يجب التحقيق في وقائع القتل وتشديد القبضة على المليشيات غير المشروعة
يونيو 14, 2013
هناك حاجة إلى تحقيق فوري وشامل للنظر في تلك الجرائم وتفسير عدم تدخل القوات الحكومية في معركة حامية الوطيس لحين سقوط القتلى بالعشرات. كما تحتاج الحكومة إلى إنهاء إفلات انتهاكات المليشيات من العقاب، وهو ما استثار هذه المظاهرة في الأساس، حيث أن سياستها غير المتسقة حيال المليشيات تعرض أي أمل في سيادة القانون للخطر.
إريك غولدستين، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

(طرابلس) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على السلطات الليبية إجراء تحقيق سريع وشامل في الاشتباكات العنيفة التي وقعت في بنغازي يوم 8 يونيو/حزيران 2013 وخلفت وراءها 32 قتيلاً. قالت المنظمة أيضاً إنه يجب على السلطات أن تحاسب المسؤولين عن مخالفة القانون.

وصف شهود لـ هيومن رايتس ووتش كيف تجمع متظاهرون في بنغازي عند مقر لواء درع ليبيا1، وهو أحد أكبر المليشيات في المدينة، للاحتجاج على مسلكه الذي اعتبره المتظاهرون مسيئاً وغير مبرر، وللمطالبة بنشر قوات الجيش الليبي النظامي والشرطة بدلاً منه. قال الشهود إن المظاهرة تصاعدت من إلقاء المتظاهرين للحجارة وإطلاق طلقات نارية لتفريق الحشود، إلى إطلاق النار من الجانبين، وإطلاق المليشيا لأسلحة مضادة للطائرات، مما نتج عنه قتل وجرح عشرات الأشخاص. بعد عدة ساعات استولت القوات الخاصة للجيش الوطني على قاعدة اللواء.

رد البرلمان الليبي، المؤتمر الوطني العام، على وقائع القتل بإصدار مرسوم يطلب من النائب العام التحقيق، لكن الواقعة تبرز حاجة الحكومة إلى كبح جماح الجماعات المسلحة، بحسب هيومن رايتس ووتش.

قال إريك غولدستين، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "هناك حاجة إلى تحقيق فوري وشامل للنظر في تلك الجرائم وتفسير عدم تدخل القوات الحكومية في معركة حامية الوطيس لحين سقوط القتلى بالعشرات. كما تحتاج الحكومة إلى إنهاء إفلات انتهاكات المليشيات من العقاب، وهو ما استثار هذه المظاهرة في الأساس، حيث أن سياستها غير المتسقة حيال المليشيات تعرض أي أمل في سيادة القانون للخطر".

قال شهود لـ هيومن رايتس ووتش إن اثنين من القتلى على الأقل كانا من لواء درع ليبيا1، واثنين من القوات الخاصة، والباقين من سكان بنغازي الذين انضموا للمظاهرة. قال شخص يعمل بمستشفى الجلاء، الذي استقبل الكثير من الجرحى والقتلى، لـ هيومن رايتس ووتش إن ما يقرب من 27 متظاهراً جريحاً نقلوا إلى مصر لتلقي العلاج، بينما نقل آخرون إلى تونس. وكان هناك عدد أصغر من جرحى القوات الخاصة ينتظر النقل إلى بلد ثالث للعلاج. ما زال بعض الجرحى في حالة حرجة.

تضاربت التقارير حول كيفية تطور الواقعة.

قال أحد سكان بنغازي لم يشأ الكشف عن اسمه لـ هيومن رايتس ووتش إن المظاهرة تمت لأن "أهل بنغازي لا يريدون وجود أي لواء في مدينتهم".

قال شهود اشتباكات ما أسموه "السبت الأسود" إن أفراداً من قبيلة البراغثة المتمركزة في بنغازي ذهبوا إلى قاعدة لواء درع ليبيا1 بمنطقة الكويفية للمطالبة بإغلاقها، وإيداع مظلمة ضد أحد أعضاء المليشيا الذي اتهموه بالإساءة إلى السكان. قال الشهود إن الوفد التقى قائد اللواء، وسام بن حميد. وبعد مغادرة وفد البراغثة للمعسكر، قام المتظاهرون بإلقاء الحجارة على المليشيا، التي أطلقت طلقات تحذيرية لتفريق الحشود.

قال أحد المتظاهرين، وقد طلب عدم ذكر اسمه أيضاً، إنه وصل بعد بدء الاشتباكات. كان عدد المتظاهرين المسلحين ضئيلاً، في مقابل المليشيا كثيفة التسليح:

كنت في قلب الواقعة. كانوا يطلقون النار بالفعل على الناس [عند وصولي]. المسألة واضحة، خرج الناس للاحتجاج على وجود المليشيات التي تعتقل وتقتل وتعذب.


وقدم خليل عريق، وهو قائد ميداني في لواء درع ليبيا1، روايته عن كيفية بدء المظاهرة، فقال لـ هيومن رايتس ووتش إنه رأى شخصاً يلقي بقطعتين من المتفجرات منزلية الصنع، المعروفة محلياً بـ"الجيلاتينة" في اتجاه القاعدة، ما استفز رد الفعل. واعترف بأن المليشيا استخدمت أسلحة ثقيلة بعد ذلك، تشمل الأسلحة المضادة للطائرات، ضد المتظاهرين، لكنه زعم أن المتظاهرين بدورهم استخدموا المدافع الرشاشة:

بدأت المظاهرة سلمية ثم بدأ بعض السكان يقذفون اللواء بالحجارة. فتحت أبواب اللواء وبدأت الاشتباكات. كنت خارج اللواء بجوار المتظاهرين لضمان قدرتنا على الاستجابة المناسبة إذا خرجت الأمور عن السيطرة. وقد رأيت بالقطع أحد أفراد القوات الخاصة بالجيش، وأنا أعرفهم، واقفاً وسط المتظاهرين. كما رأيت أعضاء مسلحين من لواء آخر لقبيلة البراغثة وسط الحشود.

