانونيًا للقيام بذلك. كما يتعين عليها وقف محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري. (منذ 2011، قلصت السلطة الفلسطينية من عدد عمليات التوقيف والمحاكمات العسكرية في حق المدنيين في الضفة الغربية). ويجب على حماس أيضًا أن تضمن بشكل علني حق جميع المحتجزين في الاتصال بعائلاتهم أو محامييهم مباشرة بعد التوقيف، والسماح لعائلاتهم ومحاميهم بزيارتهم سريعاً بعد التوقيف. كما يجب عليها ضمان الإسراع بعرض المحتجزين على قاض مستقل بعد التوقيف.
كما يتعين على حماس أن تضمن أن جميع عناصر قوات الأمن يتحملون المسؤولية الجنائية عن ارتكاب انتهاكات في حق المحتجزين، ومعاقبة المدعين والقضاة الذين يتغاضون عن هذه الانتهاكات، بممارسات من قبيل إصدار تصاريح توقيف بتواريخ سابقة أو القبول بأدلة، رغم وجود مزاعم ذات مصداقية عن انتزاعها تحت التعذيب. ويجب أيضًا على سلطات حماس تعزيز آليات المراقبة ورفع الدعاوى التي تجعل الأجهزة الأمنية تحت المراقبة، بما في ذلك توفير موارد أكبر للتحقيق مع عناصر الأمن الذين توجد مزاعم بارتكابهم لانتهاكات، ومقاضاتهم. وكذلك يتعين على حماس تسهيل عمل المنظمات الحقوقية في غزة، بما في ذلك الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، لمراقبة ظروف التوقيف والنظر في المزاعم المتعلقة بالتعرض للانتهاكات.
© 2012 Human Rights Watch






