تصريحات رسمية متناقضة بشأن مقتل أحد المتظاهرين
مارس 16, 2013
يجب على السلطات العراقية التدخل قبل إزهاق المزيد من الأرواح فقوات الأمن تطلق النار بشكل متكرر على المتظاهرين. كما يتعين على الحكومة تحديد الأسباب ومحاسبة كل مسؤول عن استعمال القوة المفرطة.
جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

(بيروت) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على السلطات العراقية أن تأمر بفتح تحقيق فوري ونزيه ومستقل  في قيام الشرطة والجيش بإطلاق النار بشكل مميت على محتجين ضدّ الحكومة في 8 مارس/آذار 2013 وعلى آخرين في الأسابيع الماضية. كما يتعين على السلطات ضمان تقديم المسؤولين عن عمليات القتل غير القانونية أو استعمال القوة المفرطة إلى العدالة.

وربما تسببت الشرطة في مقتل شخص واحد وإصابة عشرات آخرين بجروح عندما أطلقت النار على متظاهرين في الموصل يوم 8 مارس/آذار 2013. وقتل الجنود الذين فتحوا النار على المتظاهرين في الفلوجة في 25 يناير/كانون الثاني، تسعة أشخاص. وفي 9 مارس/آذار، أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع شهود على عمليات إطلاق النار في الموصل، قالوا إن الجنود قاموا أيضًا بتفتيش ومضايقة المتظاهرين عندما اقتربوا من مكان الاحتجاج، وحاولوا منع سيارات الإسعاف من نقل المصابين.

وقال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "يجب على السلطات العراقية التدخل قبل إزهاق المزيد من الأرواح فقوات الأمن تطلق النار بشكل متكرر على المتظاهرين. كما يتعين على الحكومة تحديد الأسباب ومحاسبة كل مسؤول عن استعمال القوة المفرطة".

كانت مظاهرة يوم 8 مارس/آذار في الموصل واحدة من المظاهرات المستمرة بانتظام، التي عمّت المناطق ذات الأغلبية السنية في العراق منذ ديسمبر/كانون الأول 2012، عندما قامت قوات الأمن الحكومية باحتجاز عشرة من حراس وزير المالية رافع العيسوي، وهو شخصية سنية. وجاءت المظاهرات احتجاجًا على ما يسميه المتظاهرون السُنة المعاملة غير العادلة التي تنتهجها الحكومة، وسجن المواطنين السُنة دون أدلة كافية أو عدم وجود أدلة على الإطلاق. في البداية، مرت هذه المظاهرات في أغلبها دون أحداث تُذكر. ولكن في 25 يناير/كانون الثاني، أطلق جنود النار على عديد المظاهرات في الفلوجة وتسببوا في مقتل تسعة أشخاص بعد أن ألقى عليهم المتظاهرون الحجارة. ومنذ ذلك اليوم، قام الجنود وأعوان الشرطة بإطلاق النار على عديد المظاهرات، بما في ذلك مظاهرة 8 مارس/آذار في الموصل. وتسبب ذلك في مقتل متظاهر واحد، هو محمود صالح ياسين، وإصابة تسعة أشخاص آخرين بجروح.

وقال شهود على إطلاق النار في الموصل لـ هيومن رايتس ووتش أن ضباط الشرطة الاتحادية فتحوا النار بعد أن ألقى عليهم متظاهرون الحجارة. ولكن ليس واضحًا ما إذا كانت الشرطة أصدرت أي تحذير قبل أن تطلق النار. ولكن ذلك يتناقض مع الرواية التي قدمتها وزارة الداخلية في وقت لاحق من نفس اليوم والتي اتهمت فيها "متسللين" في صفوف المتظاهرين كانوا يحملون بنادق كلاشنيكوف ببدء إطلاق النار، وهو ما اضطر الشرطة الاتحادية إلى استعمال الذخيرة الحية. كما قالت الوزارة إنها أنشأت لجنة تحقيق للبحث بشكل أكبر في المسألة، لكنها لازمت الصمت في ما إذا كانت الشرطة هي التي قتلت محمود صالح ياسين.

