الهجوم الأكثر دموية أثناء اشتباكات غزة قتل 12 شخصاً
ديسمبر 7, 2012
لم تؤيد الحقائق مزاعم إسرائيل بأن الهجوم على منزل الدلو كان مبرراً. يقع العبء على السلطات الإسرائيلية بأن تفسر لماذا قصفت منزلاً مليئاً بالمدنيين فقتلت 12 شخصاً
فريد أبراهامز، المستشار الخاص في هيومن رايتس ووتش

(نيويورك) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم، بعد إجراء تحقيق ميداني موسع،  إن الغارة الجوية الإسرائيلية التي قتلت 12 مدنياً ـ وهو أكبر عدد من المدنيين يقتل في غارة واحدة أثناء اشتباكات غزة في نوفمبر/تشرين الثاني ـ تمثل انتهاكاً واضحاً لقوانين الحرب.

في 18 نوفمبر/تشرين الثاني أسقطت القوات الإسرائيلية ما يبدو أنه قنبلة جوية كبيرة على منزل عائلة الدلو المكون من 3 طوابق في مدينة غزة، فقتلت عشرة من أفراد العائلة ـ رجل وخمس نساء وأربعة أطفال. كما قُتل شاب وسيدة مسنة من عائلة المزنر التي تسكن المنزل المجاور.

في البداية قال الجيش الإسرائيلي إنه كان يقصد مهاجمة مقاتل من حماس باسم يحيى عباية.  بعد 8 أيام قال الجيش الإسرائيلي إن الهدف كان الرجل المقتول في المنزل، محمد جمال الدلو، 29 سنة، الذي وصفوه بأنه "عميل إرهابي" يعمل لصالح حماس، دون تقديم معلومات تؤيد هذا الزعم. قالت هيومن رايتس ووتش إنه حتى لو كان محمد جمال الدلو، ضابط الشرطة منخفض الرتبة، هدفاً عسكرياً مشروعاً بموجب قوانين الحرب، فإن احتمالات تسبب الهجوم على منزل في قتل عدد كبير من المدنيين تجعل الهجوم يخالف القانون بسبب انعدام التناسب. أي هجوم تتجاوز خسائره المدنية المتوقعة مكاسبه العسكرية يمثل انتهاكاً جسيماً لقوانين الحرب.


قال فريد أبراهامز، المستشار الخاص في هيومن رايتس ووتش، والذى أجرى أبحاثاً في غزة: "لم تؤيد الحقائق مزاعم إسرائيل بأن الهجوم على منزل الدلو كان مبرراً. يقع العبء على السلطات الإسرائيلية بأن تفسر لماذا قصفت منزلاً مليئاً بالمدنيين فقتلت 12 شخصاً".

وقعت الغارة الإسرائيلية في نحو الثانية والنصف مساءً بحي ناصر السكني المزدحم في مدينة غزة. كبير العائلة، جمال الدلو الذي يبلغ من العمر 50 عاماً ويعمل في توزيع الأغذية، قال لـ هيومن رايتس ووتش إنه كان قد ذهب إلى السوق مع ابنه عبد الله لشراء الطعام لعائلته، وبعد ذلك إلى المسجد لأداء صلاة العصر. بينما كان جمال الدلو يصلي، تلقى ابنه مكالمة هاتفية تفيد بأن منزلهم تعرض للتدمير ولقي أفراد العائلة حتفهم.

قال أحد الأقارب، وهو أيمن الدلو، إنه سمع الانفجار ووصل إلى المنزل بعد 10 دقائق من الهجوم. قال: "كان المبنى كله قد انهار. لم يكن هناك شيء بالخارج، سوى رمال صفراء. وعند وصولنا كان بوسعنا رؤية جثتين وسط الركام". وكانت هاتان جثتي سهيلة، 75 عاماً، وسماح، 25 عاماً، كما قال.