قال إريك غولدستين: "سواء استطاع التحقيق الحكومي تحديد هوية من أطلق الطلقة الأولى أو لا فإن ما يهم هنا هو إخفاق السلطات التام في توفير الحماية الأساسية لشعبها. وقد دفع هذا الإخفاق عشرات المواطنين إلى تولي الأمور بأنفسهم".

تم إنشاء ألوية درع ليبيا من المجموعات المسلحة المناهضة للقذافي لدعم الجيش الوطني بعد سقوط نظام القذافي في 2011، وكانت تعمل تحت قيادة رئيس أركان الجيش، يوسف المنقوش، لكنه استقال في 9 يونيو/حزيران ـ وهو اليوم التالي لواقعة بنغازي المميتة.

من بين ألوية درع ليبيا الـ12 المنتشرة في أنحاء البلاد، اتخذ 4 منها قواعد لها في بنغازي ـ 1 و2 و7 و10. قام اللواءان 2 و10 بتسليم أسلحتهما وقاعدتيهما إلى الجيش الوطني بعد تمرير المؤتمر الوطني العام لمرسوم يأمر بحل كافة الألوية التي ليس لها انتماء رسمي إلى القوات المسلحة اعتباراً من 9 يونيو/حزيران، بعد يوم من وقائع القتل. كان اللواء 7 مسؤولاً عن تأمين منطقة الكفرة جنوبي ليبيا، وكان في طريق العودة إلى بنغازي عقب صدور مرسوم المؤتمر الوطني العام. وقّع آلاف من أفراد درع ليبيا على عقود مع رئيس أركان الجيش وتسلموا رواتب ومدفوعات أخرى بشكل متقطع.

في 9 يونيو/حزيران أصدر المؤتمر الوطني العام المرسوم 53/2013 الذي يقضي بقبول استقالة المنقوش وتوجيه الأمر للحكومة باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة ـ بما فيها استخدام القوة ـ لإغلاق "الألوية والتشكيلات المسلحة غير المشروعة" في ليبيا. كما منح المرسوم رئيس الوزراء علي زيدان مهلة أسبوعين لإنشاء آلية لدمج أفراد الجماعات المسلحة الذين حصلوا على "الشرعية" [من الحكومة] في صفوف الجيش الوطني وقوات الأمن الوطنية. ينبغي أن تكتمل العملية بنهاية 2013، بحسب مرسوم المؤتمر الوطني العام.

قال إريك غولدستين: "على الحكومة الليبية أن توضح بما لا يدع مجالاً للبس أنها قادرة ومستعدة لمنع المآسي من قبيل ما حدث في بنغازي. لا ينبغي أن يموت 32 مواطناً حتى تستيقظ السلطات وتتحرك".

إضافة إلى الجماعات المرتبطة على نحو ما بالحكومة، تواصل عشرات من الجماعات والمليشيات المسلحة العمل خارج رقابة الدولة في ليبيا. ولم تقدم الحكومة خطة شاملة لحل الجماعات المسلحة، تشمل وضع معايير لانضمام أفراد الجماعات المسلحة إلى قوات الأمن الحكومية أو تبين لأعضاء المليشيات الوسائل البديلة للحصول على الدخل والعمل.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي، كخطوة أولى، وضع معايير واضحة لفرز أعضاء المليشيات السابقين الراغبين في الالتحاق بقوات الأمن الحكومية لضمان عدم تورطهم في انتهاكات، بما فيها الجرائم الخطيرة مثل التعذيب أو القتل خارج نطاق القانون.

وثقت هيومن رايتس ووتش العديد من الإساءات والانتهاكات على أيدي المليشيات، تشمل الاختفاءات القسرية والتعذيب المفضي أحياناً إلى الموت. وما زال عدة آلاف من
المحتجزين في عهدة المليشيات بغير وجه حق وبدون مراجعة قضائية ـ وبعضهم في مقرات احتجاز سرية.

أخفق البرلمان الليبي في تمرير قانون للعدالة الانتقالية للتعامل مع إساءات وانتهاكات الماضي التي ارتكبتها المليشيات بعد سقوط معمر القذافي. وفي المقابل فإن قانون 38/2012 بشأن بعض الإجراءات الخاصة بالمرحلة الانتقالية، الذي تم تمريره في 2 مايو/أيار 2012، يمنح المقاتلين المناهضين للقذافي
عفواً واسع النطاق. يقرر القانون أنه لن تكون هناك عقوبة "على ما استلزمته ثورة السابع عشر من فبراير من تصرفات عسكرية أو أمنية أو مدنية قام بها الثوار بهدف إنجاح الثورة أو حمايتها".

قال إريك غولدستين: "لا يمكن للسلطات الليبية أن تسمح للمليشيات بالاحتفاظ بقبضتها الخانقة على الأمن والعدالة في الكثير من أرجاء ليبيا. طالما لا يحاسب أحد على الجرائم الكبرى المرتكبة في ليبيا الجديدة فإن دائرة العنف ستستمر".