كما قدم اللواء مهدي الغراوي، قائد الفرقة الثالثة للشرطة الاتحادية، الذي قام ضباطه بإطلاق النار في الموصل، قدم رواية مغايرة، في فيديو تم تحميله على موقع يوتيوب. وفي الفيديو يتحدث الغرواي عن إطلاق النار دون أن أي إشارة إلى "متسللين"، بل قال إن المتظاهرين "حاولوا حرق سيارة مكافحة الشغب أو السيطرة عليها" وإن شرطة مكافحة الشغب كانوا "أول قوات الأمن التي تكون على اتصال مع المتظاهرين". كما زعم أن محمود صالح ياسين لم يُقتل في ميدان الأحرار في الموصل حيث تم إطلاق النار. وقال: "صدقوني، لو كانت جثة القتيل داخل الميدان، لتمكن أي شخص من عرضها على الإعلام. هذه الجثة جاءت من خارج الميدان".

ويوجد تشابه بين مزاعم قائد الشرطة وتصريحات حسين الشهرستاني، نائب رئيس الوزراء، في يناير/كانون الثاني، عقب مقتل متظاهرين على يد الجيش في الفلوجة، والتي اتهم فيها المتظاهرين بنقل جثتي شخصين مسلحين قُتلا في نقطة تفتيش ووضعها مع جثث المتظاهرين الذين قُتلوا على يد الجيش.

وقال ثلاثة شهود على عمليات إطلاق النار في الموصل ممن التقت معهم هيومن رايتس ووتش إنهم لم يشاهدوا أي إطلاق نار من داخل صفوف المتظاهرين، ولكنهم أجمعوا على أن المتظاهرين ألقوا الحجارة في اتجاه الشرطة. كما قالوا إن جنودًا قاموا بإهانة المتظاهرين واستفزوهم لفظيًا عندما اقتربوا من ميدان الأحرار، بينما كان حوالي 150 أو مائتي عنصر من الشرطة يتمركزون عند ما يسميه المتظاهرون "بوابة الميدان الجديدة"، التي تؤدي إلى داخل الميدان، وقاموا بتفتيش المارة وتهديدهم بالاعتقال.
كما قال الشهود إن الشرطة تقدمت إلى الأمام عندما بدأ متظاهرون في إلقاء الحجارة عليهم، ثم شرعوا في إطلاق النار. لم ير الشهود محمود صالح ياسين يصاب بإطلاق النار، ولكن أحدهم قال إنه كان داخل الميدان عندما أصيب الرجل في كلتا ساقيه. وقالوا أيضًا إن الشرطة حاولت في البداية منع سيارات الإسعاف من الدخول إلى الميدان، ولذلك تم نقل المصابين إليها. 

وقال جو ستورك: "بالنظر إلى خطورة هذه الأحداث وتضارب الروايات الرسمية وغير الرسمية، يتعين على الحكومة بشكل خاص فتح تحقيق مستقل وشامل لمعرفة ما الذي حصل بالضبط وتحديد المسؤول عن عملية القتل والإصابات. إن تحقيق وزارة الداخلية ليس مستقلا لأنه سيتم بإيعاز من نفس الأشخاص الذين كانوا مسؤولين بالكامل عن قوات الشرطة المتورطة وسيكون تابعا لهم".

وكان قد تم إنشاء لجنة تقصي حقائق برلمانية بعد عمليات القتل التي جدت في 25 يناير/كانون الثاني على يد الجيش، ولكنها لم تنشر بعد النتائج التي توصلت إليها.

واستنادًا إلى القانون الدولي، لا يُسمح لقواتالأمن التي تتولى تنفيذ عمليات شرطيةباستخدام القوة المميتة إلا في ظروف استثنائية، عندما يكون استخدامها ضروريًا جدا لحماية حياتهم أو حياة الآخرين. وحتى في تلك الظروف، بحسب مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، فان قوات الأمن ملزمة باستخدام القوة والأسلحة النارية فقط كحل أخير، عندما تفشل جميع الحلول الأخرى، مع ممارسة ضبط النفس لتقليل الضرر والإصابات والخسائر في الأرواح.

كما تلزم مبادئ الأمم المتحدة الحكومات بمعاملة استخدام القوة والأسلحة النارية بشكل تعسفي، من جانب الأعوان المكلفين بإنفاذ القانون بمن في ذلك الجنود أثناء قيامهم بعمليات أمنية، معاملتها على أنها أعمال يُعاقب عليها القانون.

وقال جو ستورك: "يجب على الحكومة العراقية أن تضمن أن الشرطة وقوات الأمن الأخرى المكلفة بالسيطرة على التجمعات تدرك طرق الردّ المناسبة، وأنها مدربة على هذه العمليات حتى تلتزم بالمعايير التي يحددها القانون الدولي. ويجدر بهذه القوات نزع فتيل التوتر أثناء المظاهرات والاحتجاجات، وأن تقلص استخدام القوة إلى أدنى حدّ ممكن، لا أن تصبّ الزيت على النار بالإسراع في استخدام القوة المميتة أو المفرطة".

