إجراءات جديدة تهدد المجتمع المدني الإسرائيلي
يوليو 25, 2010

هذا النوع من القوانين من شأنه أن يجعل إسرائيل في مصاف الكثير من حكومات الجوار، التي تسعى لإسكات المنتقدين وليس لحماية حق الأفراد في حرية التعبير. وإسرائيل قادرة على حماية نفسها من الاتهامات المجحفة، لكن الضرر الذي ستلحقه بنظامها الديمقراطي جراء مثل هذه القوانين، هو ضرر لا يمكن إصلاحه.

سارة ليا ويتسن المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش

(القدس) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على الكنيست الإسرائيلي أن يرفض التشريع المقترح الذي من شأنه أن يُضعف من حالة المجتمع المدني الإسرائيلي النشط. وكان قد تم تقديم مقترحات جديدة بتشريعات من شأنها تجريم منظمات حقوق الإنسان التي تكتب تقارير انتقادية وتضغط في موضوعات حساسة، بما في ذلك نشر المعلومات عن جرائم الحرب وإبداء الدعم للمقاطعات، أو التي تساعد اللاجئين وملتمسي اللجوء.

وظهرت هذه التطورات على الساحة على خلفية تصريحات وتحركات رسمية أخرى هيأت أجواء تهديدية تترصد بوتيرة متصاعدة المدافعين عن حقوق الإنسان في إسرائيل. وهناك بوادر عديدة على أن الحكومة تعتبر أن المنظمات غير الحكومية - وليس مشكلات حقوق الإنسان التي تكشف الغطاء عنها - هي المشكلة في حد ذاتها.

وهناك أربعة مشروعات قوانين وتعديلات تنتظر البت فيها ومن شأنها أن تضيق كثيراً من حق الإسرائيليين في انتقاد سياسات وتحركات الحكومة الإسرائيلية، على حد قول هيومن رايتس ووتش. هناك مشروع قانون من شأنه إغلاق المنظمات التي تنشر معلومات قد تُستخدم في نسب اتهامات في بلدان أخرى إلى أعضاء بالحكومة الإسرائيلية، أو الجيش، على انتهاكات للقانون الدولي. ومشروع قانون ثاني يُجرم المنظمات والأفراد الذين يبدون الدعم للمقاطعات ضد إسرائيل أو يشاركون فيها. ومشروع قانون ثالث يفرض متطلبات مشددة وفورية على أية منظمة تقبل أي دعم مالي من حكومة أجنبية لأي غرض، والرابع يعاقب أي شخص يساعد اللاجئين بعد أن يعبروا إلى إسرائيل بشكل غير قانوني.

وقالت سارة ليا ويتسن المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "هذا النوع من القوانين من شأنه أن يجعل إسرائيل في مصاف الكثير من حكومات الجوار، التي تسعى لإسكات المنتقدين وليس لحماية حق الأفراد في حرية التعبير". وتابعت: "وإسرائيل قادرة على حماية نفسها من الاتهامات المجحفة، لكن الضرر الذي ستلحقه بنظامها الديمقراطي جراء مثل هذه القوانين، هو ضرر لا يمكن إصلاحه".

وفي 28 أبريل/نيسان، عرض 19 نائباً بالكنيست مشروع قانون "الاختصاص العالمي" الذي من شأنه على مسودته الحالية أن "يمنع تسجيل المنظمات بشكل استباقي" في حالة قيام أية منظمة غير حكومية بنشر معلومات بشكل علني "من شأنها أن تساعد في رفع دعاوى قضائية بالخارج عن جرائم حرب ضد كبار المسؤولين السياسيين الإسرائيليين و/أو ضباط جيش الدفاع الإسرائيلي". المنظمات المسجلة بالفعل قد تتعرض للإغلاق إذا قامت بمثل هذا الفعل.

وتم تقديم نسخة أُدخلت عليها مراجعات قليلة من مشروع القانون من قبل 25 نائباً بالكنيست في 14 يونيو/حزيران، وهي في انتظار قرار رئيس المجلس بما إذا كان سيتم تقديمها للجولة الأولى من المناقشات من قبل جميع نواب الكنيست، حيث يجب أن تمر مشروعات القوانين عبر ثلاث مراحل من المناقشات قبل أن تصبح قوانين.

مشروع القانون المقترح ظهر بعد فترة وجيزة من قيام منظمة خاصة، هي "إم تيرزو" بإصدار تقرير والبدء في حملة إعلامية في 16 أبريل/نيسان لاتهام 12 منظمة حقوقية إسرائيلية بتقديم الدعم والمعلومات على مسار تحرك محاكم أجنبية ضد مسؤولين إسرائيليين تُفترض مسؤوليتهم عن انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي، بموجب مبادئ الاختصاص القضائي العالمي. واستهدفت الحملة مركز عدالة، وهي منظمة من أقلية عرب إسرائيل، وصندوق إسرائيل الجديد، ممول كبير للمنظمات الحقوقية ومبادرات الرفاه الاجتماعي ومنظمات الضغط من أجل التغيير في إسرائيل. وفي بيان مشترك صدر بعد تقديم مشروع قانون الاختصاص العالمي، أعلنت عشر منظمات حقوق إنسان إسرائيلية أنه "بدلاً من الدفاع عن الديمقراطية، يحاول رعاة مشروع القانون هذا تحطيمها".

