يناير 12, 2009

 

منذ بدء عملية إسرائيل البرية في غزة يوم 3 يناير/كانون الثاني، تناقلت تقارير إعلامية كثيرة احتمال استخدام القوات الإسرائيلية الفسفور الأبيض، وهو مادة كيميائية تُستخدم في مقذوفات المدفعية لأغراض تكتيكية عديدة. وقال الجيش الإسرائيلي لـ هيومن رايتس ووتش وللمراسلين إنه لا يستخدم الفسفور الأبيض في غزة. وفي 7 يناير/كانون الثاني قال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي لشبكة السي إن إن: "أقول لكم بكل ثقة إن الفسفور الأبيض لم يُستخدم على الإطلاق".

وترى هيومن رايتس ووتش إن الجيش الإسرائيلي يستخدم الفسفور الأبيض في غزة. ففي 8 يناير/كانون الثاني شاهد باحثو هيومن رايتس ووتش وهم يراقبون سماء غزة من على نقطة حدودية تقع إلى الشمال الغربي عدة مقذوفات مدفعية تنفجر في الهواء وينبعث منها الفسفور الأبيض، وكان هذا في سماء مدينة غزة ومنطقة جباليا. فضلاً عن أن هيومن رايتس ووتش حللت الصور التي التقطتها وسائل الإعلام على الحدود بين إسرائيل وغزة، وتبين منها أن وحدات المدفعية الإسرائيلية تتعامل بقذائف مدفعية فسفور أبيض، وكذلك تبين من تصوير لمشهد بالفيديو بعض التفجيرات فوق غزة، وتبين أن الانفجارات ينبعث منها ألسنة من الدخان واللهب، وهذا من الدلائل القوية على استخدام الفسفور الأبيض.

ويبدو أن إسرائيل تستخدم الفسفور الأبيض كمادة "تمويه" (مادة كيميائية تستخدم لإخفاء العمليات العسكرية)، ويُسمح باستخدام هذه المادة من حيث المبدأ، إلا أن الفسفور الأبيض له آثار خطيرة تقع في صورة حوادث عرضية، إذ يؤدي أحياناً لإلحاق الحروق الجسيمة بالأفراد ويمكنه إحراق المنازل والحقول وغيرها من الأعيان المدنية المجاورة للمكان الذي يقع فيه. ويضاعف من احتمال إصابة المدنيين بالضرر كثافة سكان غزة الهائلة، وهي من بين أعلى معدلات الكثافة السكانية في العالم.

وترى هيومن رايتس ووتش أن استخدام الفسفور الأبيض في الأماكن المزدحمة بالسكان في غزة يخالف متطلبات القانون الإنساني الدولي القاضية باتخاذ كل الاحتياطات المستطاعة لتفادي إلحاق الإصابات بالمدنيين أو التسبب في قتلهم. ومصدر القلق هذا يفاقم منه الدليل الذي ظهر في الصور الفوتوغرافية في وسائل الإعلام وطبقاً لمشاهدات باحثي هيومن رايتس ووتش في 9 يناير/كانون الثاني، لمقذوفات تنفجر في الهواء وينبعث منها فسفور أبيض، وحين ينفجر ينثر طبقات كيماوية محترقة تصيب منطقة واسعة، مما يزيد من احتمال تعرض المدنيين والبنى التحتية المدنية للإصابات والأضرار.

ما هو الفسفور الأبيض؟

الفسفور الأبيض هو مادة كيميائية تنتشر على مساحة واسعة بعد قذفها من قذائف مدفعية ومن القنابل والصواريخ وتستخدم بالأساس لحجب العمليات العسكرية البرية عن أعين العدو. ولا تعتبر سلاحاً كيماوياً وليست محظورة من هذا المنطلق. وتحترق مادة الفسفور الأبيض لدى ملامستها للأوكجسين وتخلق حاجزاً دخانياً في الليل وأثناء النهار لإخفاء التحركات التي يمكن رؤيتها للقوات على الأرض. كما تعطل عمل معدات الأشعة تحت الحمراء ونظم تعقب الأسلحة، بدافع حماية القوات العسكرية من الأسلحة الموجهة من قبيل الصواريخ المضادة للدبابات. وحين يصل الفسفور الأبيض إلى أشخاص أو أي أغراض، فهو يتسبب في حروق شديدة تستمر لفترة طويلة. ويمكن استخدامه أيضاً كسلاح ضد الأهداف العسكرية (انظر أدناه).