روايات حول تصاعد استخدام القوة من قبل الحكومة في ردها على احتجاجات الموصل

قالت تقارير إخبارية وكذلك الشهود الذين تحدثوا إلى هيومن رايتس ووتش إن الجنود أو الشرطة قاموا بإطلاق النار على المتظاهرين في ميدان الأحرار في الموصل في ما لا يقل عن أربع مناسبات مختلفة في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط، كما قاموا بمهاجمة صحفيين من قناتي الشرقية وسما التلفزيونيتين في الموصل. كما دهست عربات عسكرية، أثناء محاولة لتفريق متظاهرين في ميدان الأحرار في 7 يناير/كانون الثاني، عديد الأشخاص وتسببت في إصابة أربعة منهم، وهو ما أدى إلى تعويض الجيش بالشرطة لمواجهة احتجاجات الموصل.

كما قال شهود على احتجاجات 8 مارس/آذار في الموصل لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة تقوم بشكل منتظم بمضايقة المشاركين في المظاهرات. كما قال أشخاص ممن شاركوا في الاحتجاجات إن عناصر من الفرقة الثالثة في الشرطة الاتحادية كانوا يلتقطون صورًا للمتظاهرين لابتزازهم، ويغلقون الطرقات، وكثيرًا ما يهددون الناس بالاعتقال. وقالوا إن الشرطة الاتحادية في الموصل كانت دائمًا تسب المتظاهرين وتصفهم بعبارات من قبيل "إرهابيين" و"أخ العاهرة"، أو تقول لهم: "يا أهل الموصل، أنتم ناس بلا كرامة". كما قال أحد الشهود إن الشرطة رفضت وصول الأكل والدواء إلى داخل الميدان، وإنهم أحيانا ما يختصون النساء والشيوخ بالضرب بحضور المتظاهرين الآخرين.

وقال شهود لـ هيومن رايتس ووتش ان الشرطة قامت باعتقال أشخاص في مستشفيين من منطقة الموصل بعد المظاهرات. وقال أحد الرجال الذين أصيبوا في مظاهرات 8 مارس/آذار لـ هيومن رايتس ووتش إنه غادر المستشفى الذي كان يتلقى فيه علاجًا بعد أن أصيب برصاصة في رجله لأنه تلقى تحذيرات من آخرين بأنهم "كانوا يعتقلون الأشخاص من المستشفى". 

وقال شاهدان لـ هيومن رايتس ووتش انهما تحدثا إلى متظاهرين مصابين في المظاهرات شاهدوا سائقي سيارات إسعاف يُمنعون من الخروج من سياراتهم بينما لدى محاولتهم نقل الجرحى إلى المستشفيات، وإن الشرطة قامت بعد ذلك بمصادرة سيارات الإسعاف. كما قال هذان الشاهدان إن الشرطة كانت أحيانًا تقوم بضرب سائقي سيارات الإسعاف عندما يقومون بنقل الجرحى. كما قال شهود لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة الاتحادية قامت باعتقال الشيخ حسين عُبيد الجبوري، أحد منظمي المظاهرات، في صباح يوم الاحتجاجات بينما كان يسير إلى داخل ميدان الأحرار، وهو المكان الذي تدور فيه المظاهرات. وقال أحد الأشخاص الذين شاركوا عديد المرات في مظاهرات الموصل لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة الاتحادية قامت كذلك باعتقال ثلاثة من أبناء الشيخ الجبوري في وقت لاحق من نفس اليوم. ولكن هيومن رايتس ووتش لم تتمكن من التأكد من صحة هذه الاعتقالات. وقال محمد، وهو أحد منظمي الاحتجاجات في الموصل، الذي طلب عدم استخدام اسمه الحقيقي، إن قوات الأمن "أنشأت طوقًا قويًا على غير المعتاد" في مظاهرات 8 مارس/آذار، و"اتخذت تدابير أمنية أكثر صرامة من الأسابيع الأخرى، وأغلقت نقاط عبور أكثر من المعتاد". كما قال إن قوات الشرطة الاتحادية أنشأت نقاط تفتيش والتقطت صورًا للمتظاهرين "بشكل متواصل":

كانوا يلتقطون صورًا للأشخاص عندما يمرون، ويسحبون أشخاصًا آخرين إلى جانب الطريق ويُجبرونهم على الوقوف قرب الحائط ويلتقطون لهم صورًا مباشرة، وهو ما يبث الرعب في الناس ويجعلهم يشعرون بعدم الأمن.