وقالت سارة ليا ويتسن: "إغلاق المنظمات الإسرائيلية التي توثق الانتهاكات الإسرائيلية لقوانين الحرب لن يخفي هذه الانتهاكات عن الأنظار".

ومن مشروعات القوانين الأخرى المُصممة لعرقلة الانتقادات الموجهة لإسرائيل، مشروع قانون "حظر المقاطعة"، وتم تقديمه إلى لجنة تشريعات الكنيست للموافقة عليه في 15 يونيو/حزيران من قبل 24 نائباً بالكنيست، من الائتلاف الحاكم والمعارضة. مشروع القانون، الذي مر بالفعل بمرحلة التصويت الأولية في 14 يوليو/تموز، ينطبق على المواطنين الإسرائيليين والجنسيات الأخرى - منهم الفلسطينيين من الأراضي المحتلة - و"الكيانات السياسية الأجنبية"، ومنها السلطة الفلسطينية. ومن شأنه فرض الغرامات والعقوبات الاقتصادية  وحظر الدخول على "من يبادر أو يروج" للمقاطعة ضد إسرائيل أو المواطنين الإسرائيليين أو المنتجات الإسرائيلية أو مقاطعة الأجانب "بسبب علاقاتهم بدولة إسرائيل أو بمناطق خاضعة لدولة إسرائيل"، بما في ذلك المقاطعات المقتصرة على منتجات مصنوعة في مستوطنات إسرائيلية في الأراضي المحتلة بالضفة الغربية.

وبموجب مشروع القانون المُقترح، فإن أي "طرف متضرر" يمكنه مقاضاة أية منظمة أو شخص بادر أو حرض على المقاطعة ضد هذا الطرف المتضرر، مع الحصول على تعويض أقصاه 30 ألف شيكل (7750 دولاراً)، دون الحاجة لإثبات التعرض للضرر. كما أن "الأطراف المتضررة" يمكنها رفع دعاوى إضافية عن الضرر الفعلي اللاحق بها نتيجة للمقاطعة. والمنظمات غير الحكومية الإسرائيلية التي تساند مبادرات المقاطعة، مثل مركز المعلومات البديلة، وتحالف نساء من أجل السلام، واللجنة الإسرائيلية ضد هدم المنازل، يمكن أن تتعرض للعقوبات، سواء كان يديرها مواطنون إسرائيليون أو فلسطينيون من إسرائيل.

وقالت سارة ليا ويتسن: "سواء اتفقت أو اختلفت مع المقاطعات، فهي أداة جيدة للتصدي لانتهاكات حقوق الإنسان، ويتفق الجميع على أنه في البلد الديمقراطي، فإن الضغط السلمي مع أو ضد المقاطعة، يجب ألا يُواجه بالعقاب".

وهناك مشروعا قانون آخران يهددان وضع المنظمات غير الحكومية الإسرائيلية. هناك "مشروع قانون تمويل المنظمات غير الحكومية" الذي صدر بشأنه تصويت مبدئي من الكنيست في 17 فبراير/شباط، وعُدّل مؤخراً رداً على احتجاجات قوية من العديد منظمات المجتمع المدني. ويبدو أن مشروع القانون هذا له أولوية التمرير على وجه السرعة، إذ من المقرر نقاشه وتقديم قراءة أولى له في 16 أغسطس/آب، أثناء الجلسات الصيفية. ورغم أنه لم يعد ينص على تجريد المنظمات من الإعفاء الضريبي، فإن النسخة المنشورة منه في 16 يوليو/تموز ورد فيها متطلبات مشددة على أي منظمة تتلقى أي مبلغ تمويل من "كيان سياسي أجنبي"، مثل الاتحاد الأوروبي أو هيئة المساعدات الدولية الأميركية، وهي المساعدات التي تعتمد عليها أغلب منظمات المجتمع المدني الإسرائيلية ومنظمات حقوق الإنسان.

وعلاوة على فرض متطلبات بكتابة التقارير السنوية للحكومة، فسوف يُتاح للمنظمات 30 يوماً للإبلاغ عن هذه الهبات لسجل المنظمات الحكومي، ومنها جميع "التعهدات" المقدمة لمانح الهبات، سواء شفهية أو كتابية، وتُنشر في موقع وزارة العدل. وأية هبة من هيئة مساعدات بحكومة أجنبية "لحملة إعلامية محددة" يجب أن تعلن عنها المنظمة كجزء من حملتها. أثر هذه المتطلبات يعني تعريض العديد من منظمات حقوق الإنسان والمنظمات البيئية والثقافية للكشف عن أعمالهم المخطط لها تفصيلياً في لحظة تلقيهم للتمويل، وإلا تعرضوا لعقوبات جنائية. لكن الكثير من منظمات اليمين والمستوطنين لن تتأثر بهذه المتطلبات بما أن تمويلها يرد من متبرعين خاصين.