قال الناجي الوحيد من الغارة، وهو ناصر صلوحة البالغ من العمر 16 عاماً، وشقيق أحد الضحايا – سماح الدلو – قال لـ هيومن رايتس ووتش إنه كان قد ذهب إلى المنزل للعب مع بقية الأطفال وكانوا على وشك تناول الغداء في غرفة بالطابق العلوي حين ضُرب المنزل دون سابق إنذار.

 

"كانت أختي تأتي بطعام الغداء وكنا على وشك أن نبدأ الأكل. خطر لي أن شيئاً ارتطم بالمنزل بعنف. لم أسمع شيئاً. شعرت بصدمة وبضغط، وكأن شيئاً يجذبني إلى جوف الأرض. وجدت نفسي راقداً على ظهري وجسدي مغطى بالتراب والرمال. تمكنت من الخروج من الحطام وهرعت إلى الشارع. كنت أشعر بألم في ساقي؛ كانت الجراح تغطي جسمي وكنت بحاجة إلى غرز جراحية".

 

قال ناصر إنه كان بالطابق العلوي مع شقيقته وأربعة أطفال عند سقوط شحنة المتفجرات. كانت النساء بالطابق السفلي وكان محمد الدلو، الرجل الوحيد بالمنزل، في إحدى غرف النوم.

قامت العائلة بمعاونة قوات الدفاع المدني باستخراج 8 من أفراد العائلة من الحطام في عصر ذلك اليوم. لم يتم اكتشاف جثتي اثنين من الضحايا ـ يارا، 17 عاماً ومحمد 29 عاماً ـ حتى 22 نوفمبر/تشرين الثاني.

تسبب الهجوم على منزل جمال الدلو أيضاً في قتل حفيد وجدة من عائلة المزنر التي تسكن المنزل المجاور. نسف الانفجار الجدران الخلفية المواجهة لمنزل الدلو وتسبب في تلفيات جسيمة بالداخل.

كبير المنزل المجاور، محمد المزنر، صاحب مصنع رمضان المزنر للحلوى، قال لـ هيومن رايتس ووتش إنه كان بغرفة أمامية على الجهة الأخرى من منزل الدلو عندما وقعت الغارة. قتلت الغارة ابن المزنر، عبد الله، 18 سنة، وهو طالب بكلية العلوم بجامعة الأزهر، وأمه أمينة، 83 سنة. أصيبت زوجة المزنر، نهى، 37 سنة، في كلتي ساقيها.

قال أحد أبناء المزنر، وهو أمجد البالغ من العمر 20 سنة ويدرس المحاسبة، إنه كان على درج المنزل المكون من طابقين في لحظة الغارة. قال أمجد: "كان الهدوء سائداً، وكنا قد سمعنا لتونا غارة على مبنى دانة [على مسافة 700 متر] قبل نصف ساعة. فجأة سقطت فوقي بلاطات السيراميك، وهكذا عرفت أن الغارة في هذه المنطقة. هرعت إلى الطابق السفلي لإحضار أبويّ، وفجأة لم أعد أرى سوى الدخان والتراب. حاولت أن أنادي [عائلتي] لكنني مريض بالربو الشُعبي [ولهذا لم أستطع] فجريت إلى الشارع".

قال ابن آخر، هو هيثم البالغ من العمر 17 سنة، إنه كان بالشرفة الخلفية المواجهة لمنزل الدلو في ذلك الوقت. قال هيثم: "كان هناك تراب، وطرت مندفعاً نحو الحائط ـ لم أر شيئاً. كنت أسمع شخصاً يصيح ‘أخوك مات، أخوك مات!‘".  تعرض هيثم لجراح بذراعه وصدره وأذنه اليسرى ومؤخر رأسه، احتاج أغلبها إلى غرز جراحية.

على درج منزل المزنر، شاهدت هيومن رايتس ووتش خطوطاً من الدماء قال أمجد وهيثم إنها نجمت عن جراحهما وهما يتلمسان الطريق عبر التراب والدخان إلى خارج المنزل.

علاوة على الوفيات الـ12 في عائلتي الدلو والمزنر، تسببت الغارة أيضاً في إصابة 9 مدنيين على الأقل في المنطقة، وأحدثت الدمار والتلف الجسيم بثلاثة منازل أخرى.