كما تحدث محمد عن قيام الشرطة الاتحادية بتهديد المتظاهرين بالاعتقال، قال: "أحيانًا يقولون للشخص إنهم تركوه يمر هذه المرة، ولكنهم سوف يعتقلونه إذا عاد إلى هناك. أنا شخصيًا لم أتعرض إلى مثل هذه التهديد. وعادة ما ألبس بدلة وربطة عنق، فيعتقدون أنني ربما من المسؤولين. لقد شاهدت معاملتهم للأشخاص البسطاء العاديين، لقد كانوا ينعتونهم جميعًا بالإرهابيين".  وقال محمد عن يوم 8 مارس/آذار: "بدا الأمر وكأن [الشرطة] كانت تحاول استفزاز المتظاهرين. ائما كانوا دائمًا يصفوننا بالإرهابيين، ثم صارت كلمة "إرهابيين" مستعملة من الطرفين كلما أشاروا في حديثهم إلى أهل الموصل".

وتحدث محمد عن أمثلة أخرى من أشكال مضايقة المتظاهرين، قال: "إن أمورا مثل هذه [إطلاق النار] وقعت في الأسابيع الماضية، ولكن أحدًا لم يُقتل. كان الصحفيون يتعرضون إلى التهديد بشكل متكرر. فرضت الشرطة حظر التجول ليلا، وهو ما صعّب على بعض الأشخاص، وخاصة المسنين، الرجوع إلى منازلهم".   
وكان عمر، البالغ من العمر 35 سنة وهو مهندس معدات طبية، قد أصيب في كلتا رجليه عندما أطلقت الشرطة النار على المتظاهرين. وقال عمر إن العنف الذي جدّ يوم 8 مارس/آذار هو نتيجة لمضايقات الشرطة "التي تنتهك الكرامة والخصوصية" على مدار الـ 72 يومًا من الاحتجاجات:

ضربوا طوقًا على بعد خمسة كيلومترات من مكان المظاهرات، وقاموا بتفتيش الناس. كانوا يتفحصون الهواتف الخلوية ويقرؤون الإرساليات وجميع الوثائق التي يعثرون عليها في جيوب الناس، وكانوا يمنعون وصول الأكل والدواء إلى الميدان. كانت جميع أعمالهم استفزازية، وكانوا يهددون الأشخاص ويستخدمون عبارات طائفية، ويقولون للناس إنهم سوف يتعرضون إلى الاعتقال إن عادوا إلى هناك، ويأمرون بعض الناس الآخرين بالعودة إلى منازلهم. وأحيانا كانوا يقومون بضرب امرأة في حضور متظاهرين آخرين، وخاصة من الشباب لأنهم يعرفونهم سريعي الغضب، وأحيانًا أخرى يقومون بضرب رجال مسنين.   

كما قال عمر إن الشرطة كانت تمنع سيارات الإسعاف من الوصول إلى ميدان الأحرار عندما يصير واضحًا أن بعض المتظاهرين تعرضوا إلى إصابات بالرصاص. وقال: "كانت قوات الأمن تطلق النار بشكل عشوائي بينما كنا نحاول إجلاء الأشخاص". وأضاف:

كنت أحاول تقديم المساعدة لإخراج بعض الأشخاص عندما أصابت رصاصة الأرض غير بعيد عني ثم ارتدّت وأصابتني في رجلي. لم تستقر برجلي بل اخترقتها وأصابتني في رجلي الثانية، فغادرت الميدان وذهبت إلى المستشفى. شاهدت جثة واحدة، ولكن الجميع قالوا انه كانت توجد جثتان اثنتان. 

وقال الشيخ أبو حسان، وهو من منظمي مظاهرات الموصل وعمره 70 سنة، إن أحد سائقي سيارات الإسعاف كان قد عاد إلى الميدان بعد أن حاول نقل متظاهرين مصابين إلى مستشفيات محلية، وقال له إن بعض سائقي سيارات الإسعاف تعرضوا إلى المضايقة والضرب عندما حاولوا نقل مصابين إلى المستشفى.

كما قال لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة كانت تسب المتظاهرين بشكل متواصل، وهو ما جعله يظن أن الشرطة كانت تعمد إلى استفزاز المتظاهرين. وقال: "كانوا يقولون لنا إنه يجب أن نقبل حذاء الغراوي [اللواء المسؤول عن الفرقة الثالثة في الشرطة الاتحادية]".