غارات جوية غير مشروعة على عيادة طبية
أبريل 10, 2011
إن حصار الحكومة الليبية شبه الكامل لمصراتة لم يمنع تقارير عن انتهاكات خطيرة من الظهور لعَيَان. لقد سمعنا روايات مقلقة عن قصف وإطلاق النار على عيادة وعلى مناطق مأهولة بالسكان، مما أسفر عن مقتل مدنيين، في مكانٍ لم تكن فيه أية معركة قائمة.
سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

Tweet

(بنغازي، 11 أبريل/نيسان 2011) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم بأن الهجمات التي شنتها القوات الحكومية الليبية على  مدينة مصراتة الواقعة غرباً قد عرّضت المدنيين للخطر واستهدفت عيادة طبية، مما يُشكّل انتهاكاً للقانون الدولي. ويستند هذا التقييم إلى مقابلات مع عاملين بالمجال الطبي لا يزالان في مصراتة و17 جريحاً من المدنيين الذين أتم إجلائهم مؤخرا من المدينة، المعزولة  عن العالم الخارجي على أيدي القوات الحكومية الليبية.


ودعت هيومن رايتس ووتش الحكومة الليبية للسماح بوصول منتظم  للمساعدات الإنسانية إلى المدينة عن طريق البحر والبر، بالإضافة إلى السماح بمرور آمن لجميع المدنيين الذين يرغبون في المغادرة.


وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "إن حصار الحكومة الليبية شبه الكامل لمصراتة لم يمنع تقارير عن انتهاكات خطيرة من الظهور لعَيَان. لقد سمعنا روايات  مقلقة عن  قصف وإطلاق النار على عيادة وعلى مناطق مأهولة بالسكان، مما أسفر عن مقتل مدنيين، في مكانٍ لم تكن فيه أية معركة  قائمة".

ووفقاً للدكتور محمد الفورتية، الذي يعمل في مستشفى مصراتة، فقد سجلت المرافق الطبية  مقتل 257 شخصاً بالإضافة إلى 949  جُرِحوا ونُقلوا إلى المستشفى منذ 19 فبراير/شباط 2011. وأضاف أنه كان من ضِمن الجرحى 22 امرأة وثمانية أطفال.


قال طبيبٌ آخر، تمت مقابلته على انفراد، أن المستشفيات في المدينة قد وثّقت مقتل  نحو 250 قتيلا خلال الشهر الماضي، معظمهم من المدنيين. وأعرب عن اعتقاده أن العدد الفعلي كان  أعلى لأن الكثير من الناس لم يتمكّنوا من الوصول إلى المرافق الطبية.


وقال الطبيب: "يعرف المقاتلون كيف يحمون أنفسهم،  ولكن المدنيين هم مَن يُصابون".


لم تتمكّن هيومن رايتس ووتش من التحقّق  من الأرقام التي وفرها الأطباء أو إلى  أي مدى كانت القوات الحكومية أو المتمردينمسؤولين عن سقوط ضحايا من المدنيين.

في يومي 3  و4 إبريل/نيسان، قابلت هيومن رايتس ووتش 17  مدنياً مصابين بجروح من جراء إطلاق النار والدبابات وقذائف مدفعية في بنغازي بعد أن تم إجلاءهم من مصراتة بالقوارب. ووصف البعض الهجمات المتعمدة والعشوائية على المدنيين، كما كشفوا لـ هيومن رايتس ووتش عن الجروح التي  أُصيبوا بها، على الرغم من تعذر تأكيد رواياتهم حتى الآن.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن المعلومات عن القتال في مصراتة، ثالث أكبر مدن ليبيا  بتعداد يربو على الثلاثمائة ألف نسمة، بأن الحكومة قد منعت الوصول إلى المدينة عن طريق البر لأكثر من شهر، كما مَنَعت الوصول إليها  عن طريق البحر حتى أواخر مارس/آذار.


بموجب القانون الدولي الإنساني المنطبق على الوضع في ليبيا، يُحظر على جميع أطراف النزاع استهداف المدنيين والأهداف المدنية، أو القيام بهجمات  لا تميّز بين المدنيين والمقاتلين. ويتعين على القوات اتخاذ جميع الاحتياطات المستطاعة  لتقليل حجم الضرر الواقع  على السكان المدنيين، بما في ذلك تجنب انتشار الجُنود في المناطق المأهولة بالسكان، والتأكد من أن جميع الأهداف أهداف عسكرية.