حينما زارت هيومن رايتس ووتش الموقع بعد الغارة بأسبوع، لم يعثر الباحثون على أية بقايا للذخائر الإسرائيلية، التي قال أفراد العائلة إن أطقم الدفاع المدني قد أزالتها أثناء رفع الجثث. يوحي الدمار التام للمنزل المكون من 3 طوابق، والتلفيات واسعة النطاق في المنازل المحيطة، بأن القوات الإسرائيلية أسقطت قنبلة جوية كبيرة.

قدمت إسرائيل تفسيرات متباينة لما حدث. بعد الغارة مباشرة، قامت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي أفيتال ليبوفتش بوصف الغارةبأنها حادث "لم تزل إسرائيل تحقق فيه". وقالت إن الهدف المقصود كان رجلاً "مسؤولاً عن إطلاق الصواريخ".

قال متحدث آخر باسم الجيش الإسرائيلي؛ العميد يؤاف مردخاي، قال على التلفازفي يوم الغارة إن الجيش الإسرائيلي حاول استهداف عضو قيادي في كتائب القسام، الجناح العسكري لحماس، وحدد هويته بأنه يحيى عباية. نقل عن يؤاف مردخاي قوله: "رغم أنني لا أعرف النتيجة، إلا أن الغارة أضرت ببعض المدنيين".

قال أفراد عائلة الدلو والجيران لـ هيومن رايتس ووتش إنهم لم يسمعوا بشخص يدعى يحيى عباية، واسمه غير مدرج كمقاتل مقتول في المواقع الإلكترونية الرسمية لكتائب القسامالتابعة لحماس، أو سرايا القدسالتابعة للجهاد الإسلامي.

في 27 نوفمبر/تشرين الثاني، بعد 5 أيام من العثور على جثة محمد الدلو، قالت ليبوفتش إن الجيش كان يستهدف محمد الدلو نظراً لكونه "عميلاً إرهابياً معروفاً مرتبطاً بالجناح العسكري لحماس"، ولم تقدم أية معلومات تؤيد هذا الزعم.

لم يرد الجيش الإسرائيلي على طلب قدمته هيومن رايتس ووتش للحصول على المزيد من المعلومات.

قال أفراد عائلة الدلو والجيران الذين أجريت معهم المقابلات على انفراد إن محمد الدلو لم يكن عضواً في أية جماعة فلسطينية مسلحة، بل كان برتبة ملازم في الشرطة المدنية التابعة لوزارة الداخلية، حسب أقوالهم، وتخصصه حماية الشخصيات الهامة.

ينشر الموقع الإلكتروني لكتائب القسام بانتظام أسماء المقاتلين المقتولين وسير حياتهم، بمن فيهم 20 شخصاً من أيام الاشتباك الثمانية في نوفمبر/تشرين الثاني. لكن حتى 5 ديسمبر/كانون الأول لم ينشر الموقع شيئاً عن محمد الدلو. في موقع منزل الدلو، شاهدت هيومن رايتس ووتش ملصقين، أحدهما من حماس والآخر من مسجد الإسراء، يصفان محمد الدلو بـ"الشهيد" و"المقاتل" في كتائب القسام، ويصورانه وهو يحمل بندقية آلية ومسدساً على الترتيب. قالت العائلة والصحفيون الفلسطينيون في غزة إن هذا مسلك شائع تجاه رجال الشرطة وموظفي الحكومة المقتولين، خاصة إذا تكفلت حماس بنفقات الجنازة.

قال قائد محمد الدلو في الشرطة، الرائد رفعت الوالي، الذي يترأس قوة الأمن والحماية بوزارة الداخلية، قال لـ هيومن رايتس ووتش إن محمد الدلو يعمل منذ 2006 في وحدة مسؤولة عن حماية مسؤولي حكومة غزة وكبار زوارها. قال الرائد والي إن محمد الدلو كان يعمل كل يوم أثناء الاشتباك الأخير، ولم يكن عضواً في أية جماعة مسلحة.