وقالت سارة ليا ويتسن: "من الواضح تمام الوضوح أن مشروعات القوانين هذه سياسية الدوافع وتهدف إلى إعاقة عمل المنظمات التي تُرى على أنها تنتقد الحكومة". وأضافت: "إن الحكومة الإسرائيلية تقلل من شأن الضرر الذي تسببه لجميع الإسرائيليين في محاولات منها لإعاقة المنظمات المعارضة بالاستعانة بمتطلبات بيروقراطية".

وأخيراً فإن مشروع قانون "الوقاية من الاختراق" من شأنه معاقبة جميع الأجانب الذين يدخلون إسرائيل بشكل غير قانوني - بمن فيهم اللاجئين وملتمسي اللجوء - وكذلك من يوفرون لهم المساعدات، ما إن يدخلوا إسرائيل. ويُعرّف مشروع القانون "الشخص المخترق" بأنه "أي شخص يدخل إسرائيل عبر أي سبيل غير نقاط الحدود... ودون تصريح" دون تعريف أو إعفاء اللاجئين وملتمسي اللجوء، والآلاف منهم وصلوا إسرائيل عبر حدودها الجنوبية مع سيناء في مصر، منذ عام 2005. من ثم فمشروع القانون هذا يعارض بشكل مباشر التزامات إسرائيل كدولة طرف في اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967.

العقوبات الواردة في مشروع القانون هذا - الذي مر بالفعل من مرحلة القراءة الأولى في البرلمان الإسرائيلي في مايو/أيار 2008 - تشمل سجن "المخترقين" العُزّل لمدة أقصاها سبعة أعوام. لكن المنظمات التي تحاول مساعدة ملتمسي اللجوء واللاجئين تتعرض بدورها لعقوبات قاسية. فمن يقدم المساعدات من قبيل الرعاية الطبية أو الطعام أو المياه أو المأوى أو مساعدة قانونية، يمكن أن يُسجن لمدة أقصاها 15 عاماً مع تغريمه غرامة أقصاها 10 آلاف شيكل (2600 دولار). وفي 4 أغسطس/آب 2009، وصف تزيكي سيلا، رئيس وحدة شرطة عوز الخاصة بالمهاجرين في ذلك الحين، وصف المنظمات التي تساعد ملتمسي اللجوء والعمال المهاجرين بأنها "تهدف لتدمير إسرائيل". في اليوم التالي قال وزير الداخلية إيلي يشاي: "هذه المنظمات تقوض المشروع الصهيوني". وهناك 20 ألف ملتمس لجوء حالياً في إسرائيل، و85 في المائة منهم من السودان وإريتريا.

كما يتزايد استهداف المنظمات الإسرائيلية وأعضائها الذي يحتجون على الإجراءات الحكومية بالإجراءات الشرطية. فالاحتجاجات الأسبوعية القائمة على استيلاء اليهود على منازل في حي شيخ جرة بالقدس الشرقية خير دليل على ذلك. ففي 14 مايو/أيار 2010، تم القبض على 14 متظاهراً إسرائيلياً ونُقلوا للمحكمة بتهمة "إزعاج النظام العام" و"إزعاج ضابط أثناء تأدية واجبه"، وتم الإفراج عنهم بعد احتجازهم 32 ساعة. تلقى أربعة منهم الرعاية في المستشفى بعد التعرض لكسور إثر المصادمات مع قوات الشرطة.

هذه الاعتقالات تستمر في كونها توجه عام في الشهور الأخير، وفيه تم القبض على عشرات النشطاء، رغم أحكام محاكم إسرائيلية متكررة بأن التظاهرات في الأحياء قانونية. ومن بين المعتقلين في الشهور الأخيرة مدافعين بارزين عن حقوق الإنسان مثل هاجاي العد، المدير التنفيذي لجمعية الحقوق المدنية في إسرائيل. وقبل يومين من القبض عليه، في 12 مايو/أيار، سمحت الشرطة لمئات المستوطنين ومن يدعمون المستوطنين بالتظاهر في المكان نفسه، ولم يتم القبض على أي منهم. وفي 4 يوليو/تموز كتب أكثر من 40 قاضي وأكاديمي وكاتب وسياسي إسرائيلي رسالة إلى المحامي العام يطالبونه فيها بالتحقيق في تمييز الشرطة في المعاملة بمنطقة الشيخ جرة. وفي 9 يوليو/تموز، تم القبض على تسعة نشطاء إسرائيليين آخرين لتظاهرهن في الحي ثم أُفرج عنهم في وقت لاحق من اليوم نفسه.