وقد أطلقت القوات الحكومية قذائف هاون وصوّبت نيران القناصة التي ضرَبت مستوصف مصراتة  فارضةً إخلاءه،  على حد قول الدكتور الفورتية، الذي كان حاضرا يوم 23 مارس/آذار  في واحد من أحد الهجوميين  على العيادة، وهي رواية أكدّها الطبيب  الآخر وعضوين بمجلس مدينة مصراتة. وروى الدكتور الفورتية لـ هيومن رايتس ووتش:

بدأ ذلك اليوم  بإطَلاق نار القناصة  العشوائي على الناس الذين كانوا يأتون إلى المستوصف. وقد أُصيب بعض الناس ولكن لم يتوفى أحد. بعدها جاءت قذيفتا هاون من مبنى الشركة الليبية للتأمين. هذا الهجوم لم يضرب المستوصف ذاته؛  فإحدى القذيفتين أصابت خارج العيادة،  20 متراً من المسجد، والأخرى انفجرت وراء العيادة. في جزء من الثانية كانت قذيفة هاون  قد قتلت نورالدين القالي، الذي كان يجلب الطعام بالسيارة إلى العيادة. لذلك قمنا بإجلاء  المرضى من المستوصف إلى مكان بعيد عن مركز مصراتة.

في 7 أبريل/نيسان، أصابت قذيفتا هاون أخرى المستوصف، ولكن سقطت  هذه المرة واحدة منهما  على المبنى نفسه.  القذيفة الأولى أصابت مواقف السيارات، ودمّرت الشظايا مدخل الطوارئ، حيث كان الناس يقفون في مكانٍ قريب. وقد أصابت القذيفة الثانية مبنى المستوصف، كما دمّرت الشظايا غرفة العمليات المتنقلة.  وقد قُتل في الهجوم عامل كافتيريا المستشفى، محمد المقصبي، والذي كان يعمل حارسا في العيادة التي  كانت قد أخليت في ذلك الوقت.

وقال طبيب آخر لـ هيومن رايتس ووتش إن نحو  15 عاملاً آخرين أُصيبوا في هجوم 7 أبريل/نيسان. وقالت هيومن رايتس ووتش أن المراكز الطبية أهداف  محمية بموجب قوانين الحرب، وأن الهجوم المتعمد عليها هو جريمة حرب. وحتى لو كانت هذه المراكز تستخدم لعمليات عسكرية هجومية، إلا أنه لا يمكن  استهداف  المراكز الطبية دون إنذار مسبق.


وقال الطبيبان إن المستشفى الرئيسي في مصراتة كان  قيد الإنشاء لمدة عامين تقريباً، وبالتالي فإن المستوصف والمرافق الأخرى من القطاع الخاص كانت تُعالِج  الجرحى.

وروى الـ 17 جريحاً مدنياً لـ هيومن رايتس ووتش كيف  أُصيبوا. وقال عبد الله أبوشوفر،  26 عاماً، أنه في 16 مارس/آذار أطلَقت دبابات الحكومة الليبية قذائف مَدفعية على الحي الذي يقيم فيه، في حي زوابي في مصراتة، على الرغم من أنه لم يكن يعلم بوجود أيٍ من قوات الثُوّار على مقربة. وقال أنه شاهَدَ قذائف ورصاص من العيار الثقيل يضرب خلف منزله. وحينما خَطا خارج منزله ليرى ماذا يحدث، أصابته  شظية  في عينيه.

وقال محمد بشير،  42 عاماً، لـ هيومن رايتس ووتش إنه كان يقف خارج منزله في منطقة الجزيرة بمصراتة في يوم 25 مارس/آذار عندما سقطت قذيفة هاون في الجوار- يعتقد أنها أُطلِقَت من قبل القوات الحكومية - لتُصيبه إصابةً بالغة في ساقه. وقال أنه لم يكن هناك أي  قتال في المنطقة.  وكان الجزء السُفلي من ساق محمد بشير اليسرى، وهو ضابط شرطة قال أنه لم يكن طرفاً مُشاركاً في  القتال، قد بُتِر  قبل أن يُجلَى بواسطة سفينة.

وقال خالد علي، 32 عاما، أنه في 29 مارس/آذار كان يسير في الشارع في حي جذير، حيث لم يكن هناك قتالٌ  يدور في ذلك الوقت، عندما أصابه عياران ناريان في ساقه.

قال خالد: "الأشخاص  الذين أخذوني إلى العيادة قالوا أن القنّاص كان مُتمركِزاً في ثانوية اليرموك بالقرب من حيث كنتُ أمشي".