قال المتحدث باسم الشرطة، أيمن البتنجري لـ هيومن رايتس ووتش إن محمد الدلو كان عضواً في قوة الأمن والحماية، التي وصفها بأنها "إدارة مدنية خالصة". في وزارة الداخلية شاهدت هيومن رايتس ووتش ملصقاً يذكر 25 رجل شرطة قُتلوا في اشتباكات نوفمبر/تشرين الثاني، ومنهم محمد الدلو. إلا أن ملابسات الوفاة الخاصة بكل فرد من أفراد الشرطة غير معلومة. ثمانية من رجال الشرطة الذين قُتلوا يظهرون أيضاً ضمن قائمة من قُتلوا من مقاتلي كتائب القسام، لكن ليس بينهم محمد الدلو. لم يكن أي منهم ضمن قوائم المقاتلين الذين سقطوا قتلى من الجهاد الإسلامي أو لجان المقاومة الشعبية.

بموجب القانون الدولي الإنساني (أو قوانين الحرب) المنطبق أثناء اشتباكات نوفمبر/تشرين الثاني في غزة، لا يجوز استهداف المدنيين أو الأهداف (الأعيان) المدنية. ويفترض في الشرطة أنها مدنية، وبذا فهي في حصانة من الهجوم، إلا إذا تم دمجها رسمياً في القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع، أو شاركت في أعمال القتال بشكل مباشر.

قالت هيومن رايتس ووتش إن إسرائيل لم تقدم أية معلومات تؤيد الزعم بأن محمد الدلو كان يشارك مباشرة في أعمال القتال.

قال فريد أبراهامز: "توحي جهود إسرائيل المتأخرة، بعد أن فتشت قائمة الضحايا، للدفاع عن الغارة بالاستعانة باسم ضابط شرطة مدني تم العثور عليه وسط القتلى، توحي بمحاولة لتبرير ما لا يمكن تبريره بعد وقوعه بالفعل".

وحتى لو كان محمد الدلو هدفاً عسكرياً مشروعاً فإن الهجوم على منزل مزدحم بسكانه لا يرجح أن يفي بشرط التناسب، كما قالت هيومن رايتس ووتش. بموجب قوانين الحرب، ينبغي للمكسب العسكري المتوقع من أي هجوم أن يفوق الأضرار المتوقع حدوثها للمدنيين.

تمثل الهجمات غير المتناسبة انتهاكات جسيمة يقع على عاتق إسرائيل التزام بالتحقيق فيها. كما يجب تقديم التعويض السريع الوافي لضحايا انتهاكات قوانين الحرب وعائلاتهم. وتنبغي الملاحقة الجنائية بتهمة ارتكاب جريمة حرب لأي مسؤول عن ارتكاب انتهاك جسيم لقوانين الحرب عن عمد أو من واقع الإهمال.

قال فريد أبراهامز: "على إسرائيل تفسير سبب قيامها بقصف هذا المنزل الممتلئ بالمدنيين. وينبغي توقيع العقاب المناسب على أي شخص انتهك القانون".

وقع الاشتباك الأخير بين إسرائيل وحماس والجماعات المسلحة في غزة بين 14 و21 نوفمبر/تشرين الثاني، وانطوى على هجمات غير مشروعة على المدنيين من الجانبين. مات 103 مدنياً فلسطينياً و4 مدنيين إسرائيليين على الأقل أثناء الاشتباكات.

 

الوفيات

1-    سماح عبد الحميد الدلو، 27 سنة

2-    جمال محمد الدلو، 6 سنوات

3-    يوسف محمد الدلو، 4 سنوات

4-    سارة محمد الدلو، 7 سنوات

5-    إبراهيم محمد الدلو، سنة

6-    تهاني حسن الدلو، 52 سنة

7-    سهيلة محمد الدلو، 73 سنة

8-    رنيم جمال الدلو، 22 سنة

9-    يارا جمال الدلو، 17 سنة

10-  محمد جمال الدلو، 29 سنة

11-  عبد الله محمد المزنر، 18 سنة

12-  أمينة مطر المزنر، 83 سنة