كيف يُستخدم الفسفور الأبيض؟

 

يمكن استخدام الفسفور الأبيض بنشره جواً أو براً. وهو يبعث برائحة "ثوم" نفاذة. وحين ينفجر في الهواء فهو يغطي مساحة أكبر من عن حاله لو انفجر على الأرض، وهو مفيد في حجب تحركات الأعداد الغفيرة من القوات. إلا أن هذا ينثر أثراً حارقاً على مساحة أكبر؛ وفي المناطق كثيفة السكان - كما الحال في غزة - فهو يزيد من الأضرار في صفوف المدنيين. وحين ينفجر السلاح أرضاً، فهو يصيب المنطقة التي يتركز فيها فقط ويظل الحاجز الدخاني قائماً لفترة أطول. والسحابة المنبعثة من الفسفور الأبيض تعتمد على الظروف الجوية، لذا فمن المستحيل التحديد على وجه الدقة مدة استمراره قائماً كحاجز في الهواء.

كما يمكن استخدام الفسفور الأبيض كسلاح. فالقوات الأميركية استخدمته أثناء المعركة الثانية في الفلوجة بالعراق عام 2004 لـ "إجبار" المقاتلين المختبئين على الخروج، من ثم تمت مهاجمتهم بعد الظهور.

لماذا الفسفور الأبيض مثير للجدل؟

 

يحرق الفسفور الأبيض أي شيء يلامسه. وحين ينفجر في الهواء كمادة مموهة، فهو يسقط على منطقة تبلغ مساحتها مساحة ملعب كرة قدم، أي حوالي نفس مساحة تأثير القنبلة العنقودية. ومن هم على الأرض تحت موقع الانفجار قد يصابون بحروق مروعة في الجلد، ويمكن أن يتسبب في إحراق المباني والحقول وغيرها من الأغراض. واستخدام الفسفور الأبيض ضد الأهداف العسكرية في المناطق المزدحمة بالسكان يثير أيضاً القلق من احتمال عدم توجيه السلاح إلى هدف عسكري محدد، مما يعني أن أثره عشوائي لدى ملامسته الأرض، في انتهاك لقوانين الحرب. كما يفرض القانون الإنساني الدولي القيود على استخدام الأسلحة المموهة مثل الفسفور الأبيض ضد العسكريين، حين تكون هنالك أسلحة أخرى متوفرة.

ما وضع الفسفور الأبيض في القانون الدولي؟

 

الفسفور الأبيض حين يُستخدم في أسلحة يكون له آثار حارقة. والأسلحة الحارقة ليست محظورة بموجب قوانين الحرب. إلا أن استخدام الفسفور الأبيض ضد الأهداف العسكرية ينظمه البروتوكول الثالث لاتفاقية الأسلحة. ورغم أن إسرائيل ليست طرفاً في الاتفاقية فإن القوانين العرفية للحرب تحظر الأسلحة المضادة للأشخاص ذات الآثار الحارقة طالما توجد أسلحة أخرى يُرجح بدرجة أقل أن تسبب معاناة لا ضرورة لها.

وورد في الدليل التوجيهي العسكري الإسرائيلي لعام 1998: "الأسلحة الحارقة ليست محظورة. إلا أنه بسبب مجال تغطيتها الواسع، فهذا البروتوكول الخاص باتفاقية الأسلحة يحمي المدنيين ويمنع استهداف المراكز المدنية بالأسلحة الحارقة. كذلك من المحظور مهاجمة هدف عسكري يقع داخل مركز تجمع مدني باستخدام أسلحة حارقة. وهذا البروتوكول لا يحظر استخدام هذه الأسلحة أثناء الاشتباك في القتال (على سبيل المثال أثناء تصفية الخنادق والمخابئ العسكرية)".

هل استخدام إسرائيل للفسفور الأبيض يتفق ومبادئ القانون الدولي؟

 

ليس الفسفور الأبيض سلاحاً أو مادة تمويه محظورة. إلا أن استخدام إسرائيل للفسفور الأبيض كمادة للتمويه في مناطق مزدحمة بالسكان مثل غزة ينتهك الالتزام باتخاذ كل الاحتياطات المستطاعة لتقليل الأذى اللاحق بالسكان المدنيين أثناء العمليات العسكرية. وتدعو هيومن رايتس ووتش إسرائيل إلى أن تكف على الفور عن استخدام الفسفور الأبيض في المناطق المزدحمة بالسكان. وسوف تسعى هيومن رايتس ووتش لإجراء تحقيقات إضافية في هذه المسألة.