وَصَف جمال محمد شعيب،  35 عاماً، هجوماً شنه جنود  الحكومة وتسبّب في مقتل ثلاثة من أفراد عائلته. في 17 مارس/آذار، اقتحم جنود يرتدون الزي العسكري منزل عائلته، وسرقوا مُقتنياتهم  الثمينة، وهددوهم بالعودة. بعد وقت قصير مِن  مُغادرة الجنود، قررت عائلة  شعيب  النزوح إلى منطقةٍ أكثر أمناً  في المدينة . فحمّلوا ثلاث سيارات وانطلقوا مبتعدين إلى أن مرّوا بجنودٍ كانوا يسدّون شارعاً في حيّهم. دون سابق إنذار، أطلق الجنود النار على السيارات الثلاث، مما أسفر عن مقتل ابنة أخ جمال 4 - سنوات، عائشة مصبح شعيب؛ وشقيقه حمزة محمد شعيب، 22 عاما؛ ووالده، محمد شعيب، 63 عاماً.

وقد لاحظت هيومن رايتس ووتش آثار الجراح على  أفراد الأسرة الباقين على قيد الحياة. فكان جمال مُصاباً في ساقه؛ وزوجته، حنان عمر شعيب (21 عاما)  كانت مُصابة في ذراعها، وطفلهما محمد، البالغ من العمر 8 شهور، كان فكّه قد تحرّك عن مكانه، وهو ما استدعى تركيب داعم  معدني.

وأضاف جمال قائلاً لـ هيومن رايتس ووتش: "زوجتي كانت تحمل ابني". ثم استطرد:  "أصابت  الرصاصة ذراعها وارتدّت في وجه ابني. لم يكن مع أي مِنا سلاحا. كنا عوائل فقط ، نبحث عن مكان آمن لنمكث فيه".


وقالت هيومن رايتس ووتش إن القوات الحكومية في مصراتة ارتكبت أيضا انتهاكات للقانون الدولي لحقوق  الإنسان، الذي لا يزال يُطبّق في النزاع المُسلّح.


وقال حمزة محمد قريات، 32 عاماً، لـ هيومن رايتس ووتش إنه في 19 مارس/آذار حَضَر احتجاجا ضد تواجد لدبابات وجنود الحكومة  في مصراتة.  وتجمع حشد من المدنيين في وسط المدينة وهم يهتفون "نحن لا نريد معمر!" في إشارة إلى الزعيم الليبي معمر القذافي. وقال حمزة قريات أنه شاهد دبابات الحكومة تتقدّم باتجاه المتظاهرين في شارع طرابلس. ثم أطلقت الدبابات والجنود النار.


وأضاف قريات: "كانت مَجزرة حقيقية". ثم قال: "أُصِبت برصاص قناصة في ظهري، وكان هناك خمسة أشخاص آخرين مُصابين في سيارة الإسعاف معي".  كان قريات مشلولا من منطقة الخصر وحتى القدمين.


وَصَفَ النعمان الفيزاني، 33 عاماً، المشاركة في احتجاج يوم 21 مارس/آذار في قاعة عامة في  المنطقة المركزية بمصراتة. وقال الفيزاني: "عندما وصلت قوات القذافي  وسط المدينة ورفعت العَلَم الأخضر]عَلَم الحكومة الليبي [، قال الجميع "لا!" . وأضاف: "عندما رَفَع أحد الشباب عَلَم الاستقلال في قاعة عامة، قام قنّاصٌ  بإطلاق النار عليه على الفور".  وقال الفيزاني أنه بعد فترة وجيزة أصيب بعيار ناري في ساقه هو الآخر.

الأفراد الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش وصفوا أيضاً أفراد أسرهم الذين كانوا في عداد المفقودين، والذي كان يُعتقَد أن بعضهم  في عهدة الحكومة. وقال اثنان من أعضاء مجلس مصراتة، وتمت مقابلتهما في  بنغازي، لـ هيومن رايتس ووتش أن القوات الحكومية اعتقلت العديد من سكان المدينة، في مكان مجهول. وقالاا أن المجلس سجلّ أسماء حوالي 1000 شخص في عداد المفقودين خلال الشهر الماضي، وكان كثير منهم من الشباب. ولم تتمكن هيومن رايتس ووتش  من تأكيد هذا الرقم أو ما حدث لهم.

وقال محمد منتصر، عضو في المجلس، أن القوات الحكومية اعتقلت الدكتور حسين شركيسي، وهو واحدً من أبرز أطباء مصراتةً في 15 مارس/آذار أو نحوه. وقال أنه لم يسمع شيئاً عن الشركيسي  منذ ذلك الحين.


وقال محمد بشير، الذي بترت ساقه  جزئيا، لـ هيومن رايتس ووتش أن اثنين من أبناء عمومته، هاني محمد ومفتاح خيري، مفقودان منذ 13مارس/آذار. وفقا لمحمد بشير، فقد هاتَفَ  محمد والدته في 16 مارس/آذار، قبل أن تقطع الحكومة  خدمة  الهاتف في مصراتة، ليقول أن القوات الحكومية اعتقلته، لكنه لا يعرف مكان وجوده. ولم تعرف الأسرة  أي معلومات حول مكان وجوده.


وقال خالد علي، الذي أصيب بعيار ناري في ساقه، لـ هيومن رايتس ووتش أن ثلاثة من أشقائه، عبد السلام، جَبر، وشقيق ثالث اسمه غير معروف، مفقودون منذ 24 مارس/آذار. وكانوا قد غادروا المنزل سوياً في الساعة الواحدة بعد ظهر ذلك اليوم  ولم يُعرَف أي شيء عنهم منذ ذلك الحين.


وقال أفراد من مناطق أخرى في ليبيا لـ هيومن رايتس ووتش أنهم كانوا في سِجن حكومي في مدينة سِرت جنبا إلى جنب مع رجال من مصراتة. وقال مقاتل من المتمردين،  كان قد اُحتجِز في سِرت، لـ هيومن رايتس ووتش إن لجنة حكومية قد أطلقت سراحه بعد 11 يوماً  من  الاحتجاز في 21 مارس/آذار مع 13 رجلاً من مصراتة.

كما أعرَبَت هيومن رايتس ووتش عن قلقها إزاء الحالة الإنسانية في مصراتة بسبب المساعدات المحدودة للغاية  التي تصل إلى المدينة. وقد تم تقييد عمليات الإغاثة  بعنف، بعد  فترة وجيزة بعد أن تغلّب المحتجون  على قوى الأمن الداخلي في مصراتة في الأسبوع الثالث من فبراير/شباط، وقت أن شنت القوات المسلحة الحكومية هجوما لتخليص المدينة من سيطرة المتمردين.


وقد أعاقت الحكومة جميع المساعدات الإنسانية عبر الطرق البرية. إلا أنه بعد الضربات الجوية للتحالف الدولي في أواخر مارس/آذار على سفن الحكومة الليبية  البحرية  التي حاصَرَت الميناء، وصلت إغاثة إنسانية محدودة عن طريق البحر. كما وصلت سفينة استأجرها برنامج الغذاء العالمي في 7 أبريل/نيسان بـ 800 طن من المساعدات الإنسانية. وصل قاربٌ  مُزود بالإمدادات من اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مصراتة في 9 أبريل/نيسان.

بموجب القانون الإنساني الدولي، يجب على أطراف النزاع أن تسمح وتُسهّل المرور السريع وبدون أي عراقيل للمساعدات الإنسانية، التي تقدمها المنظمات الإنسانية المستقلة، للمدنيين المحتاجين.

لم يتمكن جرحى من المدنيين وغيرهم ممَن هم بحاجة إلى المساعدة الطبية من مغادرة المدينة عن طريق البر، إما بسبب القتال أو بسبب تقارير واسعة الانتشار تقول بأن القوات الحكومية تقوم باعتقال الناس الذين يغادرون وسط المدينة. وتم إجلاء بضع مئات من الحالات الطبية الطارئة بواسطة القوارب التي نظمتها منظمة أطباء بلا حدود وهيئة الإغاثة التركية.


بالإضافة إلى المدنيين الليبيين  المحاصرين في مصراتة ، فإن ما يقدر بستة آلافمن العمال المهاجرين المصريين والصحراويين تقطعت بهم السبل منذ مطلع مارس/آذار على الساحل الشرقي من مصراتة بسبب القتال، وذلك وفقا لأعضاء مجلس مصراتة. رغم أن المهاجرين لديهم بعض الخيام، إلا أنه  ليس لديهم صرفٌ صحي أو أي مياه جارية وهم في حاجة ماسة للإجلاء.


وقالت سارة ليا ويتسن: "يجب على الحكومة الليبية السماح بمرور آمن للمدنيين الذين يرغبون في مغادرة مصراتة، بمن فيهم المهاجرين". وأضافت: "مِن الأهمية بمكان أن يتم إيصال مساعدات إنسانية مُنظّمة عن طريق البر والبحر للسكان الذين هم في حاجة ماسة".